الثقافة هي الجوع إلى منتهى اليقين والحقيقة بين ضفتين في أية متاهة نقف وبين أي حدث نتحاور، أترى بيننا من لا يرى تحت هذا الموت اللبناني اختراقاً غير معلن أو موتاً لا ينذر بغير حذاء الشرطي وبوابة الليل في قانا وغيرها من المجازر، في الجنوب الصامد أمام عداوة التراشق بالموت وبالجوع وبالهروب إلى المنفى. وعن هذا نقول وعدُ وغيره، امرأة وبيتها وهكذا أسئلة تترى من جهدٍ إلى غيره والبقية في أيقونة الحوار المطلق في صيدا وصور والنبطية والجنوب وفجاجة الرؤيا، أنها الإنذار بالحرب الهمجية دون رؤيا ودون رجعه وقول.. واليوم يطول الحديث عن موقف ورأي المتعلم المثقف والرعيل الأكثر إصراراً على الشهادة ويبقى ان نزيل اللثام.

ردا على تعليقه حول ما يحدث في لبنان من دمار وفناء همجي ان ما يحدث مؤلم حقا ما اقول والعلة في الداخل في صفوفنا في البنى الداخلية اعني الانظمة العربية هل من شك ان الخراب والدمار في نفوسنا في هزائمنا في اجوائنا فيما لم نعد ولم نكتب ولم نقرأ ولم نتحدث ولم يكن ذات يوم مسكونا ومعدا وهكذا ان الخروج من المأزق هو في الداخل فلا قوة ولا دفاع حقيقي الا بالبناء الحقيقي بادانة ما فعلنا وما لم نفعل ان مستوى تفكيرنا لابد وان يتغير والحال هذه.

موت معلن

الكاتبة والصحافية والاعلامية ختام بيطار عائدة في الافول القادمة من الجنوب تقول في المجارز وليست الحرب رأيت الموت.. دم ورعب وفزع هناك اكثر من جريمة توقفني امام اسئلة الحياة فيما نحن نتعايش وأواخر الجنوح نحو منطلقات التجاذب بين ضفتي الفكر. الحداثة والتطور ان ما يحدث واكرر ليس حربا وانما هي هدر وتضامن مع كل ما هو في خندق افناء الانسان والقيم وحتى الارواح وفي النهاية انها دعوات للغناء والموت المعلن والمجاني.

وتضيف انها العبثية وأعني العبث السياسي فهل هناك ما يمكن ان تحققه هذه المجارز الفوسفورية من مصالح شرق اوسطية فيما يمكن ان يعلن عنه من مسميات معلنة وغير مدركة كالمصالح السياسية والاجتماعية والنضالية والاقتصادية والعسكرية اننا جميعا في النهاية في أتون واحد بمعنى صراعهم من يقتل اكثر من من.. اذا كانت هذه مباراة وهذا منطق الحرب وقوامها في لبنان وبالتحديد في الجنوب اقول انتهى كل شيء.

وتضيف المقاومة مشروعة تدافع عن وطن وتدافع عن قيم وبشر ومصالح ولا ألومها ولكن امام هذه المجازر والموت اليومي للاطفال وللنساء والشباب وردم كل ما أسس ويؤسس في النفوس وعلى الارض من كل شيء أي انتصار نتحدث عنه واي هزيمة يتكبدها العدو. وتتدارك بيطار في اصغاء جارح ورؤى متعبة كانسان رأى اقول لا اتصور ان هناك شعباً او امة بالتحديد كأمتنا وضعت نفسها في هذا المأزق؟!!

وردا على تساؤل بخصوص وضع لبنان والجنوب بعد قانا والاهم منه سقوط النبطية اعني تدميرها بمخالب العدو تقول لا حول ولا قوة؟ كيف يتحول حلمنا واوطاننا الى مشاريع للموت بدل الحياة لقد اهتزت كل الايديولوجيات والذهنية الواعية والافكار في هذا العام واعني عام 2006 الحرب واعني بها المجازر والهزائم والقتل في الصميم في المذبح فكيف يأتي السلم انها الهزة والصحوة والوعي الذي بات لا يدرك واعني في الحالتين الحرب والسلم وما بينهما في اللاحرب واللاسلم واللا.. وتكمل ترى أي بشاعة تسيرنا من يحكم هذا العالم هل الجراذين يسودون هذا الكون؟ وابكي وتقول اين منطق الوعي او كيف نداوي من مات وكيف نرى بارقة من نور.

وتضيف حين سألتها عن المستهدف على صعيد الوعي من هذا الدمار فتقول كما قلت من اهم او اوائل اهداف هذه الحرب ضرب الانسان اللبناني والعربي في صميمه بمعنى ان كل عربي ايا كان في لبنان او في كل انحاء العالم يصطدم بقذيفة كي يموت. وتختتم حديثها بقولها لما شهدت ورأت في غضون اسبوع واحد من الدم والموت.

كل شيء كفيل بقتلك الانتقال من الى أي ركن في لبنان هو في حد ذاته تجربة موت الرعب يقتلك الخوف، الجوع، الهرب، الصراع، القذائف واقرأ ما شئت «الجثة تشهد والشهداء بلا اوراق» وتتابع المثقف في هذه الحرب اكثر من غيره عرضة للدمار بوعيه المضاعف ولكن تبقى ثقافتنا عرضة للتذبذب، النهب وللفناء والوضع غامض!! شرق اوسط جديد او نزف دم جديد. ان ضرب لبنان يعني ضرب القلب فهي مفصل العرب الحقيقي اما الجنوب فهو الافقر والرهان هو دائما هكذا: الافقر هو دائما يدفع الثمن.

من يعي!!

الدكتورة امينة عبدالعزيز الظاهري الاستاذ المساعد في كلية العلوم الانسانية والاجتماعية برنامج الاتصال الجماهيري تتحدث متفاعلة مع الحرب في لبنان وبالتحديد في الجنوب فتقول والحديث متشعب فلنبدأ بالمثقف واعني الحرب تمنع بشخوص هم كالمنار بأقلامهم والسنتهم ومنابرهم كان يمكن تدارك الهزيمة وحتى الموت ولكن في عالمنا العربي لا صوت لهم وهذه هي البداية ان اغاني نانسي عجرم واليسا اقوى واكثر طربا من اصوات الادباء والكتاب والمفكرين وفي النهاية في هذه الملهاة تكبدنا كل هذا الحريق.

تضيف د. امينة الظاهري متأففة فلأدخل في منطقة او محور اخر ولأقرأ رؤيتي للشعب العربي وهو نوعان كما اراه: نوع كادح ونوع مهجن بمعنى في تصريح للرئيس حسني مبارك ذكر بصريح العبارة - وهي تستشهد ببعض الصحف - لن نحارب من اجل لبنان وتكمل معلقة ومستشهدة بحديث الرئيس هناك 20 الف مصري بحاجة إلى فرص عمل.

وتتداعى في حديثها إلى حديث جدتها التي دائماً تراهن على أهمية الحياة رغم كل صنوف التعب وحتى الإهانة «الحياة لو تحت حافر مصري» بمعنى المهم أن نعيش ولا يهم كيف؟، وهو سؤال المرحلة الجوع المتضارب على فرص العيش الصراع الذي خلقه ما يعرف بالتخصيص وغيره من الأنماط المستحدثة وغياب الوعي بمدى أهمية تضافر الجهود لخلق ما هو حقيقي وبالتالي قوي ومقاوم وهكذا.

أما الموقف الآخر بعد السلبية وهو موقف «لا حول ولا قوة»، لقد عجزت الدول العربية عن عقد قمة، وانتهى حتى زمن الإدانة، وسقطنا في الأوهام في السوق في الشواء وربما البيع وأعني التجار، وبقينا نتردد على «ستاربكس» والميريدين » ـ واعتذر ـ أتساءل هل يمكن القضاء على إسرائيل كيف يمكن التهكم ونحن نحارب أعني في لبنان بالأسلحة الفتاكة والقنابل الذكية، من ضد من واقف بشدة أمام من يسمى السيد حسن نصرالله لأقول إنه يحارب وانني أشد على يديه وأختصر موتاً من الصمت وأحيي حزب الله فهو وحده يواجه إسرائيل ويحمي الجنوب، فالجيش اللبناني لم يتحرك ولا غيره، وأعود لمقولة إسرائيل ليست إلا وهم وأكذب نفسي وأقرأ ما قاله الحسيني عن الحرب إنها قد تقرر مصير المنطقة وليس لبنان وحده وعلى هذا سيسجل لحزب الله أنهم وقفوا في وجه التتار وربما أماتوا أسطورة الهمجية الإسرائيلية والجيش الذي لا يهزم.

وتضيف في نقلة حوارية مفاجئة ومفتعلة وحقيقية لتقول د.أمينة الظاهري: مجزرة قانا الجديدة وغيرها لم تدان والصمت سيد الموقف والأمم المتحدة بقيادة كوفي عنان لم تعلق ولا موقف يذكر سوى الهدر وهلم جرا.

أما عن دور الإعلام العربي في الإدانة فتقول فضح من جانب دمار العرب في لبنان وخاصة الجنوب والضاحية ومبالغة في عرض الهزائم وجثث الموتى والبيع والشراء بالهزائم والجوع والفضح، أما الجهة الأخرى وأعني بها إسرائيل، فالحديث عن أضرارها قليل وكأنه لم يحدث تعتيم ونصر، إلا القليل وربما هو كذلك. وتضيف الإعلام ليس محايداً وأعتقد أنه طرف في الحرب أو المجازر وهلم جرا والحقيقة بلا حضور.

من جانب آخر، تستشهد الدكتورة أمينة الظاهري ببعض المحطات الإعلامية الفضائية وهي New Tv وترى أن الحرب أو الجريمة في لبنان فيما يسمى بالمجازر والحرب الدائرة بين حزب الله أو نصر الله وإسرائيل خلقت نوعاً من التقارب بين الشيعة والسنة على المستوى الشعبي، لا سيما قائد الحزب ذو العمامة. وعلقت المتحدثة عن الموقف السعودي واستشهدت بالقرضاوي وما قاله إننا في هذه الحرب بلا طائفية وأن الحرب ضد لا إله إلا الله، وكفى، فالمذهب لم يعد يشكل مشكلة أو قضية في مواجهة إسرائيل بغض النظر عن الشيعة واختلافهم والسنة وملتهم فالعدو واحد.

كما علقت المتحدثة عن ارتباط بعض المساعدات التي قدمتها بعض المؤسسات والشركات بذكر أسمائها وكأنها سمسرة في وقت الأزمات أو كما عبرت دعاية أوبروبجندا لبعض «الماركات» والحالة يُبكى عليها.

القوة العسكرية

وتحدث الدكتور فالح حنظل باقتضاب عن حقيقة ما يحدث من مجازر في لبنان قائلاً: هل قرأتم التوراة أيها العرب، هل تعلمون من هم اليهود إذن فاقرأوه تغلبون.

إن ما يحدث يلخص في قوله تعالى: «وأعدو لهم ما استطعم من قوة»، وكفى أعداؤنا جبابرة لا ذمة لهم ولا هدف وإراقة الدم شعار يحملونه منذ الأزل، أصبحنا ذبائح ولا أريد أن أقع في التكرار أو الملل في المحصلة ما تحصده إحدى قنابلهم في قانا ويبلغ عدداً لا يحصى من القتلى والجرحى، وما يفعله حزب الله في ثمانية عشر يوماً يحققونه في قنبلة واحدة وكفى.. هل من طائرة تستطيع اختراق حدود إسرائيل؟

ويكمل لا توازن في القوى بيننا وبين العدو معهم كل القوى العالمية ونحن من معنا، لقد كانت معنا دولاً عظمى كالصين والاتحاد السوفييتي، وقد خسرناها للأسف، ليس لنا إلا الصبر، وأن نلوم أنفسنا ثم العمل والبناء العسكري الحقيقي. إن مشكلة العرب هي مشكلة عسكرية، والحل في كفاءة هذه الناحية ولن أطيل.

في الحزن

أما القاص والمسرحي عبد الإله عبد القادر المدير التنفيذي لمؤسسة سلطان بن علي العويس، فقد شارك في هذا الاستطلاع بخصوص ما يحدث في الشرق الأوسط بقوله:

في نكسة 1948 كنت صغيراً، لكني ما زلت أذكر خيم اللاجئين في بلادي، وحادثة واحدة لا أدري لماذا ظلت عالقة في ذهني، في هذا العام كنت تلميذاً في الصف الأول الابتدائي، طلب منا معلمنا «إلياس يلده» أن نقدم عوناً لاخوتنا أطفال فلسطين، في صباح اليوم التالي أعطتني أمي علبة الجبن التي كان ينبغي أن نفطر بها. وتبرعت بها.

لم أدرك معنى هذا الحدث إلا حينما كبرت ونضجت عقلياً، وعرفت معنى أن تقطع امرأة عراقية من فطور أولادها لتطعم أولاداً ليسوا أقل معزة من أولادها.

مظاهرات.. ونساء ثائرات..

حينما كنا صبية، لم نترك العابنا، وعبثنا، لكننا كنا بلحظة نتحول إلى قوة صلدة، وصوت واحد يهدر من المحيط إلى الخليج، في الاعتداء الثلاثي على مصر، كانت صدور كل شباب العرب مفتوحة لرصاص السلطات الحكومية «قبل رصاص العدو» التي كانت تمنع التظاهرات لأسباب عديدة، معروفة ومكشوفة في إطار المسلسل الذي لم ينته، وشاعر عراقي قالها بصراحة حينما أعلن:

عبيد للأجانب هم ولكن

على أبناء بلدتهم أسود

كان العرب يعبرون عن تأييدهم بالمواجهات والتضحيات، ويرفضون التخاذل لم تكن أساليبهم تتحدد في «أضعف الإيمان» حتى النساء كن يمثلن وعياً ومثالاً أمام أبنائهن، كنت أتبع جدتي التي ما تركت تظاهرة إلا وكانت في وسطها.

لا فرق أن يكون الاعتداء على بور سعيد أو عدن أو البصرة، كان الوعي أكبر مما نحن عليه الآن، فلم ينتشر التلفاز يومها، ولا ثورة الاتصالات، كان صوت الراديو فقط، يحرك الشارع العربي الذي أصبح مثلجاً ومجمداً ومسيراً ومغيباً، رغم كل ما تنقله الفضائيات من صور يعجز أي قلم من وصفها.. أو أي إنسان أن يتحملها.

1967..

نبكي مثل النساء على أرض لم نحافظ عليها مثل الرجال، وجبهات مطعونة بالخيانة، وشبابنا يروون بدمائهم أرضنا المقدسة شبراً شبراً، وعلماء الدين يدعون إلى الله الا ينتصر السلاح السوفييتي بيد شهداء مصر على أرض فلسطين، مفارقات عجيبة.

وتتوالى علينا تباعاً..

انتصارات محدودة.. وهزائم كبرى.. والأمة تتراجع وتنهار، وجيوشنا العربية تحتل أراضي العرب بدلاً من التوجه إلى فلسطين، وننقسم ونتشتت شذر مذر.

لا أعتب على الساسة المهنيين المحافظين على الكراسي والمراكز فمن حقهم أن يحافظوا على مساحة المتر الواحد الذي يملكونه، لكن أين هو الشارع العربي، أين طليعة هذا الشارع من المثقفين، أين شعراء الأمة الكبار الذين كتبوا قصائدنا التي سجلت تاريخ هذه الأمة وإنسانيتها، والذين انتصروا للإنسان.

أين ضمير هذه الأمة.. أين ضمير الإنسانية المحنط في مقابر هيئة الأمم، وكواليس قصور الدول الكبرى..

نحن أمة ربما كما أعلن نزار قباني عن موتها قبل سنوات.

الأغاني..

لم ينعزل الأدباء والفنانون عن قضيتهم مثلما نجده اليوم من المواقف السلبية التي ربما هي انعكاس للموقف الرسمي لبعض الأقطار العربية.

أنا رجل مخضرم..

لن أذكر لكم سيد درويش بنشيده الخالد «بلادي بلادي» والذي نتغنى به حتى اليوم، فقد ولدت بعد زمن درويش بعشرات السنين.. ولكني ورثت النشيد مثلما ورّثته لأبنائي وأحفادي.

في عام 1965.. وخلال دقائق يلحن محمود الشريف نشيده العاصف «الله أكبر فوق رأس المعتدين.. يا هذه الدنيا أطلي واسمعي جيش الأعادي جاء يبغي مصرعي..»

صلاح جاهين.. وكمال الطويل وروعتهما «والله زمان يا سلاحي»

محمد الموجي.. وأمانة عليك.. أمانة يا مسافر بور سعيد

جاهين وسيد مكاوي.. ح نحارب

عبد الحليم حافظ.. أحنا بنينا.. واحنا حنبني السد العالي

عبد الوهاب.. وطني حبيبي.. وطني الأكبر

فيروز.. يا قدس.. يا مدينة السلام

صباح.. نجاح سلام.. شادية... الخ.

شعراء وملحنون ومطربون كانوا لا ينامون، يعيشون في استديوهات الإذاعات رغم كل القصف الذي كانت تتعرض له هذه الإذاعات.. وتعرّض حياتهم فعلياً للموت..

لا أدري.. كيف استطاعوا أن يحولونا إلى ديناصورات ميتة، وخراتيت عاجزة عن الحركة، وتصبح عقولنا مشلولة، وعواطفنا وأحاسيسنا ميتة.

لا أدري كيف لا تتحرك شعوبنا حتى ولو عن إعلان تأييدها ومواساتها لإخواننا في لبنان، من باب التعاطف.. لا الواجب الملقى على رقابنا.

في عام 1956 أضربت الأمة العربية برمتها عن العمل من محيطها إلى خليجها لأن فرنسا خطفت زعماء الجزائر.

لا عزاء لي إلا أن استذكر بعض مقاطع من الشعر الذي قيل، وما عاد يقال:

إنا لنذبح كالنعاج..

كأنما

دمنا لدى الحكام ماءُ

...

عرب بلا عرب

وسيقان النخيل مكسرات في الرمال

والكحل في العين يرحل خائفاً نحو الشمال

والشاعر العربي

قد فقد الحقيقة

مثلما فقد الخيال

...

يا ست الدنيا

من ذبح الفرح النائم في عينيك الخضراوين

من شطّب وجهك بالسكين

وألقى ماء النار على شفتيك الرائعتين

من سمم ماء البحر، ورش الحقد على الشطآن

الوردية

ها نحن أتينا.. معتذرين.. ومعترفين

إنا أطلقنا النار عليك بروح قبلية

فقتلنا امرأة.. كانت تدعى الحرية

...

يا ست الدنيا..

ها أنت دفعت ضريبة حسنك مثل جميع الحسناوات

ودفعت الجزية عن كل الكلمات

...

يا ست الدنيا

ان الدنيا بعدك ليست تكفينا

الآن عرفنا.. أن جذورك ضاربة فينا

الآن عرفنا.. ماذا اقترفت أيدينا

يا بيروت..

اعذريني فلقد عدت إلى قصائد الأمس لأني لم أجد في كل ما يكتب ما يمكن أن يعوض دم طفل من أطفالك ويعوض عن جدلية من جدائل صغيرة قتلناها بصمتنا، وبعارنا، ولم نكتب لها حتى قصيدة.

آخر الحروب العربية

يحدثنا دريد لحام قائلاً: من الواضح أنها خطة مبيتة لم تخفها الإدارة الأميركية بنيتها إعادة تشكيل الشرق الأوسط من جديد، وبخطأ من يصدق أن سببها أسر جنديين إسرائيليين، لأن أسر جنديين تم في أرض لبنانية محتلة وهذا بالعرف العسكري يستدعي تبادلات لاحقة ولا يستدعي هذه الحرب التي راح ضحيتها مئات الشهداء من لبنان.

هذا إذا وضعنا في الحسبان الدور السلبي للأمم المتحدة والشرعية الدولية التي أصدرت حتى الآن عشرات القرارات التي لم تنفذ حتى الآن، في الوقت الذي أعلنت فيه «إسرائيل» الحرب على الأمم المتحدة عندما اغتالت أربعة ضباط دوليين، وما حدث أمس من مجزرة جديدة في «قانا»، القرية الوادعة التي اكتوت بنيران الحقد على الدوام وهي التي مر فيها السيد المسيح، منادياً بالمحبة والسلام.

وهنا لابد أن أؤكد أن المقاومة اللبنانية كانت على الدوام مقاومة شريفة، لم تقتل المدنيين ولا الشيوخ والأطفال، وما قامت به مؤخراً كان ردة فعل على ما تقوم به آلة الحرب الهمجية لذلك أرى أن المثقف والفنان لا يستطيع إلا أن يكون مع الحقيقة وإلا يفقد قيمته، واحترامه لنفسه، وتقدير الآخرين لإبداعاته، لأن سلاح المثقف هي الكلمة الحرة والفعل الذي يحرك المشاعر والعواطف باتجاه الحق.. وللتاريخ أقول ان ما يحدث الآن هو آخر الحروب العربية، وإلا كتب على هذه الأمة النسيان، لذلك يجب أن تنتصر وأن نقدم لها كل الدعم الممكن الفعال.

دور المثقف

أما د. حسين جمعة رئيس اتحاد كتاب سوريا فيعلن: أستطيع أن أقول أن الإنسان الصحيح في مشاعره عندما ينظر إلى ما يراه من النتائج المذهلة للعدوان الهمجي الوحشي الصهيوني، يمكن أن يقول بكل صراحة ان الإنسانية والرحمة قد نزعت من قلوب أولئك البشر هذا إن كانوا بشراً، ونحن نشاهد جرحى وأناساً قد طار الفزع بهم حتى رأيناهم أشباه بشر وليسوا أناس حقيقيين لكثرة الخوف المزروع في داخلهم من آلة الدمار الوحشية التي تسلح بها الإدارة الأميركية هذا الكيان الذي خلا من كل ضمير.

وحينما زرنا مكاناً آخر، تجمع فيه مئات الأسر من المهجورين من لبنان، وجدنا أيضاً عدداً من الجرحى وآلمتنا المناظر وهنا نستطيع أن نضيف قائلين نحن باعتبارنا مثقفين لا نملك سوى الكلمة، مع إحساسنا كأدباء بالألم والحرقة للعجز العربي الذي وقف متفرجاً دون أن يستطيع نصرة هؤلاء الناس المظلومين ومن المقهورين المقتلعين من أرضهم، ونحن لا نستطيع أن نقبض السلاح ونحارب بالبندقية، ليأتي دور الأدباء، والكتاب لتسليط الضوء على هذه الجرائم أولاً وفضحها وفضح مرتكبيها ومحاولة إلقاء الضوء عليها، لأن هذه النتائج صحيح أنها آذتنا إنسانياً، نتيجة لفعل إجرامي خطط له بشكل مدروس في واشنطن وتل أبيب.

حتى تظهر الصورة

يولا عفيف بهنسي: كاتبة وأديبة سورية تقول: قراءات مستبشرة تنقض المألوف، فالمألوف هو التفاعل والتباكي وإظهار العضلات المفتولة ضد الأشعة الذرية والصواريخ الليزرية، والمألوف أيضاً هو القناعة بالخمول والتضاؤل ولكن، لا ضير أن لهول الحدث سماته، وأن للمواقف تشاركية مع ذلك المألوف فمعادلة اليوم قد اختلفت، والصورة في إطارها قد تغيرت، والوجوه على حقيقتها ظهرت. نسأل اليوم إن كانت مجموعة السيناريوهات العربية حقاً، نسأل مع كل الإيمان والثقة بما استطاعت فئة قليلة أن تكبد أسطولاً عسكرياً متعجرفاً كإسرائيل، ولكن إذا كتب لتلك المقاومة الحقيقة أن تستمر، وهي حقيقة مستمرة، فسيكون هذا ضربة موجعة للأنظمة الكرتونية وإضافة الكرتونية الثابتة غير المتحركة.

لا أعلم على ماذا سيراهن هؤلاء، مدافعون ومعتدون، لكنني أتساءل من موقع غير مسؤول، هل نحن فعلاً خير أمة أخرجت للناس...؟! هل هذا الخير المعصم هم هؤلاء المهرولون، وأتمنى من الله، كما قال السيد: «نحن نراهن على اتكالنا على الله رب العالمين».

واليوم أنعي إليكم، كل هؤلاء المتخاذلين، ولا أريد أن أخط الكلمات على الصفحات لأنني أخاف أن تتغير الصورة، أخاف أن أفقد الإيمان بعد الإيمان، أخاف أن أخذل كما خذلتمونا، نحن الشعوب، نحن ملايين الملايين، ولا أريد أن أخط الكلمات كي لا أؤكد تخاذلكم بعد الناصر وبعد العراق، وبعد وبعد.. سأنتظر حتى تتكون الصورة وسأبدأ من مواقعي، وسأعمل كي تتدرج الألوان فوق سطوحنا.

أعدكم أنني لن أكتب عن أحلامي مرة أخرى، لأنني لا أريد أن تهزم هذه الأحلام..

حرب مدمرة

فيما تقدم د. فاطمة الشامسي قراءة ترتكز على البعد السيسواقتصادي وأرى في مبادرتها الحوارية رؤية متعددة ومتداخلة تقف على بعدين هامين هما البعد الاقتصادي والهمجي في تعليقها على حرفية الدمار والجوع والقتل والنهب والتدمير للقطاعين الشعبي والرسمي وقمة ما حدث في ضرب مطار العاصمة بيروت وهدم المؤسسات الدينية والإنسانية والمنازل وطرق المواصلات والعبث بالجثث لاسيما تجمع الصغار وكبار السن كما حدث في مجزرتي قانا والهدم اليومي للأحياء ودور العبادة.

أرى ـ كما تقول د. الشامسي أن ما حدث تلفيق بدعوة البحث أو الانتقام للأسرى الإسرائيليين، وأرى أن المقصود هو إبادة الشعب اللبناني والعربي بأكمله وراء حجة الأسرى والإرهاب وما الأمر إلا حوار من منابع الطامة الكبرى أو أميركا التي تعمل على تغيير الخارطة العربية والأوسطية فيما يسمى بالشرق الأوسط الجديد وأي جديد هذا وتضيف لماذا اختار لبنان بالذات وفي الوقت الحالي بالذات؟؟

وتتابع: القراءات الاقتصادية الاخيرة التي نتابعها قبل الحرب تشير الى طفرة غير مدروسة في نمو اقتصاد لبنان لاسيما في قطاع البنوك والفنادق والاستثمارات الخارجية والأجنبية بشكل مخصص مما يعني طفرة اقتصادية متزايدة يعقبها استقرار غير متوقع على الرغم من الاختلافات الداخلية وأعني طائفية لبنان. وتتابع رغم ايماني بديمقراطية لبنان الوحيدة في البلاد العربية، واقاطعها فترد: فلنقل على حد تعبير د. الشامسي، ديمقراطية الطوائف. نعم اجيب فتقول: في لبنان وحدة يمكن للرأي ان يرفع وللصوت ان يجد قنواته واعني حرية التعبير وكفى.

وتعقب الدكتورة فاطمة الشامسي عكس هذا تريده اسرائيل فهي تعترف بأن نمو لبنان اقتصادياً وانفتاحه على العالم الاستثماري يعني هجمة على الاقتصاد الاسرائيلي المتواضع مقارنة بمؤشرات التطور الفندقي ـ على الاقل ـ في لبنان في هذا الموسم فاسرائيل تريد ان تكون هي القوة الاقتصادية القصوى والوحيدة في الشرق، تتعاطى التطبيع الذي نقاطعه كقوى شعبية ويوافق عليه غيرنا.

وتتابع في تحليل اقتصادي لمؤشرات موسم الصيف اللبناني في اوجه وهو مؤشر يعني ان الحكومة اللبنانية تزيد من مداخيلها مما يعني تطوير القطاع الحكومي ومن ثم تهجير المعاناة عن السكان لاسيما الفقراء وهكذا. فالصيف أعني صيف 2006 يعني قطع شوط في نبذ الخلاف السياسي ووضع اجندة اقتصادية حقيقية للاصلاح الحكومي والتغيير اعتماداً على القطاع المصرفي والفنادق وهكذا.

وبأسف تقول ان اسرائيل يزعجها وجود دولة عربية قريبة تنمو بهذه السرعة وبهذه الطريقة.

اما عن حزب الله فتقول لقد قدم حزب الله لاسرائيل الذريعة بحجة الاسرى ومكنها من الهدم فيما لم يحدث من قبل وتم تدمير البنية التحتية، إن الحرب ليست من اجل تحرير الجنديين او الأسرى انما توريط المنطقة في حرب لشل اقتصاداتها بالكامل من المطار وحتى آخر بيت في الجنوب وقس على ذلك الأسرى العرب والغرب والدمار الخ المعادلة، وأعني كل ما هو مستحدث في بيروت وفي الجنوب.

وتضيف: القول بأن حزب الله ارهابي وان السياسة الاميركية تريد تدميره لا يعني شيئاً فحزب الله اجده مقاومة مشروعة أمام عدو محتل غاشم فهو يقاوم الاحتلال في شبعا وهو يحارب في حدود اراضيه ولم يصدر نشاطه الحربي الى خارج ارضه أو اراضيه المحتلة. نحن نختلف مع هذا الحزب ونؤمن بدور الدولة المسيطرة اوالشمولي فهي التي تطور الحوار الوطني وترسم الحدود وكيفية الانسحاب من شبعا. ثم تضيف المتحدثة الشامسي ـ ان نقول ان ما يحدث في لبنان لعبة دولية كبيرة تمارسها الولايات المتحدة على لبنان ودول المنطقة، وهناك اجندة مرعبة لابد من كشفها.

لا خوف

ويحدثنا الرعيل الأول السيد عبدالله علي الشرهان عضو المجلس الوطني السابق او كما عرف نفسه مواطن عربي فيقول: بعد مجزرة قانا الجديدة التي فاقت بفظاعتها وترويعها كل حدود الإبادة في المجازر بقديمها وحديثها. يقول: ترى كم حرب أخرى تنتظرها الأنظمة العربية الرسمية لتشاهد فيها دماء اطفال شعوبهم ونسائهم وهنا تراق على مذبح ما يروج له باسم الشرق الأوسط الجديد فيما جيوشهم التي تحمي عروشهم مازالت هاجعة في سكناتها، ترى كم من الوقت تنتظر هذه الأنظمة لتصحو على مشاهد مماثلة من عمليات التدمير المنهجي المنظم في عواصمها او على تخوم حدودها.

لقد انكشف بشكل واضح منذ اليوم الأول للحرب السادسة التي تدور رحاها الطاحنة في لبنان الآن ان هذه الحرب المفتوحة التي اشعلتها اسرائيل ضد اهلنا واشقائنا في هذا البلد الحبيب بمنهجية الارض المحروقة كانت معدة سلفاً منذ عدة اعوام ووفقاً لخبراء ومحللين عسكريين طرحوا آراءهم في فضائيات مختلفة، فهذه الخطة اعني الحرب بدأ الاعداد لها منذ عام 2000.

في اطار تمهيد الارض امام تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تحول اسمه لاحقاً الى مشروع الشرق الأوسط الجديد وذلك بالقضاء على حركات المقاومة العربية والاسلامية في فلسطين والعراق ولبنان وافغانستان، والتي يتصادم مشروعها التحرري الاسلامي بمشروع الشرق الأوسط الجديد بهدف اقامة نظم حكم جديدة تحت شعارات التغيير والاصلاح او تثبيت نظم حكم قائمة تحت شعارات محاربة الفساد والانتخابات الحرة النزيهة بالمقياس الغربي تخدم اهداف هذا المشروع في مراحلها النهائية.

حين يجري ترسيم الحدود الجغرافية على الأرض، تقسيم دول على اسس طائفية وعرقية وتثبيت دول بحدود نهاية الكيان الصهيوني، كإنشاء دولة فلسطين وإقامة كيان كروي مستقل في المثلث العراقي التركي الإيراني والسيطرة على منابع وخطوط نقل النفط بالنسبة للغرب والمياه بالنسبة للكيان الصهيوني وهكذا.. فإن اسرائيل حينما بدأت قنابلها المحملة بأطنان الدمار ليلة الثاني عشر من يوليو بدك مطار بيروت ونسف الجسور والطرق الفرعية والرئيسية في لبنان وقصف الضاحية الجنوبية في وقت واحد وفي مشهد يذكر بليلة تدمير لندن خلال نصف ساعة من القصف النازي المتواصل في الحرب العالمية الثانية.

أما الأديب أنور الخطيب المقيم في لبنان فيقول ان ارتكاب المجازر سياسة صهيونية متبعة منذ أكثر من 60 عاماً، منذ أن بدأ التنفيذ الفعلي لإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين. ويرتكبونها بقصد دب الرعب في قلوب الناس وإجبارهم على مغادرة قراهم ومدنهم، وكسر الروح المعنوية للمقاتلين، وتحطيم الجبهة الداخلية، ورسم صورة مرعبة للجيش الصهيوني، وأحيانا لتغطية هزائمهم في أرض المعركة.

وقد قامت هذه القوات بارتكاب عشرات المجازر في فلسطين أهمها وأشهرها مذبحة دير ياسين، ومذبحة كفر قاسم، إضافة إلى المجازر اليومية في غزة والضفة الغربية راح ضحيتها آلاف الضحايا من المدنيين. أما في لبنان، فقد تم ارتكاب أكثر من 22 مجزرة منذ العام 1948 حتى مجزرة قانا الثانية، راح ضحيتها حوالي 1530 قتيلاً معظمهم من الأطفال والنساء، ناهيك عن تدمير مئات المنازل والبنايات والمساجد والكنائس وحرق عشرات الآلاف من الأشجار المثمرة.

ويضيف: إن سهولة ارتكاب المجازر بالنسبة للقوات الصهيونية تستند على الإحساس بتفوق العنصر البشري الصهيوني، وقد كتب بعض الجنود الذين شاركوا في مجزرة كفر قاسم حول هذا الموضوع قائلين، إن قادتهم أخبروهم أن السكان الذين يقطنون في تلك القرية هم أنصاف بشر وأنصاف حيوانات، ليسهلوا عليهم قتلهم والتعامل معهم على أنهم ليسوا بشرا، وهذا الإيمان كما أزعم، راسخ في أذهان قادة الصهاينة، وإلا كيف يمكن تفسير ارتكاب المذابح وخاصة قتل الأطفال الصغار وهم في المدارس (مدرسة بحر البقر في مصر نموذج)، أو وهم يستحمون على شاطئ البحر (عائلة الطفلة هدى غالية على شاطئ غزة).

إن سياسة المجازر التي تتبعها الحكومة الصهيونية، تقابلها سياسة الاستنجاد بالأمم المتحدة والولايات المتحدة، وإنني لأعجب كيف تستجير الضحية بجزارها، وكيف يستنجد القاتل بالمقتول، وهذا الكلام تثبته الأحداث يومياً، فالدكتورة كوندوليزا لديها القدرة على الابتسام أمام كاميرات التلفزيون بعد سماع المجزرة، وكأن الضحايا مزرعة دجاج مصابة بإنفلونزا الطيور.

الحزن مشروع

أما الكاتب والشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم فيتألم قائلاً نعم الحزن مشروع، والبكاء أيضاً مشروع، وحتى الصراخ حد الإغماء مشروع، لكن المفاجأة غير مشروعة أبداً أمام هول المجازر التي نشهدها في لبنان. ما يحدث في لبنان اليوم ليس بداية المأساة بل نتيجة طبيعية لتراث كبير من التخاذل العربي الذي أفرز هذا الكم من المجازر في الوطن العربي، على يد هذا الحقد المطلق، والتي لا اعتقد ان آخرها مجزرة قانا إذا ما استمر هذا التخاذل المثير للاشمئزاز.

فأنا لا أتوقع من عدوي الرأفة أو الحرص على دماء أبنائي أو مستقبلهم الزاهر، أنا أتوقع من عدوي أبشع الاحتمالات خاصة إذا كان العدو هو هذه الفئة الملعونة من الخلق، منذ أن عرفت وعلى مر التاريخ. أما المزعج في الأمر فهو أن تضيع هذه الأمة بوصلتها وتوهم نفسها بإمكانية النوم بطمأنينة بالقرب من جحور الثعابين، والمزعج أكثر أن يظن البعض بأن الحية يمكن ترويضها قبل اقتلاع أنيابها.

وتعليقاً على وصف عملية خطف الجنود الإسرائيليين بالمغامرة سواء في فلسطين أو في لبنان، لا أدري من هو المغامر هل من يضغط على العدو لاسترداد بعض الحقوق المشروعة هو المغامر؟ أم من يتنازل عن حقوقه المشروعة في سبيل التوصل إلى رضا العدو الذي لا يرضى بأقل من السيطرة المطلقة على الأرض والمصير والمقدرات؟ ألم نفهم بعد طبيعة العدو الذي نتعامل معه؟ أم أننا لا نريد أن نفهم؟

حائر

يقول الكاتب الإماراتي الدكتور إبراهيم المرزوقي: بالحيرة وحدها يمكن توصيف ما يجول في النفس من مشاعر متعددة من حزن وغضب وشعور بالمأساة، فمن يقتل في لبنان هم دمنا وأخوتنا، وما يجري هناك بعيد كل البعد عن أي مثل وقيم أخلاقية وإنسانية، وهذا هو ديدن إسرائيل في جميع حروبها القذرة، وإن كان يهود إسرائيل يتكلمون عن الصفة الدينية لدولتهم فدعونا نسألهم عن الوصية السادسة من وصايا موسى العشر حين قال الله: «لا تقتل- سفر الخروج 13:20» فكيف وهم يقطعون أشلاء أطفال قانا وبيروت وصيدا، وإن كان الله أمرهم كما في سفر أيوب «315»: كل من يبغض إنسان فهو قاتل نفس، ونحن نراهم كل يوم يسفكون الدماء البريئة بحقد أعمى وبغض لكل ما هو جميل.

لقد ألّف الدكتور المرزوقي أحد الكتب المهمة في مجال القانون الإنساني المقارن، وهو كتاب «حقوق الإنسان في الإسلام» وحين سألناه عن وجه المقارنة بين ما وجده في رحابة الإسلام والأخلاق العربية وبين ما يفعله اليهود على أرض لبنان، وما إذا كانت الحرب الدائرة هي حرب «حزب الله» فقط، أجاب: لا يوجد وجه مقارنة بين ما يقوم به العدو الصهيوني وأي عقيدة أو مبدأ إنساني.

أما حول بعض الأصوات التي تقول إنها حرب «حزب الله» فهي أصوات نكرة لأن الحرب أكلت الأخضر واليابس وقتلت أبناء جميع الطوائف اللبنانية، وأنا أسأل هؤلاء: لقد عاش اليهود في جميع بلادنا العربية وبين ظهرانينا لأننا أرض الديانات والحضارات، فهل قطعت أجساد أطفالهم كما حدث لأطفالنا في قانا وفي بيروت؟

أما فرضية بدء «حزب الله» للحرب فهي فرضية كاذبة لأن هناك أراضي تحتلها الدولة العبرية وهناك آلاف الأسرى اللبنانيين والعرب والمسلمين في سجونها وهناك حدود مرسومة منذ عام 1948م لم تعترف بها هذه الدولة اللقيطة، فمن هو البادئ في الحرب؟

أما الكاتب الإماراتي احمد محمد عبيد فبدأ حديثه بهذه القصيدة

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا

والشر في الناس لا يفنى وإن قُبروا

وأكثر الناس آلاتٌ تحركها

أصابعُ الدهر يوماً ثم تنكسرُ

بهذه الكلمات؛ يصف الأديب اللبناني الكبير جبران خليل جبران، طبيعة النفس البشرية التي تميل إلى الشر والنزعة نحو الأفكار الشريرة، ولكني أقول إن النفس البشرية تميل إلى السلام والخير في حال بقائها على نقائها الفطري وعدم تحريض دوافع الشر التي لا أصل لها في تلك النفس.

ولكنه يرى بأن «العدو الصهيوني» أبعد ما يكون عن الصفاء الفطري، وكأنه أصبح «شراً محضاً» بما يقترفه من مجازر يومية، وعلّق الكاتب الإماراتي على تلك المجازر قائلاً: يبدو أن سادية العدو قد تجاوزت جميع الأهداف السياسية والدينية والإستراتيجية التي وجدتها كمبرر، لتتحول إلى حرب إبادة وقتل لكل ما هو جميل في لبنان ـ وكل لبنان جميل- وأجد نفسي كمثقف وكإنسان عاجز عن إيجاد الكلمات المناسبة لتوصيف تلك القسوة والهمجية، وكأن العدو اختصر جميع أشكال القبح والإجرام والحقد الأسود الذي وجد في التاريخ، في ذات واحدة، هي ذاته المريضة.

وأتوقع ـ مع استمرار هذا الإجرام- أن يتولد ضغط يتجاوز الحدود الجغرافية للحدث ليشمل المنطقة والعالم بأسرهِ، وأنا مع الفكرة والنظرية القائلة إن «الوجود خيرٌ محض» فقد جمعت مأساة لبنان الأمة ووحدت كلمتها، بل إنها وضعت جميع أصحاب الضمائر الحية والنفوس الشريفة في خندق واحد ضد هذه الجريمة البشعة.

أما من الناحية الثقافية؛ فأعتقد أن ما ستفرزه هذه الحرب -التي يخوضها العدو بقذارة- سيكون أدباً عربياً ولبنانياً مغايراً لما نراه اليوم، ولا نستطيع الآن أن نلمس الآثار الثقافية الخاصة بهذه المرحلة الحزينة على الأمة، لأن مخاضها لم يكتمل بعد، والناس مشغولة بلملمة الجراح، ولكني أستطيع القول إنه سيظهر ألف «همنغواي» في لبنان والعالم العربي وستظهر ألف «جرونيكا» تصوّر ما جرى على أرض بلاد الأرز.

لا وعد

وأخير يقول الشاعر الصديق قاسم سعودي في مرثاة الجريمة الصهيونية في لبنان بمتدئاً رثاءه بقوله وهم يغادرون طفولتهم.. يا ترى هل استمع أطفال قانا لصوت الموت وهو يزحف إليهم ملتحفاً ببرد العنف الأسود وبمكيدة القذائف...أم أن صوت الموت هو الذي أنصت إليهم وهم يعبرون إلى الشمس أو يزفون إلى الرمل أو ينقرضون من عشب أمهاتهم وأحضان قرى الفضيلة..وهم على بعد ذراعين من الصباح ويا ترى لو أخذنا مقلتين مطفأتين من تراب المذبحة وقميصا محترقاً وابتسامة ملؤها الغبار..هل كان بإمكاننا أن نصنع طفلاً جنوبياً أو طفلاً عربياً في أزمنة القتل هذه.

يبدو أن صناعة الأطفال وإنجابهم وتقبيلهم واحتضانهم صار محظوراً هناك مثلما هي صناعة البراءة أو الحياة أو صناعة النصر ..فليس لي أن أقول لذلك الفدائي المتوقد قرب سدرة ملأى بحب الله ...ضاغطا من كف صلاته على سبابة الأمل.

أقول له مثلما صفق الموت قبيل البارحة على أطفال قانا ..يمكن للكف الواحدة أن تصفق.