يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار»، وهو حديث لا يطبقه الكثيرون ممن يدعّون العلم ويدخلون البيوت عبر الفضائيات يدسون السم في العسل، لا يبتغون في فتواهم وجه الله سبحانه وتعالى ولا يخافونه، وإنما يهدفون إلى الشهرة والظهور، وجمع الأموال.

وتلك كوارث تنخر في عظام الأمة الإسلامية بعد الانفتاح الإعلامي غير المفيد، فمنهم من يفتي بغير علم ومنهم من يهدم بيوتاً، لا يعترفون بالمراجع الدينية والمذاهب الفقهية، كل ما عندهم هو دراسات حرة، ألم يقرأوا أن الإمام مالك (رحمه الله) كان عندما تُعرض عليه عشر فتاوى يفتي في واحدة ويقول في الباقي لا أعلم.

وإحقاقاً للحق، وعدم التجني أجرينا هذا التحقيق مع بعض علماء الفضائيات، ولكن من أصحاب العلم والدين، وممن أهلوا لإبداء الرأي وإصدار الفتاوى، فيرى د. صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن فوضى الفتاوى لا ضابط لها، خاصة على شاشات الفضائيات، وللفتوى أصول والعلم بها مفروض.

وعندما يتصدر أحد للفتوى يجب أن يعرف أن الحكم فيها يرتبط بالمكان والزمان والحادثة والشخص ذاته، وهذه النظرة لا يتحقق منها كل مفتي من الدعاة الجدد الذين لا علم لهم ولا دراسة، ويكتفون بقراءاتهم الحرة أو دراستهم في معاهد الدعاة، التي لا تحقق لهم العلم بالفتوى، لذا لابد من إيقاف هذا النزيف على الفضائيات، التي تبحث عن إعلان وجماهيرية الداعية الذي تتبناه بعيداً عن مضمون قوله أو عمله ما دام يحقق لها نسبة مشاهدة عالمية، متناسين ما قد تفعله الفتوى في المجتمع، فالدين مسألة مهمة في حياة الإنسان.

بل هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع فما لبثنا أن فرحنا بافراد ساعات للمشاهدة الدينية على الفضائيات حتى صدمنا بمضمون هذه الساعات البعيد عن الدين، وتهدف للفرقعة الإعلامية وفتاوى الإشارة التي تستقطب أنصاف الدعاة من محترفي فبركة الفتاوى وتفعيل الأحكام حسب المقاس في محاولة للدعاية والظهور.

فيفتون بغير علم مما يعتبر كارثة يسأل عنها أولاً أصحاب الفضائيات الذين يشكلون الدعاية لهؤلاء الدعاة وثانياً القائمون على هذه البرامج من مقدمين ومعدين، الذين يختارون ضيوف برامجهم بدون حد أدنى للمستوى العلمي الذي يؤهلهم للفتوى ويعطيهم هذا الحق.

حب الشهرة

كما ترى د. آمنة نصير أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أن تجرؤ البعض على الفتوى يعد من الأمراض التي طرأت على المجتمع، فداء حب الشهرة والظهور والقول بغير علم أصاب كثيرًا من الناس، وإن كانوا يتشدقون بدعوى الاجتهاد فإن أعمالهم بنياتهم، فكثير يستند إلى أن المجتهد المصيب له أجران والمخطئ له أجر الاجتهاد فقط.

لكن ما يحدث لا تنطبق عليه شروط الاجتهاد لأنه حتى المجتهد لابد له من صفات معينة أولها الدراسة المتمعنة في أصول الدين والفقه والمذاهب، ثم الممارسة والدراية الكاملة بأثر فتواه على المجتمع، ولا يعاب على صاحب الفتوى الأخذ بالرأي فيها ففي دار الإفتاء هناك لجان للإفتاء وليس آراء فردية ويتم الدعوة للاجتماع في المسائل الفقهية قبل القول بها واستصدار فتوى، وهذا لا ينزلنا عند المرتبة العلمية الفردية بل على العكس يزيد المفتي احتراماً ومصداقية لقوله.

لكن ما يحدث الآن يخلو من كل مسؤولية، فالداعية راع ومسؤول عن رعيته وسيسأل عنها يوم القيامة ماذا فعل بها، خاصة في الفتاوى التي قد تمس المجتمع بصفة عامة وليست حكما شرعيا لفرد فهذه الفتاوى الاجتماعية تعد من الكوارث التي ألمت بنا مؤخراً، بالإضافة إلى أن لكل بلد ظروفا تختلف عن غيره.

وهناك بعض البلدان تأخذ بمذاهب لا تأخذ بها بلدان أخرى، لذا لابد من فقه الواقع ودراسة حال المجتمع، وأثر الفتوى عليه قبل إصدارها، وما يناسب أحد المجتمعات قد لا يناسب غيره فمثلاً المذهب الشيعي في إيران لا يتفق مع المذهبين الشافعي والحنبلي، اللذين نعمل بهما في مصر، فستكون فتاواهم غريبة علينا وما يصح هناك لا يصح هنا.

وينصح د. محمد شرف الداعية الإسلامي جمهور المشاهدين بأن يكونوا أكثر وعياً فلا ينساقوا وراء دعاة الفضائيات ممن لا دين لهم ولا علم، ولا يستسهلوا الاتصال الهاتفي للحصول على فتوى من برنامج تلفزيوني فتحري الصدق في مثل هذه الفتاوى ضروري جداً فليلجأوا إلى أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون مثل دار الإفتاء كهيئة رسمية للإفتاء، وتعمل على الفتاوى الشرعية، مراعية الجانب الاجتماعي من الفتوى، حتى لا يحدث بلبلة أو فوضى من ورائها.

بالإضافة إلى كونها هيئة رسمية غير هادفة للربح من وراء الاتصالات أو الرسائل القصيرة، فنصيحتها لوجه الله تعالى بعيداً عن الإشارة الإعلامية على الشاشات، ما قد يوقع ولاة أمور هذه البرامج في المحظور من استصدار الفتاوى المتعجلة غير المبنية على أسس دينية في الإفتاء والاجتهاد طبقاً لظروف البرنامج من ضيق وقته وسرعة وتيرته، ولا وقت للداعية أثناء البرنامج لفتح الكتب التي تعينه على هذه الفتوى حيثياتها.

فتاوى فضائية

كما تقول د. سعاد صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف: إن سبل الفتاوى التي تصدرها الفضائيات بات أمراً صعباً، ويجب التصدي له فجهد الإعلام في البرامج الدينية مشكور ويزيده نجاح إعدادهم لنخبة من الدعاة الشباب الذين قربّوا العلم والدين للشباب والناس، فلم يعودوا منصرفين عنه لكن أيضاً الانفتاح القوي لهذه الفضائيات له سلبيات ولعل أولها استصدار الفتاوى بدون علم أو تفويض، فالفتوى معروف مصدرها اما القرآن واما السنة.

وأما المذاهب الأربعة التي اجتهد واضعوها لاختيار الأيسر والأحوط بها لخدمة المجتمع والفرد في أي مسألة من مسائل الدين، وما استجد على هذه المذاهب في أمر من أمور الدين أو الدنيا، فهناك جهة حكومية رسمية معروفة للجميع هي المنوط بها استصدار الفتاوى وهي دار الإفتاء، ولعلها سهلت سبل وصول الناس إليها اما عن طريق الهاتف المباشر، وإما عن طريق الزيارة أما ما يحدث على شاشات الفضائيات من استصدار الفتاوى الفورية، فهذا غير مقبول.

فكيف يجيب هذا الداعية على سؤال أحد المشاهدين بمجرد سماع المشكلة وكأنه متحضر لها دون أن يعيد قراءة ما جاء في القرآن والسنة والمذاهب من المسائل المتعلقة بهذه الفتوى، خاصة وأن بعض الدعاة الجدد من محترفي الظهور في الفضائيات يكونون هواة في مجالهم، فمنهم من قرأ قراءات أو دراسات حرة بمعاهد الدعاة، من دون أن يتم الرسائل العلمية التي تؤهله لإصدار فتواه وتحمل مسؤوليتها أمام الله ورسوله فضلاً عما قد تحدثه هذه الفتاوى في المجتمع من زعزعة للنظام وخلل في المعتقدات والثوابت التي تربينا عليها.

فالشريعة الإسلامية لم تُعد علماً واحداً بل تفرعت إلى مجموعة من العلوم التي تحتاج إلى تخصص والعلم بباقي هذه العلوم، ضروري لصاحب الفتوى، فماذا إن كان الإمام مالك لن يتجرأ على الفتوى، وكان يرتجف منها، فإن عرضت عليه عشر فتاوى أفتي في واحدة وقال في البقية لا أعلم.

الدعوة والنصح

ويقترح الداعية الشيخ د.محمود عاشور أستاذ الفقه والشريعة بجامعة الأزهر أن داء الشهرة وحب الظهور والقول بغير علم أصبحت من صفات دعاة الفضائيات الجدد فنجده يظهر بأكثر من برنامج وعلى أكثر من شاشة كلها في ساعة واحدة، ومنهم من يجيد الخطابة والكلام لكن بدون علم فينطبق عليهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، فإن كانوا جاهدوا بنية الشهرة وحب الدعاية والظهور فبطل أجرهم مثلهم مثل من يتصدق ليقال عنه كريم وجواد فلا يأخذ من الثواب شيئًا.

كذلك أيضاً من أفتى بغير علم فجزاؤه جزاء من كذب، وكما قال الرسول الكريم «من كذب على الله ورسوله فليتبوأ مقعده من النار»، وعلى مقدمي برامج الفتاوى في الشاشات الفضائية توخي الحذر والبعد عن غير الاختصاصيين، وإن كان الدعاة عملهم يقتصر على الدعوة والنصح ولا يتطرقون للإفتاء الذي يجب أن يتوفر له شروط قد لا يتمتعون بها، والحل قد يكون في توحيد جهة الفتوى فلا يختص بها التليفزيون لكن تختص بها دار الإفتاء لحصرها في نطاقها السليم.

كذلك مجمع البحوث الإسلامية كهيئة فقهية وبحثية محترمة، ولجنة البحوث الفقهية، والتي يقوم عليها مجموعة من المشايخ والعلماء وكبار الفقهاء الاختصاصيين في هذا المجال، كما على الجمهور المشاهد أن يعلم أن الفتوى شيء خطير قد يبني مجتمعات ويهدمها، فنذهب بها للمفتي، الذي يمتلك قدرات القياس والاستنباط والمعايير المعروفة في أصول الفقه.

القاهرة ـ غادة إبراهيم: