تجاهلت إسرائيل أمس الموقف الدولي من مجزرة قانا الثانية أول من أمس واستجمعت وقاحتها الدبلوماسية بإصرار رئيس الوزراء ايهود اولمرت على مواصلة العدوان الهمجي تحت شعار «ممنوع وقف إطلاق النار» الذي أطلقه وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس بغطاء جديد من الرئيس الأميركي جورج بوش عندما أحجم عن الدعوة لوقف إطلاق النار رغم مجزرة قانا مانحاً آلة الحرب الإسرائيلية المهلة التي تريدها لتحقيق أهدافها.
وحولت إسرائيل الإعلان عن تعليق غاراتها الجوية على لبنان لمدة 48 ساعة إلى «مصيدة» للمدنيين ورفضت أي هدنة فورية وتوعدت بتوسيع هجومها البري، فيما حذر رئيس النواب اللبناني نبيه بري من تحويل الهدنة المزيفة إلى عملية لتفريغ الجنوب من أهله وجعله أرضاً محروقة، حيث انتهكت قوات الاحتلال «الهدنة» عبر استهداف السيارات على الطرقات. وسط مساعٍ دبلوماسية حثيثة كانت قبلتها العاصمة اللبنانية بيروت.
وشهد الجانب العسكري سخونة على الجبهتين، إذ أعلن حزب الله قصف وتدمير بارجة إسرائيلية في صور فضلاً عن تدمير ثماني دبابات للعدو موقعاً 11 قتيلاً وجريحاً وصد أكثر من محاولة إنزال للعدو في مواقع متقدمة، فيما سعت القوات الإسرائيلية أكثر من مرة إلى تحقيق اختراق بري، وحتى منتصف الليلة الماضية كانت المعارك جارية على أكثر من محور، وأكثرها ضراوة كان في مثلث عيتا الشعب، بالتزامن مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت المضي في الحرب حتى النهاية، مدعياً قصم ظهر حزب الله.
وفي اليوم العشرين من العدوان الهمجي المفتوح، حصدت «الهدنة المصيدة» المزيد من الشهداء، وحولت العديد من المنازل إلى ركام، كما تحولت إلى غطاء لقوات الاحتلال لمحاولة تحقيق تقدم بري ولو بسيط لرفع معنويات الجنود وسكان الملاجئ في المدن والمستعمرات الإسرائيلية.
ففي يوم «الهدنة المزيفة» استشهدت طفلة في شيحين، ورجل سبعيني في طير حرفا، ومسن في الـ 96 من عمره في بنت جبيل، وعسكري من الجيش اللبناني جرح معه ثلاثة من رفاقه في قصف بحري على موقعهم في القاسمية. كما جرح مواطن في غارة على سيارة أجرة على طريق عام العباسية - صور.
وأدى قصف جوي وبحري وبري إلى تدمير عدد كبير من المنازل، وقطع المزيد من الطرقات.
إلى ذلك، قالت مصادر أمنية إن الاشتباكات تجددت بين قوة إسرائيلية تحاول التقدم على المحورين الأوسط والشرقي في جنوب لبنان، وبينما قال حزب الله انه دمر ثماني دبابات للعدو.. نعت المقاومة الإسلامية أربعة من مقاتليها.
وفي تطورات الساعات الأخيرة من الليلة الماضية، أعلنت المقاومة الإسلامية (الجناح العسكري لحزب الله) أن مجموعات من مقاتليها تصدت لمحاولات تقدم إسرائيلية على مثلث عيتا الشعب - الاوزح - رامييه في جنوب لبنان. كما أعلن الحزب قصف وتدمير بارجة إسرائيلية قبالة شاطئ مدينة صور الساحلية. وذكرت قناة «المنار» أن مقاتلي «المقاومة الإسلامية» تمكنوا من تدمير بارجة حربية إسرائيلية من نوع «ساعر»، في ثاني انجاز عسكري من نوعه خلال أسبوعين. لكن إسرائيل نفت صحة ذلك.
من جانبه صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي أن إسرائيل ستواصل هجماتها على لبنان ولن توقف إطلاق النار في الأيام المقبلة. وقال أولمرت مخاطباً رؤساء بلديات شمال إسرائيل التي قصفها بالصواريخ حزب الله إن الهجوم الإسرائيلي الذي دخل يومه العشرين سيستمر حتى يتوقف حزب الله عن الهجمات بالصواريخ وحتى يطلق سراح الجنديين المختطفين.
وأضاف أن حكومته لم يكن أمامها خيار سوى شن هجماتها بعد الهجوم الذي شنه حزب الله. وقال أولمرت إنه لو مارست إسرائيل سياسة ضبط النفس رداً على عملية حزب الله «لجاء اليوم .. الذي تحدث فيه الصواريخ دماراً يتعذر إصلاحه». واعتبر أن إسرائيل وجهت صفعة قوية لحزب الله لكنه حذر من أن مزيداً من القتال آت وأن مزيداً من صواريخ حزب الله ستسقط على إسرائيل.
وقال أولمرت إنه «في هذه اللحظات تتقدم قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان من أجل القضاء على قواعد الإرهاب هناك. وهذا هو الجواب على سؤال ما إذا كانت إسرائيل قررت وقف إطلاق النار أم لا وركز اولمرت على انه لن يسمح «لدولة الإرهاب التي بناها حزب الله وراء حدودنا الشمالية أن تستمر قوتها في التزايد ويحظر السماح لهم بجمع المزيد من الصواريخ والقذائف الصاروخية وأسلحة أخرى». وقال «سننهي هذه الحرب عندما يزول الخطر من فوق رؤوس سكان إسرائيل ». وأشار إلى أن عدد الإسرائيليين الذين قتلوا في الحرب ضد لبنان 33 جندياً و81 مواطناً.
واعتبر رئيس الحكومة أن إسرائيل تتلقى دعماً كبيراً من دول العالم «. وزعم «لا نلاحق مواطنين أبرياء ولا نحارب الشعب اللبناني ولا نسعى لإسقاط حكومته بل نحن نحارب إرهابيين ولن نوقف الحرب ضدهم حتى نبعدهم عن حدودنا». و حزب الله يخدم مصلحة شعوب أخرى، خصوصا سوريا وإيران، وقال للبنانيين إن عدوكم ليس دولة إسرائيل وإنما الشيخ (أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ) وجماعته الذين كانوا مستعدين للتضحية بكم لخدمة مصالح دولة أجنبية.
بل أكثر من ذلك، وانظروا بأنفسكم كيف أن دولاً عربية مستقلة تتحفظ على حزب الله وتنضم إلى غالبية دول العالم التي تندد بهذه المنظمة الإرهابية وتبرر حق دولة إسرائيل في الدفاع عن النفس». وتابع قائلاً «مواطنو لبنان، نحن آسفون على الألم اللاحق بكثيرين منكم وعلى اضطراركم للهرب من بيوتكم وأيضاً على المس بالأبرياء. لكننا لا نعتذر عن ذلك ولن نعتذر أمام من يجرؤ على وضع علامة سؤال حول وجود دولة إسرائيل».
وقال أولمرت إن «حزب الله تلقى ضربة قوية وسيستغرقهم وقتاً طويلاً حتى يرممونها إذا استطاعوا ذلك أصلاً وأبعدنا حزب الله عن مواقعه على طول الحدود مع إسرائيل وأزلنا هذا التهديد الآني ». ومضى أولمرت في تهديد مباشر لسوريا أنه «لن نتسامح أكثر مع مرور أسلحة إلى حزب الله ولن نسمح للمنظمة بتجديد قدراتها».
وتابع أن «قيادة المنظمة (حزب الله) تختبئ وتعمل في الظلام وتخشى على حياتها وسنواصل ملاحقتها في كل مكان وزمان». وقال أولمرت إن «قوات دولية ستنتشر على طول الحدود بين إسرائيل ولبنان وعند المعابر الحدودية بين لبنان وسوريا وستعمل بصورة فعالة لتفكيك قدرات المنظمة». واعتبر أن «هذه فرصة لن تتكرر لتغيير قواعد اللعبة في لبنان وما زال هناك عمل كثير أمامنا على المستويين العسكري والسياسي.
وأضاف أولمرت موجهاً كلامه لمواطني إسرائيل إن «الحرب لم تنته وهناك أيام ليست قليلة من القتال بانتظارنا وسوف تسقط (في إسرائيل) صواريخ وستكون هناك ساعات من الخوف وانعدام الوضوح...ونعم، ستكون هناك أيضاً دموع ودم لكننا لن نتنازل ولن نتوقف بل سنواصل القتال حتى تحقيق الأهداف والغايات التي حددناها لأنفسنا وحتى نجلب الهدوء والسلام والسكينة لبلادنا».
إلى ذلك قال مسؤول كبير إن إسرائيل ستوسع هجومها البري خلال الأيام المقبلة لتحقيق انجاز عسكري وإبعاد حزب الله عن الحدود قبل التوصل لوقف لإطلاق النار بقرار من مجلس الأمن. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن المسؤول أن أمام الجيش أسبوعاً لاستكمال عملياته في لبنان حيث أن مشاورات مجلس الأمن ستبدأ الأربعاء ولن يتخذ قراراً بوقف إطلاق النار إلا يوم الجمعة وستبدأ القوات الدولية بالوصول يوم الاثنين المقبل وعندها فقط يمكن تطبيق وقف إطلاق النار.
وقال وزير الدفاع عمير بيريتس خلال مناقشة برلمانية ساخنة إن إسرائيل ستوسع من نطاق وعمق هجومها رغم تعليق القصف الجوي لمدة 48 ساعة. وأضاف (ممنوع الموافقة على وقف إطلاق النار) قبل تحقيق أهداف إسرائيل. وهاجم الحكومة اللبنانية وقال «إن الحكومة اللبنانية أتاحت فرصة لحزب الله أن يتسلح بالصواريخ والقذائف من كل الأنواع».
وفي السياق، أفاد الجيش الإسرائيلي أن وحدات من سلاح الهندسة في الجيش تقوم بتدمير منهجي للتحصينات التي أقامها حزب الله على طول الحدود ، وأن 60 جرافة عملاقة مدرعة من طراز«دي 9» تشارك في عمليات التدمير التي قال بيريتس إن نطاق عملها سيكون بعمق كيلومتر.
وأعلنت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن وحدات من جنودها توغلت بعد الظهر في بلدة عيتا الشعب التي تقع على بعد بضعة كيلومترات غرب بلدة بنت جبيل.
على الجانب السياسي، كان هناك زخم ملحوظ في التحركات الساعية إلى وقف النار، فمع الجهود التي بذلها وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي مع القيادة اللبنانية، وصل وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي إلى بيروت في زيارة ينظر إليها المراقبون باهتمام شديد وسط إشارات فرنسية عن «دور إيراني مهم في استقرار المنطقة».
في حين غادرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تل أبيب بتصريحات عبرت فيها عن قناعتها بأنه من الممكن التوصل إلى وقف إطلاق نار وحل للأزمة خلال الأسبوع الجاري.
وفي دعم للموقف الإسرائيلي أحجم الرئيس بوش عن المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، مؤكداً دعمه لقرار دولي يضمن سلاماً «دائماً وقابلاً للحياة». وقال، إثر لقاء مع رجال أعمال في ميامي: « سنعمل مع حلفائنا لتقديم قرار إلى مجلس الأمن الدولي يضع حداً للعنف ويضع أسس سلام دائم».
لكن بوش أكد أن هذه «الأزمة بدأت مع هجمات إرهابية»من جانب حزب الله ضد إسرائيل «من دون أن يسبقها استفزاز». وأضاف أن الدولة العبرية تمارس «حقها في الدفاع عن النفس». وجدد مطالبة سوريا بوقف دعمها لحزب الله.
بيروت ـ علي بردى:
واشنطن ـ محمد صادق :
عواصم ـ الوكالات:
