بينما كان (ح) ينتظر مع بقية المسافرين لإنهاء معاملاته في الجوازات جاء صوت من الاستعلامات ليعلن أن الطائرة المتوجهة إلى مدينة (...) لن تقلع قبل ساعتين على الأقل وذلك بسبب عطل طارئ ومع أن الجميع أحسوا بالضجر والضيق لهذا الخبر والتأخير المفاجئ إلا أن (ح) شعر بسعادة داخلية بالغة فهاتين الساعتين قد تسمحان له بالتقرب وربما الحديث إلى تلك الفتاة الجميلة المسافرة على نفس الرحلة والتي تقف بالقرب منه في الطابور

كانت (س) تبلغ من العمر نحو عشرين عاماً أي في ريعان شبابها أما قامتها فقد كانت طويلة وكانت بيضاء البشرة وممشوقة الجسم كان كل شيء فيها جميل ومما زادها جمالا ذاك الشعر الأسود الذي كان ينسدل كالشلال على كتفيها حتى كأن الإنسان عندما ينظر إليها يخيل إليه وكأنه ينظر إلى لوحة طبيعية أبدعتها يد الخلاق، لم يتمالك (ح) نفسه أمام هذا الجمال الصارخ فتقدم من الفتاة محيياً إياها وسائلها عن الموعد الجديد لإقلاع الطائرة، فردت عليه بأدب جَمْ قائلة بأنها لا تدري. لم يضيع (ح) الفرصة

حيث استغل هذا الحوار البسيط ودعاها إلى تناول القهوة معه، قبلت الفتاة الدعوة حيث ذهبا إلى زاوية وجلسا يحتسيان شرابهما الساخن في هذه الأثناء اخذ (ح) يسأل الفتاة عن كل شيء في حياتها حيث عرف اسمها بالكامل وعرف بأنها غير متزوجة كما عرف أيضاً بأنها جاءت إلى هنا تبحث عن عمل لكنها لم توفق لذا قررت العودة إلى بلادها. استمر (ح) في حديثه معها ناسياً موعد إقلاع الطائرة ولم ينتبه إلا عندما أعلنت مذيعة الاستعلامات في المطار بأن هذا هو النداء الأخير لركاب الرحلة رقم (...)

المتوجهين إلى مدينة (كذا) طوال الرحلة التي قطعت خلالها الطائرة البحر الأبيض المتوسط وجزءا من المحيط الأطلسي كان (ح) مشغولاً بـ (س) وعندما وصلت الطائرة إلى وجهتها وشعر (ح) بأن الفتاة ستضيع منه وانه لن يراها مرة ثانية أحس بخوف شديد وجن جنونه لذا اتخذ قراره الحاسم والفوري وهو طلب والارتباط بها.

طلب الزواج

ما قاد ركاب الطائرة ينهون إجراءات الجوازات حتى تقدم (ح) من (س) عارضا عليها الزواج ورغم أن الطلب كان مفاجئاً وغريباً حيث لم يعرفا بعضهما البعض إلا لفترة بسيطة جداً إلا أن (س) لم ترفض ولكن طلبت مهلة كي تستشير أهلها في هذا الأمر عند ذلك قام (ح) بأخذ عنوان (س) وذلك كي يقابل والدها ليطلب يدها منه لم يمض يومان على ذلك حتى كان (ح) ضيفاً في بيت (س)، رحب أهلها به،

وبدأت المشاورات والاستفسارات وغيرها من الأمور ثم بدأ أهل (س) يضعون شروطاً لإتمام الزواج فهم لا يعرفون (ح) ولا ظروفه فما كان من (ح) إلا أن وافق على جميع شروطهم لكنه بالمقابل اشترط على (س) أن يبقى زواجه منها سراً وذلك لأنه متزوج من ابنة عمه التي لا يحبها ولكنه تزوجها لأن والده اجبره على ذلك فابنة عمه ثرية للغاية وهي الوريثة الوحيدة لوالدها الذي يمتلك الملايين كما اشترط على (س)

أيضا ألا تحاول عن تسأل من مكان عمله أو أرقام هواتفه أو أن تسأل عن أهله أو احد من أصدقائه حيث ان وسيلة الاتصال بينهما ستكون هاتفه المتحرك وقد علل (ح) كل هذه الاحترازات بقوله ان ابنة عمه لو عرفت بزواجه فستطلب الطلاق وسيضيع حلمه في الملايين التي سترثها من والدها العجوز الذي شارف على الموت

وافقت (س) وأهلها على هذه الشروط قائلة انه ما دام (ح) قادرا على تلبية احتياجاتها المادية والزوجية فإنها لا ترغب في إن تعرف أحدا من أقاربه حتى لا تفسد عليه حياته لانه عندما سيحصل هو على الملايين فانها بالتأكيد ستنال من ذلك جانبا تحت مراسم الزواج في إحدى المدن المطلة على المحيط الأطلسي وقضى الزوجان شهر عسل في ربوع تلك البلاد الجميلة

وأخيرا عاد (ح) مع عروسه الفاتنة إلى بلاده قبل ان ينزلا من سلم الطائرة اتفق (ح) مع (س) على أن لا تكمله عند خروجهم من المطار وذلك لان زوجته وابنه وأقاربه سيكونون في انتظاره ثم طلب منها ان تأخذ سيارة أجرة إلى فندق (.......) وتسكن فيه حتى يتدبر هو الأمر وفعلا فعلت (س) ما طلبه منها زوجها وبعد اقل من أسبوع كانت (س) تتسلم مفاتيح شقتها التي استأجرها لها (ح) في احد الأحياء الراقية كانت الشقة مجهزة بأغلى الأثاث وبالسجاد والستائر الفاخرة

وهكذا بدأ (ح) حياة جديدة مع زوجته الثانية واستمرت الحياة بين (ح) و(س) دون أية مشاكل تذكر رزقا خلالها بثلاثة أولاد كانت (س) طوال تلك الفترة حريصة على مشاعر زوجها فلم تحاول ان تعرف عنه شيئا كما انه لم يعرفها بأحد من أهله أو أصدقائه وعندما كانت تريد الاتصال به كانت تتصل على رقم خاص اشتراه ليكون لاتصالاتها هي فقط ولم يكن أحد يعرف هذا الرقم سوى (س) و(ح) وفي الوقت الذي كان فيه (ح) يحرم على زوجته معرفة احد من أهله أو أصدقائه لم يمنعها ان تقيم علاقات مع جاراتها أو مع سيدات من بلادها فقد كان المهم عنده هو ان تبتعد عن أهله هو.

الغياب الطويل

كان همزة الوصل بين (س) وزوجها هو هاتفه النقال فخلال سنين حياتها معه لم يقم (ح) باطلاع زوجته على اية معلومة عنه أو عن أهله أو أصدقائه أو مكان عمله ومن جانبها فإنها هي لم تحاول ان تعرف شيئا إرضاء له واحتراما لرغبته في احد الأيام اتصلت (س) بزوجها لتخبره بان إدارة المدرسة التي فيها ابنهما الكبير اتصلت بها طالبة منها تسديد القسط المدرسي الا ان (ح) لم يرد عليها اتصلت (س)

مرة ثانية وثالثة فوجدت ان هاتف (ح) مغلق فتوقعت ان يكون في اجتماع او انه سافر في مأمورية طارئة ورغم انشغالها عليه إلا أنها كانت تطمئن نفسها بأنه سيتصل بها قريبا مر يوم وثلاثة أيام وأربعة وسبعة دون ان يتصل (ح) بأسرته فأحست بخوف عليه وبعد اثني عشر يوما من الغياب قامت (س) بإبلاغ الشرطة عن تغيب زوجها طالبة المساعدة في إيجاده

وعندما سألها الضابط عن تفاصيل أكثر عن زوجها أعطته رقم هاتفه النقال فقط قائلة له ان هذا كل ما تعرفه عن رجل ارتبطت به كل هذه السنين ورغم استغراب الضابط لهذا الجواب الا انه وعدها بانه سيبذل جهده للعثور على زوجها، في مساء نفس اليوم الذي ذهبت فيه (س) إلى الشرطة للإبلاغ عن تغيب زوجها اتصل بها زوجها قائلا لها لقد عرفت بانك تبحثين عني وانك أخبرت الشرطة بتغيبي

لذا اطلب منك ان تنسي كل علاقة كانت بيني وبينك وألا تحاولي الاتصال بي او تحاولي ان تعرفي اين انا لأنني عدت إلى زوجتي الأولى ولا أريد ان اخسرها لأنني لو خسرتها سأخسر الملايين التي ورثتها عن والدها الذي مات قبل أسبوعين حاولت (س) ان تتكلم مع زوجها الا انه أغلق الهاتف مباشرة بعد ان انهي آخر كلمة حاولت (س) ان تتصل بنفس الرقم

لكنها لم تتمكن من ذلك في اليوم الثاني ذهبت إلى الشرطة واخبرتهم بما جرى قام رجال الشرطة بالاتصال بالرقم الذي تكلم منه (ح) آخر مرة حيث تبين انه يعود لمحطة بترول حاولت (س) ان تتغلب على مأساتها بسبب هجر زوجها لبيته إلا أنها لم تتمكن من ذلك فبعد نحو شهرين من هذا الحادث جاء صاحب البناية التي تسكن فيها مطالبا بإيجار الشقة

وعندما شرحت (س) له ظروفها أمهلها شهرا واحدا فإما ان تدفع الأجرة أو تغادر الشقة انقضى الشهر دون ان تتمكن (س) من ان تصنع شيئا فاضطرت إلى ان تبيع أثاث بيتها وان تذهب عند إحدى صديقاتها حتى تتدبر أمرها في وسط هذا الغموض الذي أصبح يلف حياتها ذهبت (س) إلى سفارة بلدها طالبة تأشيرات دخول لأولادها فقد

قررت ان تعود إلى بيت أهلها إلا أنها لم تحصل على التأشيرات وذلك لان الأولاد لا يحملون جوازات سفر كما أنهم غير مسجلين على جواز سفرها فذهبت إلى إدارة الهجرة والجوازات لعلها تخرج لأولادها جوازات سفر بجنسية والدهم إلا ان ذلك لم يكن ممكنا فقد طلبت الإدارة جواز سفر والدهم وخلاصة القيد وإقرار من الوالد.. الخ

بدأت (س) تشعر بالضياع فلا هي قادرة على ان تغادر البلاد وتترك اولادها خلفها ولا هي قادرة على اخذهم معها ثم انها لم تعد قادرة على ايوائهم واعالتهم اخذت المسكينة تتنقل بين الجمعيات الخيرية طالبة المساعدة والعون لعلها تحصل على مال يسد رمق اولادها في حين ان والدهم يتمتع بالملايين.

في احد الأيام ذهبت هي وصديقتها إلى مكتب (.......) وقصت على المسؤول هناك قصتها وطلبت منه المساعدة على ايجاد زوجها حتى ينقذها من الورطة التي هي فيها فقال لها المسؤول بان زوجك موجود وهو حي يرزق وهو يراقبك من بعيد ويعرف كل تصرفاتك وعندما طلبت منه ان يدلها عليه قال لها لا استطيع فزوجك صاحب نفوذ كبير وسلطان واسع ولا احد يقدر ان يخالف أمره.