دخلت المعركة الدبلوماسية على جبهة مشروع القرار الدولي الذي يكافئ العدوان الاسرائيلي على لبنان ربع الساعة الاخير وسط مواجهات دبلوماسية في أروقة مجلس الأمن الذي عقد الليلة الماضية جلسة استماع للمطالب اللبنانية إثر التحرك الدبلوماسي العربي لدى المنظمة الدولية. ولقي هذا التحرك وقرار لبنان بنشر جيشه في الجنوب انفتاحاً فرنسياً روسياً حيث أيدت فرنسا التي رحبت خصوصاً بقرار نشر الجيش اللبناني تعديل القرار وسط تحفظ أميركي على ذلك، أما روسيا فغيرت موقفها معلنة عدم تأييدها لقرار لا يفيد لبنان.
ودعت في ظل تجدد الخلافات الى هدنة انسانية عاجلة. ولم تكن الأمور على الأرض أقل اشتعالاً بمقتل ثلاثة جنود إسرائيليين في معارك ضارية في جنوب لبنان، بينما لم تتوقف الغارات الإسرائيلية على المناطق الآهلة مع ما يتبعها من مجازر. كما توقفت أعمال الإغاثة في الجنوب جراء تهديد إسرائيل بقصف أي سيارة تتحرك جنوب الليطاني.
وشهدت التحركات الدبلوماسية أمس جهوداً ماراثونية طويلة في ظل العد التنازلي لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، فيما أجرت فرنسا وأميركا مشاورات لإدخال تعديلات على مشروع قرارهما حول لبنان المطروح على المجلس للأخذ خصوصاً بالتحفظات اللبنانية بعد أن قوبل بانتقادات عربية، حيث عمل الوفد الوزاري العربي، الذي تشارك فيه دولة الإمارات بوزير خارجيتها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، على الضغط من اجل تعديل مشروع القرار لإنهاء العدوان على لبنان ووقف إطلاق النار.
وشهدت أروقة الأمم المتحدة سلسلة اجتماعات مغلقة بين عدد من الدبلوماسيين لتحضير الأرضية المناسبة لإصدار القرار، وفي هذا السياق، التقى السفيران الفرنسي جان مارك دو لاسابليير والأميركي جون بولتون على مدى ساعتين ونصف الساعة للعمل «على تحسين النص» المقترح.
وفيما ينتظر أن يعقد مجلس الأمن جلسة نقاش عام بشأن وقف العدوان على لبنان بحضور الوفد العربي (الذي يضم إلى جانب سمو الشيخ عبدالله بن زايد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ووزير خارجية قطر حمد بن جاسم آل ثاني) .. أعلن وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي أن بلاده تريد أن تأخذ المشاورات الدولية في الاعتبار مبادرة الحكومة اللبنانية المتعلقة بنشر 15 ألف جندي في مناطق الجنوب والتي تعتبر «عملاً سياسياً مهماً جداً».
وأضاف ان الحكومة اللبنانية «اتخذت هذه المبادرة بالإجماع» في إشارة إلى وزيرين عن حزب الله فيها، موضحاً أن هذه الخطوة «تدل على رغبة كل الأطراف اللبنانية في مساعدة الحكومة على بسط سيادتها على كامل أراضيها».
من جانبه، قال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون «علينا الاستماع بتمعن إلى وجهات نظر الجميع» غير أنه بدا وكأنه يضع حدوداً لما يمكن ان تكون واشنطن مستعدة للقيام به، وشدد على أن «الغاية ليست إرضاء الجميع أو إرضاء أي كان تماماً لأن ذلك ليس ممكناً في الوقت الحالي، ولكن ان نتخذ إجراءات ملموسة ضرورية للمضي على طريق حل دائم».
وفي وقت لاحق اقترحت روسيا أمس اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً مرحلياً بوقف إطلاق النار لدواعٍ إنسانية إذا استمرت الخلافات حيال مسودة مشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي.
وصدر الاقتراح عن النائب الأول لوزير الخارجية الروسي أندريه دينيسوف الذي قال للصحافيين: «إننا نرى في الظروف القائمة أنه من الضروري في حال بقاء الخلافات على المشروع الحالي تبني قرار قصير لمجلس الأمن الدولي حول إيقاف إطلاق النار الإنساني بمثابة خطوة مرحلية». ونقلت عنه وكالة نوفوستي الروسية للأنباء قوله: «من المهم الآن التوصل في أسرع وقت ممكن إلى تبني قرار إجماعي لمجلس الأمن حول إيقاف إراقة الدماء فوراً والانتقال إلى تسوية النزاع المحتدم».
وأضاف: «من المهم أن يستعرض جميع المشاركين في صياغة القرار المذكور الإرادة السياسية المطلوبة. وتدرك روسيا باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي إدراكاً تاماً مسؤوليتها في هذا الوضع».
وفي لندن عبر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن أمله في أن يتمكن مجلس الأمن الدولي من إصدار قرار لإنهاء الحرب اليوم، في حين صدر من العاصمة الروسية موسكو موقف متشدد، إذ أعلن المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أن بلاده «لايمكنها تأييد مشروع القرار المطروح حالياً على مجلس الأمن لأنها تعتبره «غير مفيد» للطرف اللبناني، موضحاً أن «جهوداً مكثفة تبذل حالياً للتوصل إلى مسودة قرار تكون مقبولة أكثر للحكومة اللبنانية».
في غضون ذلك اعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلي إيهود اولمرت أمس أن استعداد لبنان لنشر الجيش في الجنوب بعد انسحاب إسرائيل خطوة «مثيرة للاهتمام»، وأضاف: «نحن ندرس هذه الاقتراحات. لا نريد احتلال لبنان ولا نريد أن نبقى فيه. نريد أن نحقق أهداف العملية: الحؤول دون إطلاق صواريخ وإبعاد حزب الله» عن جنوب لبنان.
وفي السياق ذاته، قال رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة ان إعلان حكومته استعدادها لنشر قوة من الجيش قوامها 15 ألف عنصر في الجنوب، «أداة» من اجل التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي احتلها ومن مزارع شبعا وإلى أن «تصبح الدولة صاحبة السلطة الوحيدة في لبنان».
وأوضح السنيورة في حديث إلى قناة «العربية» الفضائية أن الجيش يمكن ان «يستعين بقوات إضافية وجديدة من اليونيفيل (قوة الطوارئ الدولية) عند الحاجة»، على أن يتم ذلك بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي .. وبحيث لا يكون هناك سلاح غير سلاح السلطة اللبنانية».
على الصعيد الميداني، وسع الجيش الإسرائيلي من عدوانه على لبنان في اليوم الثامن والعشرين من العدوان. وأوضحت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان في بيان عن مسرح العمليات أن الجيش الإسرائيلي «وسع تواجده» في منطقة عيتا الشعب في القطاع الغربي من جنوب لبنان فيما أبلغ عن عمليات قصف عنيفة واشتباكات برية حول قرية دبل إلى الشمال.
وأفاد البيان عن وقوع اشتباكات بين القوات الإسرائيلية البرية ومقاتلي حزب الله في مناطق البياضة ـ المنصوري في القطاع الغربي الساحلي جنوبي مدينة صور، كما في محور بنت جبيل ـ عيترون في القطاع الأوسط، إضافة إلى محور ميس الجبل ـ مركبا ـ العديسة ـ كفر كلا ـ حولا ـ الطيبة، حيث فقد جيش الاحتلال ثلاثة من جنوده ما يرفع خسائر إسرائيل البشرية إلى 100 قتيل بين عسكريين ومدنيين.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن 7 من جنوده أصيبوا بجروح بعدما أطلق مقاتلو حزب الله باتجاههم قذيفة آر بي جي شمال مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان امس.
فيما ارتفع عدد ضحايا الغارة الجوية التي شنتها القوات الاسرائيلية على منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية اول من امس الى 30 شهيدا على الاقل.حسب بيان للشرطة اللبنانية التي ذكرت ايضا ان 60 شخصا جرحوا في الغارة التي دمرت مبنى سكنيا والحقت اضرارا بعدة مبان اخرى.
إلى ذلك، أعلنت منظمات الإغاثة الدولية وقف عملياتها في جنوب لبنان بشكل تام أمس بعد أن حذرت إسرائيل من أنها ستهاجم أية سيارة تتحرك جنوب نهر الليطاني.
وذكرت الناطقة باسم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة كريستيان بيرثيوم انه تم وقف أية عمليات توزيع إضافية للمواد الضرورية للبلدات والقرى.
ودمرت الطائرات الإسرائيلية الاثنين جسراً مؤقتاً على نهر الليطاني كان يمثل آخر نقطة عبور رئيسية على النهر لوكالات الإغاثة التي كانت تستخدمه في نقل الأدوية وغيرها من الإمدادات إلى ألوف الأشخاص المحاصرين في الجنوب وسط القتال الضاري والغارات الجوية، التي قتلت خلال الساعات الماضية 14 قروياً وأصابت 23 بجروح في قرية الغازية.
بيروت ـ علي بردى:
عواصم ـ الوكالات:
