مشكلة الزواج تزداد تعقيداً مع مرور الزمان وقد شاع بين الشبان في المدن العامرة الإعراض عن الزواج مع التبرم لمن تزوج والخوف بالنسبة لمن لم يتزوج، إن هذا الأمر لعجيب، وما من حدث إلا وله سبب، ولكن تلك الأسباب تحتاج في تحليلها والإحاطة بآثارها ونتائجها وكيفية علاجها إلى وقت طويل، ولعلنا نوفق إن شاء الله للإلمام بأهمها شيوعاً وأكثرها أثراً وأقربها علاجاً.

أيها السادة الكرام: إن الزواج مبدأ تكوين الأسر ومدار العمران وسبب نمو الأمم وعون على نظام الحياة وباعث للأمم إلى العمل ووسيلة لهناء العيش وسعادة المجتمع، كيف لا وهو قاطع لجرائم الفساد للأخلاق ومانع لدابر الشرور بين الأسر وعون على صيانة الشرف والأعراض وفاتح لباب المودة بين الناس، فكم من شخص منفرد في حياته ليس له نصير صار بأصهاره عزيز الجانب موفور الكرامة محفوظ الغيبة.

وكم ترى من خامل ميت الأمل اشتد بالزواج أزره، وصار في الحياة عضواً عاملاً نشيطاً، لأنه بزواجه شعر بواجبات كان غافلاً عنها وتعلقت به مصالح مهمة، فاستفادت منه الأمة أكثر مما استفادت ذريته منه، ولا تسل عن حفظ المرء صحته بالزواج فيبتعد به عن الزنا الذي يجر إلى شر الأمراض، كما أن المتزوج تنتظم معيشته الحيوية، فينظر منزله قد عمر بالأبناء والبنات فدبت فيه روح الحياة الجديدة فيشاهد من نعم الله تعالى عليه ما يشرح صدره ويقر عينه ويملؤه ابتهاجاً وسروراً.

نعم الإله على العباد كثيرة

وأجلهن نجابة الأولاد

وقد اقتضت الحكمة الربانية بقاء النسل لإصلاح الأرض وإقامة الشريعة. ومعلوم أن النسل الصالح لا يبقى إلا بالزواج الذي يتحقق به التحلي بالعفاف، فهو من أجل وسائل الفضائل والكمال، والمرأة لا تتحمل مشاق الأعمال والعجز فيها مشهود، فالزواج يصل ضعفها بقوة ويهيئها لأن تكون رئيسة عائلة ومدبرة مملكة في راحة وسعادة وهناء، لأن الزوج يكفيها مطالب الحياة ويفوز برفيقة تخلص له الود وتشمل منزله بالرعاية وتحمل له الحب الطاهر.

إذ لم تكن في منزل المرء حرة

تدبره ضاعت مصالح داره

بهذا نعلم أن الزواج صلة قوية لا تختص بالزوجين بل تمتد إلى الأسرتين فتكون حلقة واسعة في سلسلة اتحاد الأمم، وذلك له أثر كبير في النصرة والاستقلال، فالنفوس البشرية التي سلمت فطرتها وأجابت داعي الحكمة لم تزل تميل إلى الزواج وتؤمن بأسراره، والنفوس التي عميت عن حكمة خالقها انصرفت عنه وظهرت في مظهر ينذر بسوء المنقلب، والأسباب التي أدت إلى هذا الخطر الداهم كثيرة، فمنها انحطاط الآداب ومنها التغالي في المهور والإسراف في الجهاز ومحاكاة الفقير للغني، حتى يكون مثله مظهراً، ومنها تكليف الزوجات الأزواج بمطالب منزلية تجاوزت حد الإسراف على أخلاق الناشئة، وأن المنزل هو المدرسة الأولى للطفل والأم هي مديرة تلك المدرسة.

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

وعلاج هذا النقص هو أن الواجب أن تربي البنت تربية دينية وأن تنشأ نشأة أخلاقية وتمرن على وظائف المنزل وواجبات الحياة المستقبلية لتؤدي المرأة واجباتها إذا برزت للحياة الزوجية فتكون مديرة منزلها وراعية عائلتها وسعادة زوجها وفخر أهلها، وأما التغالي وهو التنافس في الجهاز.

إما تقليداً للأغنياء وإما تنفيذاً لرغبات النساء وإما طمعاً في الثروات فيمنع الشباب عن الزواج وتبقى المخطوبة منتظرة مترقبة لمن يدفع الألوف وربما أطال عليها الأمد حتى تصبح عانساً أو تمسي بائسة، والآثم في ذلك البلاء العاجل والآجل ذلك الولي الجاهل الغافل، وعلاج هذه العلة هو تقليل القيم المادية، والاكتفاء في الجهاز باليسير على قدر الحاجة مع مراعاة أحوال الزمن والإعراض عن انتقاد الناس وآرائهم، فإن إرضاء جميع الناس غاية لا تدرك، وعدم التبصير في العواقب يؤدي إلى فوات المصالح والندم. وما أحسن ما قيل:

فالخلق لا يرجى اجتماع قلوبهم

لابد من مثن عليك وقادح

وكم أدى التنافس في الجهاز إلى إيجاد مشكلات وارتكاب ديون ووقوع مآس عرف الناس آلام نتائجها ولكنهم إليها منساقون، انقياداً لسلطان الشهوة والهوى والتقليد، وأما تكليف الزوجات الأزواج مظاهر الترف والرفاهية وصنوف الملابس ووسائل المدنية ومحاكاة للطبقات الثرية فهذا هو السبب لكثير من المناقشات والنفقات للحياة الزوجية، فالزوج قد يطيعها إن كان ضعيف الإرادة فينفذ مقترحاتها فيصير مآله الفقر والإفلاس أو يخالفها فتجنح إلى الفراق أو يقابل مطالبها بحسن السياسة والحزم فمرة ومرة فيعيش الزوجان في عراك دائم.

وهذا من نقص التهذيب وقلة الرشد وفقد القناعة والرضا والميسور، هذه حقائق ملموسة ثابتة كلنا نألم منها فمتى نسعى لعلاجها لنعلم أن الإعراض عن الزواج قتل لفضيلة العفاف وحرمان للأوطان من رجال الدفاع وإطفاء لمصابيح الحياة الوقادة فنحن من أبناء عشاق الفضائل أرباب الغيرة على المصالح العامة فعلينا أن نتأسى بهم ونقتدي بأعمالهم الصالحة لنكون خير خلف لأفضل سلف.

أيها الأخ الكريم:

تأمل قول ذي نصح وود

وبادر بالزواج تنل فخارك

وخذ من منبت حر أصيل

وعمر بالتقى والخير دارك

ولا تغتر بالحسناء تزهو

بأخبث منبت تجلو بوارك

وتقوى الله خير الزاد فاعمر

بذكر الله ليلك أو نهارك

راية خميس المحرزي