السيدة خديجة هي سيدة أكرمها الله، وكرمها، واختارها لتكون بجوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أهم مرحلة من حياته، انها اختيار الله، هو علمها وفضلها وأكرمها بهذا الفضل، فكانت زوج خاتم النبيين، وأم المؤمنين، وأم الذرية الطاهرين، وهي كانت الوزيرة والمشيرة والأم والصديقة.
وكانت السيدة خديجة أيما أرملة، كانت تربي أولادها من زوجين سابقين ولدين وابنة، وكانت لديها أموالاً كثيرة أرادت أن تنميها بالتجارة فكانت رضي الله عنها ترسل الرجال وتضارب في الأموال، وكانت تدقق وتمحص، وتختار من تثق بأمانته وترسله في تجارتها حتى تضمن سلامة أموالها، وعظيم ربحها، وكانت السيدة خديجة تسمع عن أمانة سيدنا محمد وما يقوله الناس عنه وعن صدقه وحسن خلقه.
وفي بيئة صحراوية مثل البيئة الجاهلية كانت الأخبار سريعاً ما تتداول، فبلغ هذا الحديث مسامع السيدة خديجة، فأرسلت هي إليه، ويحدثنا المؤرخون أنها لمّا قابلته كان مما قالته له: «انه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك»، وعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل مما كانت تعطي غيره من التجار.
وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضها وخرج في مالها الى بصرى بالشام وارسلت معه غلامها ميسرة، واوصته ان يقوم على خدمته، وألا يخالف له أمراً وأن يرصد لها احواله..
أرباح مضاعفة
نفذ ميسرة غلام السيدة خديجة الوصية التي اوصتها له بحذافيرها وراح يتتبع اخبار سيدنا محمد وما صاحبها من معجزات، ولما انتهت الرحلة وباعا بضاعتهما، كانت الأرباح التي عادا بها ضعف ما كانت تربح من قبل، واشتريا ما يعودان به بأربح مما كان يشتري من قبل..
وعادا سالمين غانمين، وتقدم ميسرة عند دخولهما مكة ليكون بشيراً بسلامة العودة، ووفرة الربح، ولما جاء ميسرة للسيدة خديجة حدثها بما رأى وقال لها: «رأيت الغمامة تظلله اينما ذهب.. فإذا سار سارت معه واذا جلس ثبتت فوق رأسه لا تتحرك، ورأيت شجرة جلس تحتها، فمالت عليه باغصانها تظلله وكان مجلسنا قريباً من صومعة راهب تحكي قصص السيرة انه «نسطورا» فلما ناداني الراهب سألني عنه قائلاً: «من هذا الذي يجلس تحت الشجرة؟»
فقلت له: انه محمد بن عبدالله.. فتى من أهل الحرم.
فقال الراهب: انه والله نبي هذه الأمة، وهذه الشجرة ما جلس تحتها إلا نبي!
وبين دهشة السيدة خديجة وصاحباتها من هذا الحديث، وصل الصادق الأمين فسلم حييا وأدى ما عنده من أموال وأرباح متضاعفة وانصرف.. بعد ان أحيا في قلب السيدة خديجة حلماً قديماً وأظهر نوراً كثيراً كانت قد رأته من قبل في احلامها.
وتساءلت في نفسها احقاً هي معجزة الأيام قد آن أوانها.. فيا فرحة العمر لو تحقق ذلك الحلم، وعاشت عروساً هانئة لنبي كريم.
وكانت السيدة خديجة تتمنى لو تصبح لهذا الصادق الأمين زوجاً ومعيناً ووزيراً صادقاً تهبه عمرها وحبها، ومالها، هانئة بقربه ورضاه، وتحظى به زوجاً ومعلماً وحبيباً، وتشرف به قريناً فريداً مرغوباً. ولكن على الرغم من كل هذا التقدير الذي كانت تكنه السيدة خديجة لسيدنا محمد إلا أنها ابت ان تفاتحه او تفصح له وهنا يكمن درس العفة والكرامة من هذه السيدة المصانة التي لم تفاتح من كانت على يقين من انه نبي هذه الأمة وان خلقه يفضل كل خلق وانه ليس ككل البشر الا انها لم تفعل.
وبينما كانت السيدة خديجة كذلك دخلت عليها صديقتها «نفيسة بنت منية» التي بدورها عرفت ما يدور في خلد صديقتها بعد ان حكت لها فقالت لها «تأذنين وانا اتدبر الأمر» فسرت خديجة لذلك وقالت في فرح «افعلي يا نفيسة ما تستطيعين» فراحت الصديقة الوفية تفاتح الصادق الأمين وما تقول له: ما يمنعك أن تتزوج يا محمد!
فقال لها ما بيدي ما أتزوج به!
قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال، والمال، والشرف، والكفاءة ألا تجيب!
قال فمن! قالت خديجة، قال وكيف لي ذلك! فأجابته نفيسة علي وانا افعل ذلك.
الزواج الميمون
وتحكي لنا كتب السيرة ان النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بذلك استأذن عمه ابا طالب في ان يتوجه لخديجة.. فأذن له.. وبعث بعده جارية له يقال لها نبعة فقال لها انظري ما تقول له خديجة.. فخرجت خلفه فلما جاء صلى الله عليه وسلم الى خديجة أجلسته واخذت تكلمه، ثم قالت: بأبي انت وأمى، والله ما افعل هذا الشيء، لكني ارجو ان تكون انت النبي الذي يبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي سيبعثك لي.
فقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والله لئن كنت انا هو لقد اصطنعتي عندي ما لا أضيعه أبدا، وان يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيمك ابدا.
وهكذا تم الاتفاق بين العفيفة الطاهرة والصادق الأمين ذلك الاتفاق الذي لم يحنث به احد الطرفين بل ظلا عاكفين على نجاحه فلم تتغير النفوس ولم تخن الأعين وتم الزواج الميمون بعد ان احضر النبي صلى الله عليه وسلم أعمامه أبي طالب والعباس وحمزة فخطبوها من عمها حيث كان ابوها قد توفي وقال عمها في خطبة طويلة ختمها قائلا: اشهدوا علي معاشر قريش اني قد أنكحت محمد بن عبدالله خديجة بنت خويلد.
عاشت السيدة خديجة حياة هنيئة رغدة في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يوحي اليه فلما اتته النبوة تحملت في سبيل الدعوة الأذى والآلام والحرمان فوقفت الى جانبه وصبرت معه وضحت في سبيله وما ان نزل الوحي على رسول الله حتى كانت أول من صدق وآزر
ووقفت مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تشد من ازره وتعينه وتبذل كل غال ونفيس في سبيل راحته وعندما كان يذهب الى غار حراء قبل نزول الوحي ويظل متعبدا لأيام طوال كانت تسأل عنه وترسل رسلها ليطمئنوها عليه وكانت تحمل اليه الطعام والشراب لا تكل ولا تمل ثم تصعد الى الجبل الذي يبلغ ارتفاعه 866 متراً فوق سطح البحر، كل ذلك لتطمئن عليه وتعينه على ما هو فيه وهي عندما كانت تفعل ذلك كانت تفعله فرحة سعيدة مؤمنة ومتبصرة بعظمة الدور الذي ينتظر زوجها.
ولا يخفى علينا من امر هذه الزوجة الكاملة العاقلة المعطاءة موقفها المساند المطمئن عندما جاءها سيدنا محمد بعد ان اتاه الوحي وقالت له بثبات: «والله انك لنبي هذه الامة» ثم قالت له كلمات يقول عنها العالم الكبير زغلول النجار «انها كانت سببا في دخول احد أساتذة الجامعة للدين الإسلامي بعد ان سمع هذه الكلمات: التي قالت له فيها:
انك لتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتصدق الحديث وتصل الرحم وتعين على نوائب الدهر، والله لن يخزيك الله أبدا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن خديجة فيقول. ما رأيت من زوجة لزوج خير من خديجة، ماكنا نرجع أنا وصاحبي إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبئه لنا؛ فكانت تهتم بشأنه وتعد له الطعام بنفسها على الرغم من وجود الخادمين، وكانت تقدمه بنفسها وكانت تكرم ضيفه، وترحب بأهله حتى عندما أخذ سيدنا محمد ابن عمه «علي ابن أبي طالب» ليربيه مع أولاده رحبت به وكانت تعامله كأحد أبنائها.
عطاء لاقى أهله
ولاشك أن عطاء السيدة خديجة وحسن خلقها مع زوجها هو عطاء لاقى أهله فقد ظل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام على عهدها وعلى حبها حتى بعد أن ماتت وظل وفيا لها يثني عليها ويحيي ذكراها. عاشت السيدة خديجة مع سيدنا محمد خمسة وعشرين عاما منها عشر سنوات قبل أن يبعثه الله نبياً وثلاثة عشر عاماً بعد البعثة.
وتقول السيدة عائشة رضي الله عن أمهاتنا جميعاً، ما غرت على أحد غيرتي على خديجة ولم أرها وذلك لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها فقلما كان يخرج من عندي إلا ويذكرها ويحسن الثناء عليها فذكرها في يوم من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: «هل كانت الا عجوزاً! فقد أبدلك الله خيرا منها..
فغضب النبي غضبا شديداً وقال لا والله ما أبدلني خيرا منها فقد آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها اذ حرمني الناس، ورزقني الله تبارك وتعالى منها أولاداً اذ حرمني أولاد النساء». وخرج مغضباً، فقلت في نفسي: والله لا أذكرها بسيئة ابداً.
وقد انجبت السيدة خديجة من سيدنا محمد ستة أولاد، ولدان وأربع بنات هم ذرية المصطفى صلى الله عليه وسلم انهم النطف الطاهرة والاولاد البررة أما الأولاد فهم عبدالله (وهو الطاهر، وهو الطيب) سمي بالطاهر والطيب لأنه ولد بعد النبوة وتوفي عبدالله وهو صغير.
اما القاسم فقد بلغ مرحلة المشي ثم توفي فحزنت عليه السيدة خديجة حزنا شديداً وكان رسول الله يكنى به فكان يسمى: «أبا القاسم». أما بناته فهن زينب ورقية وأم كلثوم وقرة عين أبيها فاطمة. كلهن من خديجة وكلهن ادركن الاسلام وهاجرن إلى المدينة وهاجرت رقية رضي الله عنها الهجرتين.
ماتت السيدة خديجة بمكة ودفنت بمقابر المعلاة في الجحون، وهي في الخامسة والستين قبل الهجرة بثلاث سنوات وسمي العام الذي ماتت فيه بعام الحزن فقد حزن عليها الرسول حزناً شديداً. وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده خديجة قال: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ماتت بعد أن بشّرها الله سبحانه وتعالى ببيت من قصب لا نصب فيه ولا صخب.
ماتت قبل أن تفرض الصلاة ولم تصل الصلوات المفروضة، ولم تحظ من أركان الإسلام إلا بركن واحد هو شهادة أن لا إله إلا الله، ورغم ذلك فقد بلغت هذه الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة... وهنا يبشّر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل امرأة صالحة تتخذ من حسن التبعل لزوجها سبباً لدخول الجنة كما فعلت أمنا خديجة فيقول: إذا صلّت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت من أي باب جنة شاءت
إعداد: جيهان محمود