تحت أنظار العالم كله، الذي تابع المشهد عبر كاميرات الفضائيات، مضى رجال الإنقاذ اللبنانيون أمس ينتشلون بأيديهم العارية جثث ضحايا مجزرة قانا الجديدة، ومعظمهم من الأطفال الذين استهدفتهم صواريخ الجيش الإسرائيلي وقنابله التفريغية، في تكرار وحشي للمذبحة التي ارتكبها في القرية نفسها قبل عشر سنوات.

وكأنما في تأكيد لتعمد الإسرائيليين الإقدام على هذه الجريمة، مضت مدافعهم تقصف قانا والقرى المجاورة لها، فيما كانت جهود إخراج جثث الأطفال الذين راحوا ضحية المذبحة من تحت الأنقاض تتوالى.

الفجر كان شاهداً على براءة هؤلاء الصغار، الذين شكلوا الغالبية العظمى من عشرات المدنيين الذين لجأوا إلى هذا المبنى في قرية قانا ليحتموا به من الموت المجاني، الذي تنشره آلة الحرب الإسرائيلية الوحشية في أرجاء لبنان، والفجر أيضاً كان شاهداً على المذبحة الوحشية التي تعرضوا لها على أيدي الإسرائيليين في قانا الحزينة.

الجيش الإسرائيلي كان ابن تاريخه الإجرامي حقاً، عندما أردف جريمته الوحشية بمواصلة إطلاق النار على قانا والقرى المجاورة لها، ثم تصاعدت به ميوله الإجرامية ليصل إلى ذروة من الوقاحة يحمَّل انطلاقاً منها حزب الله مسؤولية سقوط الضحايا المدنيين الذين قتلهم جنوده لتوهم.

بينما الدم يتجمد في عروق الكثيرين على امتداد العالم، وهم يتابعون مشاهد النتائج المروعة لمجزرة قانا الثانية، كان صمت وحشي يهيمن، كأنما يشارك القتلة فعلتهم والمجرمين جرمهم.

ما من صوت ارتفع مطالباً بوقف فوري لإطلاق النار من دون شروط يكفل عدم سقوط المزيد من المدنيين صرعى هذا النوع من المجازر الوحشية التي يرى فيها القتلة أمراً عادياً، بل أمر يظنون أنهم سيتنصلون من تبعاته، ويفلحون في الهرب من لعنة الدم البريء الذي يطاردهم.

ما من صوت ارتفع، في الدنيا بأسرها، مطالباً بوقف رحلات طائرات الشحن الأميركية التي تنطلق عبر أرجاء العالم لتنقل من الولايات المتحدة إلى إسرائيل المزيد والمزيد من الصواريخ والقنابل الذكية.

هدير هذه الطائرات تردد صداه في حديث وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وهي تكتفي بالإعراب عن أسفها وتحجم عن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، مجددة الحديث عن «شروط وإجراءات» قبل هذه الخطوة البديهية، ومعلنة مواصلة محادثاتها مع القادة الإسرائيليين.

بينما يتوالى موكب جثث الصغار في الخروج من بين الأنقاض، يتوالى موكب الصمت في العواصم العربية، كأنما لا أحد لديه ما يقوله أو يفعله، كأنما لا أحد لديه القدرة على أن يشرخ الصمت هاتفاً: أنا لهذا الدم الراعف على تراب قانا الحزينة.

الذين توقعوا دعوة لمواقف عربية موحدة على مستوى هذا المنعطف التاريخي، كان عليهم أن يضيفوا إلى صدمتهم صدمة أخرى، عندما سمعوا باكتفاء الجامعة العربية بالدعوة إلى تحقيق دولي.

كلمة الصدق ترددت وسط هذا الصمت الميت، عندما أصدر حزب الله بيانه بعد ساعات من مذبحة قانا الجديدة، ليقول فيه: «هذه المجزرة الوحشية مفصل خطير.. فإما أن تؤدي إلى وقف العدوان نهائياً، وإما أن تؤدي إلى ردود أفعال على العالم المتواطئ أن يتحمل مسؤولياتها، لأن هذه المجزرة الرهيبة كغيرها لن تبقى من دون رد».

حقاً من لهذا الدم الراعف في قانا؟ من للصغار الذين سعوا وراء الأمان فحصدوا الصواريخ والقنابل التفريغية أو حصدتهم؟ من لهذا الدم العربي الذي لا ينبغي أن يهون بعد اليوم أبداً؟