إن التحليل العلمي الذي حلله الدكتور ألكسيس كاريل (ت 1944م) والدقيق لإنجازات الحضارة العظيمة أثبت دقة صحته في القرن المنصرم والقرن الحالي فالمتحدث من جلدة أصحاب العقول التقنية وكان عنده بعد نظر للأحداث التي تنعكس آثارها في المستقبل فقد تدهورت الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية... فأصبحت بين مد وجزر تنجذب وراء المصالح الفردية أو التي تخدم مجتمعاً بعينه وتبتعد أو تنفر عندما تتصادم هذه المصالح وتتعثر ولو بسبب خلاف بسيط لا يصب في خدمة المجتمع المادي وهكذا باتت الأحوال سيئة والقضايا الكثيرة أضحت متجددة.

فالعقل المادي أو النفعي يتسم بالصفات الحسية فقط فلا علاقة له بالوحي وهذا ما نلمسه جليا عندهم أيضا فهذا العقل (يوجد داخل حيز المادة، محكوم بحدودها، ولذا فهو لا يكتشف إلا ذاته في الواقع ولا يهتدي إلا بالقوانين المادية الكامنة في الأشياء ولا يمكنه التعامل لا مع الواقع ولا مع جميع الظواهر إلا في هديها) أي المادة ولا يسترشد بخالقها فالمادة إذا فقدت الروح المعنوية التي تؤهلها للسمو لا يمكن لها أن تدرك الغايات.

ففي هذا العصر عصر الحضارة الحديثة المتشعب الآراء والأفكار لا يختلف أحد مع نفسه أو غيره من أصحاب العقول المبصرة (إن العصر الذي نعيش فيه عصر طغيان المادة واستحكام أمرها وسيطرة نوازعها الطيبة والخبيثة، على تقاليد الحياة وقوانينها. ونعني بالمادة: تغلب البدن على الروح، وتغلب الدنيا على الآخرة.

أو بتعبير صريح: جحود ما وراء عالمنا المحسوس من حياة أخرى، في يومنا القريب أو في غدنا البعيد، وطرح الأديان ـ باعتبارها أفكارا ـ تبديء وتعيد حول هذه المعاني...! وإن كان لا بأس من قبول الأديان، من حيث كونها وصايا خلقية، ونصائح، ومسكنات اجتماعية!!. أما الإيمان بالله ايمانا ينطوي على الجد والتوقير والملاحظة، ويرتقي إلى مصاف المسائل التي تهتم بها الدول، وتعقد لها المؤتمرات، على نحو ما نسمع به ونقرأ عنه فلا... وأما الإيمان باليوم الآخر، إيمانا يقذف في النفوس، أن العمران البشري إلى انقراض، وأن النشاط الإنساني منقلب ـ لا محالة ـ يوما إلى حساب دقيق، ونقد عميق، كما يقول الشاعر:

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع!

فهذا أيضا، لا يكترث العالم به ولا يستعد له بل لعله شيء يهزأ به ويسخر من أصحابه.... والأديان ـ برغم ما يزعم لها من منزلة تقليدية ـ أقصيت ـ تماما ـ عن مراكز التوجيه الأعلى للإنسان. والدنيا ـ الآن ـ تسير جارفة إلى غير غاية وهدف معين، وهي مشغولة أعظم الشغل بالوقود الذي تستهلكه في هذا السير من غذاء، وكساء، ومتاع، وشهوة، وذهب، وفضة،

وما يستتبعه الحصول على هذا الوقود، من خصام وسلام، واغتيال واحتيال، وانقسام وانسجام في ظل هذا العقل المادي وفي مقابل ذلك تخدم هذه الحضارة البشرية بعلمها وتفوقها التقني على سائر الحضارات فجمعت بين الخير والشر النافع والضار الصالح والطالح فمن هنا تكون العقل المادي واخذ مكانه في الظهور وثمة آصرة أخرى شاع الفكر الأحادي بين بعض الناس فأصبحت الحياة مادة. والطبيعة تخبط خبط عشواء كما عبر داروين عن ذلك.

إبراهيم بن حبيب الكروان