فى ظل وضع الحصار الخانق لمدينة صور الساحلية، بعد أن دمرت آلة الحرب الاسرائيلية كل الجسور والطرق التى تربطها ببقية مناطق لبنان، لم يعد هناك من خيار أمام الراغبين فى النزوح سوى تسلق سلم إلى جوار جسر مدمر أو التعلق بجذع شجرة،ويقول سائق سيارة الأجرة الحمراء التي توقفت أمام فندق رست هاوس المطل على ساحل صور الرائع في جنوب لبنان، لزبونه «جذع شجرة أو سلم؟ لديك الخيار أستاذ» لتتمكن من الخروج من مدينة صور.

ويعرف سائق سيارة المرسيدس العتيقة أن الوقت ليس للمزاح ولا للألغاز، إنما تحمل سخريته تحذيراً للشخص الذي يركب سيارته راغبا بالخروج من المدينة الجنوبية المعزولة نتيجة القصف الإسرائيلي، وسؤالا مبطنا: هل فعلا يريد المخاطرة بالخروج من صور؟.

ويشرح فادي وهو يوقف سيارته«الى اليمين، يوجد السلم. الى اليسار، جذع الشجرة». وقد انهارت أرضية أحد الجسرين بكاملها وسقطت في النهر، ووضع سلم خشبي عليها يتسلقه المغامرون ليعبروا الى الجانب الآخر.

الجسر الآخر دمر تماما. بين الركام والتراب، يمتد جذع شجرة افقيا. عشر خطوات تجعل المغامرين خارج المدينة المحاصرة. ويطرح سائق السيارة الحمراء الفلسطيني فادي محمد السؤال مجددا على الراكب، «تريد التوجه الى صيدا او الى بيروت؟». وهو مستعد، مقابل مبلغ مئة دولار، لمرافقة الزبون الاجنبي الى احد مدخلي صور.

وفادي في الخامسة والعشرين، اي عشر سنوات اقل من عمر سيارته. ويروي انه يعمل سائق تاكسي منذ ان تعلم قيادة السيارات. ولكن مع العزلة التي تعيشها مدينة صور، يؤكد انه مستعد للمخاطرة بحياته من اجل لقمة العيش. ويقول بلغة انجليزية سيئة، «اذهب الى النهر (الليطاني) وآتي بالخبز وبكل ما يطلبه الناس». ويحصل مقابل ذلك على مبالغ كبيرة.

ولعل الكيلومترات الاحد عشر التي تفصل المدينة عن النهر تستحق المئة دولار التي تدفع لفادي. فعند مدخل صور، تتحول الطريق المستقيمة الى حفر واسعة. حطام سيارات ينتشر على جانبي الطريق. في هذا المكان، فاجأ الموت عددا من الذين كانوا يحاولون الهروب منه. وفي السماء الصافية، يمكن رؤية طائرات «اف-16»المقاتلة الاسرائيلية.

منذ الثلاثاء، انذر الجيش الاسرائيلي عبر الاف المنشورات التي القاها بقصف كل سيارة تتحرك جنوب الليطاني لانه سيعتبرها مشبوهة. ولا يستثني هذا الانذار أحدا. كل من يتحرك يعتبر مناصرا لحزب الله الذي لا يزال يواجه اقوى جيش في منطقة الشرق الاوسط في الاودية المتعرجة والقاحلة في جنوب لبنان.

ويشمل الانذار على ما يبدو ايضا الصحافيين، وعددا كبيرا منهم من الاجانب الذين قدموا لتغطية هذه الحرب الجديدة في لبنان. في سيارات رباعية الدفع او اخرى قديمة، يلاحقون صور الموت والدمار، وقد وضعوا على صناديق السيارات الخارجية عبارة «برس» (صحافة) او«تي في» (تلفزيون) أملا في حماية انفسهم من القصف الاسرائيلي. غير انهم فهموا هم ايضا التحذير الاسرائيلي ولم يعد احد يتنقل في المنطقة بالسيارة، باستثناء بعض المغامرين جدا..

وكانت الوجهة بلدة القاسمية شمال صور حيث كان يوجد جسران فوق الليطاني دمرتهما القنابل الاسرائيلية. ولم يعد في امكان اي سيارة ان تعبر عليهما اليوم.

وبدت شوارع صور خالية، جامدة. وكان عدد سكان المدينة البالغ عادة حوالى خمسين الف شخص، تضاعف نتيجة نزوح السكان هربا من القصف الاسرائيلي على القرى الحدودية. ثم انحسر عدد السكان الى حوالي ستة عشر الفا، بحسب رئيس بلدية صور عبد المحسن الحسيني.