الفجوة الحادثة بين الاجيال، والتي ظهرت بوضوح نتيجة لآليات العصر الحديث التي تطورت بشكل غير مسبوق، فظهرت نتيجة لذلك شدة التباين، ما نتج عنه تبعات خطيرة أصبحت تمثل ظواهر في وقتنا الحالي مثل ازدياد وارتفاع معدل الجريمة في مجتمعاتنا.
ولقد ارجع الاجتماعيون هذا الارتفاع إلى دخول وسائل وأساليب ساعدت على تكوين طموحات أخرى لدى النشء لم تكن موجودة من قبل مثل الفضائيات والانترنت .. والشيء الذي ساعد هذه الأساليب على السيطرة والاستفحال غياب وسائل التربية نتيجة لانشغال الوالدين بالسعي وراء العمل، مما أوجد قصوراً في اسلوب الرقابة والمتابعة الابوية إلى جانب غياب الدور المنوط به الدعاة المسلمين في ظل تداخل مفاهيم كثيرة.
من هنا كان رأي العلماء والمهتمين بأنه لابد من غلق هذه الفجوة لتأثيرها الحتمي على سلوك النشء، الذين هم في المقام الأول اللبنة الأولى للتنمية في بلادنا وزخيرة المستقبل.. ولا عجب أن يقوم الدين الإسلامي بادراك هذه الفجوة منذ آماد بعيدة ويتحدث ويشير إليها بل ويصف لنا حالات العلاج لها ويؤكد على دور رجال الدعوة والدين في اعطاء إجابات شافيه بخصوصها..
فلقد أرسى الدين الأركان الساسية التي يجب أن تقوم الأسرة على أساسها في المجتمع الاسلامي .. وحدد طبيعة العلاقات بين أفرادها بما يتيح لهؤلاء التفاهم والتعاون والتكامل لما فيه صلاح الأسرة، ومن ثم المجتمع.. هذا ما أقره الدين الإسلامي بخصوص هذه الفجوة التي حدثت وتحدث بين الاجيال طالما أن هناك حياة .. عن هذا الموضوع كان هذا التحقيق ..
قضية شائكة
في البداية يؤكد د. رشاد علي عبد العزيز رئيس قسم الصحة النفسية بجامعة الأزهر: إن قضية الفجوة بين الأجيال قضية شائكة .. وعن طرحها يتم بالتالي طرح عدة أسئلة مثل هل فعلاً هناك فجوة .. وإن كانت هناك فما هي الاسباب التي أدت اليها؟ وكيف يكون العلاج؟ لذا فان الشعور بوجود هذه الفجوة والمرحلة الأولى لدراسة هذه القضية، وما يجعل الأمر خطيرا هو تلك العزلة الحاصلة بين الاباء والابناء وهذا ما ينذر بالخطر لأنه يساعد في إيجاد أمراض نفسية واجتماعية لانه يساعد على وجود الجريمة نتيجة لغياب الرقيب في الأسرة ..
أما أهم الأسباب تكون هذه الفجوة - والكلام على لسان الدكتور رشاد - أنها أتت كنتيجة مباشرة لاختلاف منظومات القيم التي يعتمد عليها كل جيل، فكما كانت هناك في السالف بين أبائنا وأجدادنا فإنها تحدث الآن بيننا وبين أبنائنا، ولكن الخطورة تكمن في اتساعها بهذا الشكل لدرجة أن القيم التي تربى عليها جيل الآباء قاربت على الاختفاء نتيجة لظهور قيم بديلة قامت باحتلال مكانها ..
والذي ساعد على هذا غياب الدور الأسري في التربية.. حتى أن الوالدين تركوا الدور الذي من المفروض أن يؤدوه إلى غيرهم فظهرت المربية ذات المستوى الاخلاقي المغاير واستفحل دورها نتيجة لغياب الأم في العمل .. والدين الاسلامي لم يرفض عمل المرأة لكن بشرط أن تؤدي واجباتها تجاه أسرتها.
ويشير د. رشاد إلى أن دور الأسرة في الماضي كان من الأهمية بحيث أنه كان مصدراً مهما للقيم والسلوكيات التي ينهل منها النشء، حتى ظهرت وسائل تربوية منافسة للأسرة مثل الفضائيات والانترنت التي قامت بزرع قيم مغايرة وغريبة عن مجتمعاتنا، فأدى ذلك إلى تضارب في الفكر بين الجيل الذي تربى على القيم الاساسية للدين الإسلامي، والجيل الحالي الذي تربى على قيم دخيلة لا صلة لها بالإسلام.. مما ساهم في اتساع هذه الفجوة التي نحن بإزائها والصدع الذي أرق علينا حياتنا.
أسباب الفجوة
في حين يرى د. رشاد عبد اللطيف عميد كلية الخدمة الاجتماعية بحلوان سابقاً أن أسباب هذه الفجوة، هو أن الأم تترك أبناءها لغيرها في حين ينشغل الاب بمسألة الاكتساب فبالتالي يلجأ الابناء إلى الغير فيترتب على هذا أن تكون القيم المكتسبة قيماً مغلوطة، أيضاً اهتمام الأب والأم بأبنائهم اهتماماً سطحياً دون ترجمة حقيقية لهذا الاهتمام مما يشعر الطفل بالإحباط إلى جانب عدم وفاء الاباء بما قطعوه على أنفسهم من وعود تجاه الأبناء،
وهنا ينظر الابن إلى أبيه كرجل لا يقدر المسؤولية ولا ننسى أن سلطة الوالدين أمام أخطاء الابن تجعله بين خيارات صعبة فما أن يكذب أو يسكت وإما أن يعرض نفسه للوم والتصنيف والمساءلة، أيضاً التدليل الزائد للابن أو التغيير الشديد في التدليل يفسد الابناء فيجب تربيته بهذا وذاك في حالة وسط تجعله يستطيع أن يتحمل مسؤولية نفسه .. ما أوردناه يؤدي بالضرورة إلى أمراض نفسية واجتماعية يتحمل المجتمع تبيعتها.
دور الدعاة
أما د. ملك يوسف الداعية الاسلامية فقالت: إن هذه الفجوة هي قضية تخص الدعاة الاسلاميين في المقام الأول لذلك يجب طرحها ومناقشتها بينهم للخروج باراء مختلفة تساعد على درء مخاطرها ثم يتم فتح قنوات الحوار بينهم وبين الشباب للحديث فيها .. لأن الملاحظ بشدة أن هناك فجوة فعلية بين علماء الدين والشباب أعادت لنا ذكرى العصور الوسطى حيث كانت الكنيسة هي المسيطرة على أمور الدين ولا يجوز لأحد الخوض في أي موضوع يخص الدين إلا من خلالها وبمباركتها،
مما أثر على كل العلاقات الاجتماعية وقتها مثل قهر المرأة وعدم تحقيق رغبتها حتى في الزواج بمن تحب ولم يكن لها أن تضج بالشكوى، ومن ثم ساءت علاقتها بأبنائها مما أدى إلى انحرافهم وازدياد نسبة الجرائم في ذاك الوقت .. وهذا ما نعاني منه الآن حيث إن كثيراً من رجال الدين بنوا لأنفسهم صوامع كي يعيشوا فيها بمعزل عن الناس ..
من هنا كان تأكيد الدكتورة ملك على أن دين الاسلام دين حرية وابداع وليس دين كهنوت فكل إنسان حر فيما لا يضر غيره وطالما لم يتعد الحدود الشرعية .. ومن حق الجميع أن يتحدثوا في شأن دينهم ويفيدوا ويستفيدوا .. ولنا في السلف الصالح العظة وقديماً قال «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه «أصابت امرأة وأخطأ عمر»، لذا فهذه الفجوة ترجع إلى غياب دور الدعاة ورجال الدين فغاب بالتالي الوعي الديني إلى جانب غياب دور الوالدين وتفكك الاسرة فظهرت هذه الفجوة.
«وكالة الصحافة العربية»