أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»، «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»، صاحبة الدين هي التي تسرك إذا نظرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظك إذا رغبت، وتخاف الله في عرضك وولدك ومالك: (... فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله...). وكثير من الذين يحلقون وراء الأحلام والمثاليات، قلما يحققون ما ينشدون.

أعرف قريباً لي، كان يريد فيمن يتزوجها أن تكون موصوفة بالحسن والجمال، بل رائعة الحسن والجمال، كثيرة الغنى والمال، ذات حسب ونسب، ذات علم وثقافة، ولكنه للأسف حينما تزوّج، تزوج امرأة ليس فيها شرط واحد من هذه الشروط، مع أنه عاش سنين طويلة يبحث عن مثاله الخيالي.

لا داعي لهذه الخيالات والمبالغات:

على الشاب أن يبحث عن ذات الدين، عن المرأة الصالحة التي تحفظه وتصونه، ويستطيع أن يعيش معها حياة سعيدة، لا يهمه أن تكون فقيرة في المال، إذا كانت غنية بالأخلاق، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها: «تزوجوا النساء يأتينكم بالأموال». بعض الشباب يتشددون في أمور لم يشدد فيها الشرع، كأن يقول: إنني لا أريد فتاة تعمل، ولا حرج في العمل. لا حرج أن تعمل الفتاة في أمر مباح، كأن تعمل مدرسة في مدارس البنات، أو تعمل طبيبة في مكان ليس فيه اختلاط ممنوع، مثل هذا لا مانع منه.

لماذا يتشدد بعض الشباب أكثر مما يلزم، وقد قص علينا القرآن قصة الفتاتين اللتين رآهما موسى عليه السلام عند ماء مدين: (... قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما...) كانتا ترعيان الغنم، وتذهبان بها إلى حياض المياه، لأن أباهما شيخ كبير، ولا بد للأسرة أن تعيش، الحياة تحتاج إلى معاونة.

بعض الشباب يخاف من الفتاة المثقفة، ويقول: لا أتزوج فتاة جامعية، لماذا؟ لا يخاف من الجامعية إلا أحد اثنين: إما شاب ضعيف الشخصية، يخاف من هذه المثقفة المتعلمة أن تحدثه وتسائله، ولا تكون كما مهملاً في البيت، وإما شاب يريد أن ينحرف فهو يريد المرأة التي لا تستطيع أن تحاسبه، ولا أن تقيد عليه حركاته وسكناته.

أما الشاب المستقيم، الشاب القوي، فلا يضيره أبداً أن يتزوج المتعلمة، بل المتعلمة تنفع زوجة، وتنفع أماً، تكون نعم المربي لأولادها وبناتها، تستطيع أن تساعدهم في مدارسهم، وفي أداء واجباتهم المدرسية والمنزلية.

هناك عقبات نفسية عند الشباب، وعند الفتيات أيضاً:

بعض الفتيات يرون فارس أحلام بأوصاف غير معقولة، وقلما يأتي هذا، وبعض الفتيات يشترطن أن يكون لهن كذا وكذا، وتريد سيارة «مرسيدس 280»، و«فيلا» موصوفة بكذا وكذا، وأثاثا بكذا وكذا، وخادما كذا وكذا، ما هذا؟

إن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، تزوجت علي بن أبي طالب، ولم يكن في بيتها موقد كهربائي، ولا غسالة أوتوماتيكية، ولا مكنسة كهربائية، كانت تكنس البيت بيديها، كانت تدير الرحا بيديها،

فما كانت عندهم مطاحن، كانوا يأخذون الشعير ويطحنونه على الرحا، حتى يصبح دقيقاً خشناً، فتأخذه وتعجنه وتخبزه، وكانت تحمل قربة الماء على كتفها، حتى أثر ذلك في يديها، وذهبت هي وزوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوان، يريدان خادماً،

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: «ألا أدلكما على ما هو خير من خادم»؟ قالا: بلى يا رسول الله، قال: «عندما تأويان إلى النوم تسبحان الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدانه ثلاثاً وثلاثين، وتكبرانه أربعاً وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم»، نصحهما أن يستعينا على هذا التعب والمعاناة بالقوة الروحية، يذكر الله عز وجل، ولم يعطهما الخادم.

لماذا تريد المسلمة حياة الرفاهية؟ ما أجمل أن تكون معواناً لزوجها، وأن تعمل في بيتها، وأن تكافح معه حتى يرتقي المسلم إلى أعلى درجاته. لماذا تريد إنساناً ـ من أول الأمر ـ غنياً ذا مال؟ والله أعلم هذا المال من حلال أو من حرام؟

لتبدأ درجات السلم من أوله مع فتى أحلامها، مع زوجها هذا، وتعيش حياة كفاح وعناء، كما عاشت نساء المسلمين في الزمن الأول: فاطمة الزهراء، وأسماء ذات النطاقين، وغيرهما من نساء الصحابة.

يا أيها الأخوة ويا أيتها الأخوات.... هذا هو ديننا، ديننا جاء بالتيسير، فما لنا نلجأ إلى التعسير؟ ديننا جاء بالتوسيع، فلماذا نلجأ إلى التضييق؟ ديننا خفف عنّا، فلماذا نشدد على أنفسنا؟

علينا أن ندرك هذا، ونعلم أبناءنا وبناتنا هذا، حتى نحل تلك العقدة، وحتى يتزوج الشبان والشابات، بدل أن يلجأ الشباب إلى طرق تعرفونها. صدق الله العظيم إذ يقول: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون). وإذا كان هذا هو نظام الكون، وفطرة الكون، فلا يبقى للإنسان أن يشذ عن النظام الكوني، وعن فطرة الطبيعة، فلا بد أن يبحث عن ألفه، وعن أنيسه، وعن زوجه.

ومن أسرار التعبير في اللغة العربية وفي القرآن الكريم، أن كلا من المرأة والرجل إذا تزوجا يسمى كل منهما: زوجاً، وكلمة «زوج» تعني «اثنين»، كأن كلا منهما يحمل في ضميره الآخر، كأن كلا منهما في ظاهره فرد، وفي حقيقته زوج.

الزوجية فطرة إنسانية

ومن هنا حث الإسلام على الزواج، حتى يبقى به هذا النوع، وتستمر عمارة الحياة بهذا النوع المكرم كما أراد الله تبارك وتعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة...)، وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهياً شديداً، ويقول: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة».

الزواج والتناسل

الذي يبقى به هذا النوع، ولا بقاء للنوع بغير هذا الزواج، ولهذا لا يرى الإسلام تلك النظرة التشاؤمية التي كانت عند بعض الفلاسفة، وبعض الأديان التي تنظر إلى الحياة على أنها شر، وإلى هذا العالم على أنه عالم عذاب وويلات، وينبغي أن يتخلص الناس من هذا العالم بقطع النسل فلا يتزوجوا، وإذا تزوجوا لا ينجبوا وهكذا. الإسلام ضد هذه النظرة التشاؤمية، ويرى أن هذه الحياة خير، أرادها الله أن تعمر وأن تستمر، ولهذا على الناس أن يتزوجوا، ويتزوجوا الودود الولود.

الزواج كذلك أساس لتكوين الأسرة، وتلك التي تتربى فيها المشاعر... المشاعر الطيبة، العواطف الإنسانية، عواطف الأبوة والأمومة والنبوة والأخوة والرحم، عواطف المحبة والتعاون والإيثار والرحمة والتعاطف، في ظل الأسرة تتكون هذه المشاعر والذي يكوّن الأسرة هو الزواج: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء).

راية حسين المحرزي