بنفس الطريقة والأسلوب عاد الوحش الإسرائيلي إلى مكان جريمته الأولى في قرية قانا اللبنانية شرق صور لينفذ بعد عشر سنوات من مجزرته الأولى مذبحة ثانية راح ضحيتها 60 مدنياً لبنانياً 37 منهم أطفال، وكما في عملية «عناقيد الغضب» في 18 ابريل 1996 قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية ليلاً بقصف ملجأ تحت مبنى من ثلاث طبقات كان يتجمع فيه مدنيون لتنشر بينهم عناقيد الموت التي طالت أيضا 12 لبنانياً في مجزرتين في بلدتي النمرية ويارون الجنوبيتين، ليرتفع عدد الشهداء إلى 750 والجرحى إلى نحو ألفين وفق أحدث حصيلة رسمية منذ بداية العدوان.
وفيما كانت المقاومة اللبنانية تصد تقدم قوة إسرائيلية في الجنوب معلنة قتل عشرة من جنود لواء جولاني قلبت مذبحة قانا برنامج وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس رأساً على عقب، حيث رفضت بيروت استقبالها، معلنة رفضها التفاوض قبل اعلان وقف فوري لاطلاق النار.
فيما اكتفت واشنطن بالدعوة التقليدية لضبط النفس متجنبة الدعوة الى وقف اطلاق النار. ورغم صدور اعتذار خجول من اسرائيل على وقوع المذبحة الا انها توعدت بمواصلة الحرب وسعت للحصول على رخصة اميركية بإمهالها أسبوعين آخرين لاستكمال العدوان، متجاهلة توالي ردود الفعل التي نددت بالمجزرة ودفعت بوتيرة المطالبة الدولية الى وقف اطلاق النار فوراً.
ووفق أحدث حصيلة كانت تتغير باستمرار طوال نهار امس فقد امكن انتشال اكثر من 60 جثة معظمها لنساء واطفال من تحت انقاض بناية سكنية كان يحتمي في الجزء السفلي منها الضحايا بعد ان سوتها غارة جوية اسرائيلية بالارض مع الساعات الاولى لفجر امس. وقال المسؤول بوزارة الخارجية اللبنانية نهاد محمود خلال جلسة طارئة لمجلس الامن الدولي ان «افراد الانقاذ انتشلوا اكثر من 60 جثة ولا يزال انتشال المزيد من الجثث جاريا من تحت الانقاض ومعظمها لنساء واطفال».
ورغم مجزرة قانا واصل الجيش الاسرائيلي استهدافه لمنازل المدنيين اللبنانيين حيث لقي ستة من أفراد عائلة عدنان مهدي (زوجته وأطفاله الخمسة) مصرعهم جراء استهداف الطائرات الإسرائيلية لمنزلهم بقرية النميرية شمال النبطية.
وفيما استمر تحليق الطيران الحربي الاسرائيلي وطائرات المراقبة فوق مناطق البقاع والجنوب، استهدف الجيش الاسرائيلي اليوم كذلك منزلا بقرية يارون القريبة من الحدود بالصواريخ مما أدى الى مقتل خمسة اشخاص داخله.
وفي المواجهات البرية شهدت قرى العديسة ـ كفركلا ـ الطيبة المواجهة لمستعمرة المطلة عمليات كر وفر بين مقاتلي حزب الله وقوة اسرائيلية مدرعة، بعد توغل الأخيرة الى مسافة ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
وتم التوغل حسب مصادر امنية لبنانية واسرائيلية، تحت غطاء من نيران المدفعية والغارات الجوية وهو ما اعترفت به ناطقة عسكرية اسرائيلية.
وأوضحت ان جنديا اصيب خلال تبادل لإطلاق النار مع مقاتلين من حزب الله حاولوا نصب كمين للقوة الاسرائيلية اثناء تحركها، مضيفة ان خمسة من مقاتلي الحزب قتلوا بالمواجهة.
غير ان حزب الله أعلن أن مقاتليه تصدوا لقوة من لواء جولاني تسللت عبر مشروع الطيبة، وقتل ثمانية من أفرادها.
وأضاف بيان للمقاومة الإسلامية ـ الجناح العسكري للحزب ـ ان المروحيات الإسرائيلية «عجزت عن نجدة القوة الغازية فيما يسيطر المجاهدون بشكل عام على المنطقة ويلاحقون أفراد القوة من نقطة الى أخرى».
كما أطلق حزب الله لاحقا دفعة من الصواريخ على منطقة المطلة، وشوهدت نيران الحرائق تندلع في المنطقة.
وجاء قصف المطلة بعد ساعات من سقوط 40 صاروخاً على مدن حيفا وطبرية وعكا ونهاريا وكريات شمونة وبيت روشنا.
وقلب القصف الاسرائيلي على قانا برنامج وزيرة الخارجية الاميركية رأسا على عقب، وبدلا من ان تحمل من اسرائيل الى لبنان مشاريع حلول لانهاء الحرب ارجأت زيارتها حتى اشعار اخر، فيما اعلنت الحكومة اللبنانية رفضها التفاوض قبل اعلان وقف فوري لاطلاق النار.
وفور ورود معلومات من قانا عن المذبحة بدا ان الاندفاع الدبلوماسي نحو الحل الذي انطلق مع اعلان حزب الله موافقته على خطة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة لحل شامل في لبنان، وتوج بعودة رايس الى المنطقة قد تعرض لضربة قوية.
وامام فداحة المأساة في قانا سارع السنيورة الى عقد مؤتمر صحافي مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري اعلن فيه ان الحكومة اللبنانية لن تجري اي مفاوضات قبل التوصل «الى وقف فوري لاطلاق النار»، مضيفا «ان ما حصل ليس نتيجة خطأ انه يتكرر للمرة الثانية وبعد اطلاق نار كثيف استهدف هذه القرية البريئة» في اشارة الى تعرض قانا عام 1996 لقصف اسرائيلي دام ادى الى استشهاد 105 مدنيين كانوا لجأوا الى مقر للامم المتحدة فيها.
وفي اشارة الى عدم استعداده للتفاوض مع رايس في هذه الظروف قال السنيورة «غير مقبول ان نستمر في اي عمل قبل ان يحدث وقف فوري وغير مشروط لاطلاق النار واي حديث اخر ليس له مكان». وفي موقف تصعيدي بعد المجزرة اعلن بري ان الشروط التي حددها حتى الان بحصر التبادل بين الجنديين الاسرائيليين بالاسرى اللبنانيين وحدهم قد تغيرت.
وعلى الاثر اعلنت رايس من القدس انها الغت زيارتها لبيروت التي كان اعلن عنها مسبقا بعد ان اعتبرت ان الوقت قد حان «للتوصل الى وقف لاطلاق النار» في لبنان، من دون ان تدعو الى وقف فوري لاطلاق النار. واعلن مسؤول اميركي ان رايس ستنهي مهمتها في الشرق الاوسط وتعود اليوم الاثنين الى واشنطن. وقال المسؤول رافضا الكشف عن هويته ان رايس ترغب بالعودة الى الولايات المتحدة من اجل القيام باتصالات دبلوماسية مكثفة تهدف الى صدور قرار عن الامم المتحدة يفتح الباب امام وقف لاطلاق النار.
وفضلا عن رايس حث البيت الابيض على ضبط النفس بعد قانا وليس وقف اطلاق النار. وقال الناطق باسم البيت الابيض بلير جونز في بيان ان رايس تعمل على ترتيب الاوضاع من اجل وقف «مستديم» للعنف. وقال «اننا نواصل حث الحكومة الاسرائيلية على ممارسة اقصى درجات الحذر حتى تتجنب اي خسائر بين المدنيين. وهذه الحادثة المأسوية تبين لماذا يكون ذلك امرا حاسما».
وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ابدى «اسفه العميق» للمذبحة، مدعيا ان الجيش الاسرائيلي لم يكن يعلم بوجود مدنيين في المباني التي تعرضت للقصف، وانحى باللوم على مقاتلي حزب الله لاستخدامهم المنطقة في اطلاق صواريخ. لكن اولمرت قال ان الهجوم سوف يستمر.
واضاف «لن نتوان عن مواجهة حزب الله ولن نوقف الهجوم رغم الظروف الصعبة. هذا هو الصواب». وأبلغ أولمرت الوزراء أثناء اجتماع الحكومة الإسرائيلية الأسبوعي امس إنه طلب من رايس إمهال اسرائيل اسبوعين قبل وقف إطلاق النار.
وفور وقوع المجزرة توالت ردود الفعل التي تدين اسرائيل مقرونة بالدعوة الملحة الى وقف اطلاق النار. وفي بيروت، تظاهر الالاف لادانة مجزرة قانا، واقتحم متظاهرون غاضبون مركز الامم المتحدة في العاصمة اللبنانية حيث عمدوا الى تحطيم الابواب والنوافذ وبعض التجهيزات. وفي جبهة الصراع الثانية في غزة رأت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) ان «كل الخيارات مفتوحة امام المقاومة الفلسطينية واللبنانية للرد على جرائم الارهاب الصهيوني».
دوليا، اعرب الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن صدمته تجاه الحادث فيما افادت البعثة الفرنسية لدى الامم المتحدة امس ان فرنسا وزعت في مجلس الامن مشروع قرار يطلب وقفا فوريا لاعمال العنف في الشرق الاوسط. وطلب بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر وقفا «فوريا» لاطلاق النار ليصبح من الممكن بناء تعايش مستقر ودائم في الشرق الاوسط عبر الحوار.
وعبرت الرئاسة الفنلندية للاتحاد الاوروبي عن «الصدمة»، داعية في بيان الى «وقف فوري لاعمال العنف». وقالت وزيرة الخارجية البريطانية مارغريت بيكيت ان «الامر مروع جد»، مشيرة الى انه ينبغي متابعة العمل للتوصل الى وقف ثابت لاطلاق النار. ورأت المفوضية الاوروبية ان ما حدث امر «رهيب»، ودعت الى وقف لاطلاق النار «في اسرع وقت ممكن».
وعربيا أدان الرئيس المصري حسني مبارك بشدة ما اعتبره عملا «غير مسؤول»، بحسب بيان صادر عن الرئاسة المصرية. وشجب عاهل الاردن الملك عبدالله الثاني «بشدة الجريمة البشعة» التي ارتكبتها اسرائيل. واستنكر الرئيس السوري بشار الاسد «المجزرة البشعة» متهما اسرائيل بممارسة ارهاب الدولة. واعربت تونس عن «عميق صدمتها وذهولها ازاء المجزرة البشعة التي ارتكبتها اسرائيل في تحد صارخ للقيم الانسانية والمواثيق والشرعية الدولية».
بيروت ـ علي بردى:
عواصم ـ «البيان» والوكالات:
