عندما عاد خميس من عمله فوجئ بزوجته الشابة جالسة على كرسي تنتظره إلى جوار كراج السيارة فأصيب بالدهشة، فذلك التصرف لم يكن مألوفاً منها. ساورته الشكوك بأن أمراً خطيراً حدث لأسرته، فأوقف سيارته ونزل منها وهو يتأبط الصحف اليومية التي اعتاد قراءتها، لكنه لم يعبأ بإغلاق باب السيارة، حيّا زوجته بحس مخنوق ثم صمت. لم يسألها عن دواعي جلوسها خارج المنزل خوفاً من أن تسمع أذناه خبراً سيئاً مشى بخطى خائفة من المفاجأة إلى داخل المنزل فتبعته زوجته.
توجه إلى غرفة الأطفال فوجدهم جالسين أمام جهاز الحاسوب منهمكين مع ألعابهم حيّاهم، لكنهم لم يردوا عليه بل لم يرفع أحد منهم رأسه لينظر إليه. ولكنه لم ينزعج من هذا التصرف بل كان مسروراً أن وجدهم بخير. رمى الصحف على طاولة المكتبة ودخل غرفته بعدما اطمأنت مخاوفه على الأطفال، استبدل ملابسه ثم جلس فوق السرير، بينما جلست زوجته إلى جواره.
مرت لحظات صمت لكنه لم تطل حيث قطعتها الزوجة قائلة:
ـ أريد أن أتحدث إليك حول أمر، هل لديك استعداد أن تسمعني؟
ـ بصراحة أنا قلق من ذلك الأمر الذي أجبرك على انتظاري خارج المنزل أكيد هو خطير جداً، الله يستر!!
ـ هل تعتقد أن هناك شيئاً أهم بالنسبة لي من خادمة تتولى نيابة عني مهمة القيام بكل الأعباء المنزلية وتنفيذ احتياجات الأسرة كلها.
ـ وهل بالإمكان أن نعرف ما هو دورك في الأسرة بعدما تكون في بيتنا خادمة؟
تبتسم الزوجة ثم ترد:
ـ عندئذ سأكون سعيدة جداً لأنني سأخلد للراحة أطول فترة ممكنة بل سأستمر غارقة في النوم إلى ما بعد منتصف النهار، وما يتبقى لي من الوقت سأعطي منه قسطاً لمجالس الحريم، حيث الشاي والقهوة والسوالف، بينما القسط الأخير لأبنائي.
ـ هل تعتقدين أن ذلك كافياً لرعاية الأبناء؟
ـ لا تخف عليهم فسوف آمر الخادمة بأن لا تغفل عن أولادنا وإن حدث منها ذلك فسوف «أفنشها» وآتي بغيرها.
أدرك خميس أنه لا مفر مطلقاً من الامتثال لرغبة زوجته، لكنه راح يفكر في أحواله المالية المتعثرة وتذكر الديون المصرفية التي تثقل كاهله وتحرمه الاستمتاع بحياته ومتعة شراء سيارة بديلة لسيارته القديمة التي جعلت منه زبوناً دائماً لورش الصيانة، ارتسمت الحيرة على وجهه ونزل العرق بغزارة من جبينه ثم التفت إلى زوجته وهو يحاول تجفيف العرق بلفافة من مناديل العرق:
ـ إنني أعلم بالظروف المادية المزعجة التي نعيشها منذ أن لجأنا إلى البنك نستدين منه لأجل بناء منزلنا، حيث صار جزء كبير من راتبي الشهري يذهب قسطاً لسداد الدين في حين المتبقي منه نحاول أن نغطي به متطلبات الحياة المعيشية الباهظة، فمن أين لنا براتب الخادمة؟
نظرت الزوجة إلى الأرض وعلى وجهها ارتسمت مظاهر الغضب فردت عليه:
ـ بصراحة لست أنت وحدك الذي عنده ديون فأهل الديرة جميعاً حتى كبار السن تخنقهم الديون وبعضهم لم ير راتبه على مدى سنين، ومع ذلك توجد أكثر من خادمة في بيوتهم، انظر إلى جارتنا أم راشد كم هي محظوظة ففي بيتها أربع خادمات من أربع جنسيات ولذلك فهي عندما تخرج من منزلها تتبعها ثلاث خادمات، في حين تبقى الرابعة واقفة بالبيت على أهبة الاستعداد.
ـ فالك طيب، لكن ما أطلبه منك هو أن تؤجلي الأمر إلى آخر الشهر لأننا لا نملك في الوقت الراهن شيئاً من المال يكفي لاستقدام الخادمة.
أبدت الزوجة نوعاً من المرونة وقبلت طلب زوجها بالانتظار حتى نهاية الشهر لكنها بين الفينة والأخرى كانت تذكّر زوجها بما بقي من نهاية الشهر من أيام، حتى جاء اليوم الموعود فانتظرت الزوجة خميس جالسة إلى جوار الكراج قبل أن يوقف محرك سيارته تقدمت نحوه وفتحت له الباب فنزل من السيارة وقبل أن يدخل المنزل سألته:
ـ ماذا فعلت هل ذهبت إلى مكتب الخدمات لتطلب منه الخادمة؟
ـ بالطبع ذهبت إليه وطلبت ما تقولي، لكن..
ـ لكن، وماذا تريد أن تقول؟
ـ من فضلك لا تستعجلي الأمر، فالمكتب طلب حضورك شخصياً لكي تختاري من صور الخدم التي لديهم واحدة منها.
ـ لماذا لم تقم أنت بمهمة الاختيار؟
ـ بصراحة حاولت لكن الموظف نصحني بالابتعاد عن ذلك لأن العديد من المشكلات حدثت نتيجة اختيار الزوج للخادمة. ركبت الزوجة إلى جوار خميس في السيارة وتوجها معاً إلى مكتب الخدمات، ولدى وصولهما أجلسهما الموظف ثم جاء للزوجة بالصور وطلب منها أن تختار الخادمة التي تراها مناسبة لخدمة منزلها.
وبينما كان خميس منهمكاً في الحديث مع موظف المكتب حول إجراءات جلب الخادمات من دولهن والمشكلات المحتملة من وجودهن في المجتمع كانت زوجته تتفحص الصور وعندما لم ترق لها المجموعة الأولى انتقلت إلى غيرها ونظرت إلى وجوههن ثم قالت في نفسها:
ـ لماذا كل الخادمات صغيرات في السن وجميلات، بالتأكيد فإن وجود واحدة منهن في منزلي يشكِّل خطراً على زوجي.
أغلقت الزوجة «ألبوم» الصور بانفعال ورمت به جانباً ثم التفتت نحو زوجها تحدثه:
ـ لم أجد بينهن خادمة تستطيع تحمّل أعمال الأسرة، فكلهن صغيرات السن ولا تتوافر لديهن الخبرة الكافية لأداء مهام مثل الغسل والطبخ وتربية الأبناء، كما ان مظهرهن يوحي بأنهن قرويات ولا دراية لهن بمتطلبات الحياة المدنية.
ـ من وجهة نظري فإن مثل هذه الأمور التي تتحدثين عنها يمكن أن تأتي من خلال الممارسة، ولذلك لا داعي للحديث عنها الآن.
قال خميس ذلك وهو يسعى إلى مشاهدة الصور، لكن زوجته منعته من ذلك. تدخل موظف المكتب شارحاً للزوجين بأن لديه «ألبوماً» آخر يضم العديد من صور الخادمات سيكون جاهزاً في غضون يوم أو يومين.
انصرف الزوجان برغبة العودة مرة أخرى. أثناء خروجهما إلى الطريق شاهدا خادمة تمشي راجلة بملابس ممزقة والدموع تنهمر من عينيها بغزارة، وقف على مقربة منها وأنزلت الزوجة زجاج باب السيارة وسألتها عما جرى لها فأبلغتها بأن مخدومتها ضربتها لأنها رمت بالطفل على السيراميك فأصيب بارتجاج في الرأس وهي ذاهبة الآن إلى مكتب الخدمات كي يعيدها لبلادها.
نظر خميس لزوجته معتقداً أنها تخلت عن فكرة الخادمة فسألها:
ـ شو رأيك فيما سمعت ورأيت؟
ـ الحمد لله لا يوجد عندنا أطفال صغار بل هم أطفال كبار يعتمدون على أنفسهم في تصريف شؤون حياتهم. وكما ذكرت لك من قبل فأنا أبحث عن الخادمة التي عندها خبرة في الحياة أما الخادمات الصغيرات فهن اللاتي يرتكبن الأخطاء المثيرة للغضب.
ـ هل أفهم من ذلك أنك لا تزالين عند رأيك بشأن وجود خادمة في منزلنا؟
ـ نعم لن أتنازل عن رغبتي في ذلك لكنني سوف أحاول اختيار الخادمة التي تجلب السعادة لأسرتنا.
بعد مرور يوم على زيارتهما لمكتب الخدمات اتصل الموظف بالزوجين طالباً منهما الحضور للاطلاع على البوم الصور الجديد لم تمر سوى لحظات حتى كان خميس وزوجته جالسين داخل المكتب يبحثان في الصور واحدة بعد الأخرى وفي كل مرة يحدد هو صورة ترفضها زوجته ومع تكرار ذلك الرفض غير المبرر شعر خميس بالملل فرمى بما في يده من الصور وانصرف لمتابعة التلفزيون.
نظرت الزوجة ملياً لصورة الخادمة التي بدت من عيونها وملابسها أنها ملتزمة دينياً وهادئة أكثر من الأخريات فاطمأنت لها وقررت أن تكون هي خادمتها المنتظرة مالت نحو زوجها ووضعت الصورة أمامه لكنه لم يعر الأمر اهتماماً بل رد عليها:
من فضلك إذا اقتنعت بها فابلغي الموظف لكي يبدأ في اتخاذ الإجراءات الضرورية لاستقدامها.
نهضت الزوجة من مقعدها واتجهت إلى الموظف وقدمت صورة الخادمة التي وقع اختيارها عليها فادخلها ضمن برنامج في جهاز الحاسوب ثم حدد لها مهلة أسبوعين لوصول الخادمة. بالنسبة للزوجة بدا الأسبوعان سنتين فقد واجهت مشقة لا حدود لها في الصبر عليهما فكانت تخفف من وطأة ذلك بالاتصال المستمر بالموظف.
ذات يوم كان المتصل هو الموظف نفسه الذي أبلغها بوصول الخادمة. لم تنتظر عودة خميس من الدوام فاصطحبت بعضاً من أطفالها وتوجهت في سيارة تاكسي إلى مكتب الخدمات لتجد الخادمة في انتظارها ووقفت أمامها مذهولة.. لاحظت أنها تختلف عما هي في الصورة، فهي شابة ممشوقة القوام تتفجر أنوثة وجمالاً وتبدو لمن يراها عروساً في يوم زفافها.
داهمتها غيرة مزعجة. ففكرت في إعادتها لبلادها بدلاً من أن تعيش معها في منزل واحد لكنها لم تجد مبرراً مقنعاً لفكرتها فصرفت النظر عنها ثم قالت للموظف:
ـ هل بوسعي أن آخذ معي الخادمة للمنزل؟
ـ نعم ومن حسن حظك أنها تتحدث اللغة العربية لكن لا تتركيها تمارس عملاً إلا بعد التأكد من سلامة صحتها.
ـ هل تعني أنها مريضة؟
ـ لا.. لا أستطيع الإجابة على سؤالك إلا إجراء الفحص الطبي.
غادرت الزوجة مكتب الخدمات وعلى وجهها ترتسم تعابير توحي بعدم سعادتها بالخادمة التي كانت تمشي وراءها وهي تجر حقيبة ملابسها.
لدى وصولها المنزل طلبت منها الإقامة في إحدى الغرف المنفردة حذرتها من أي لقاء بالرجال أو التحدث إليهم.
لم تر الزوجة أن ذلك كافياً فقد انشغلت بمراقبة تحركات الخادمة خصوصاً أثناء وجود خميس بالمنزل وكثيراً ما كانت تتوارى إلى جوار المكان الذي يتواجد فيه خميس مع الخادمة وهي تؤدي له الخدمات التي يحتاجها فتسترق السمع والنظر لكنها في كل مرة كانت تخرج بخفي حنين من خططها التجسسية.
مرت أيام عديدة تحولت الوساوس والشكوك خلالها لصراع نفسي مرير يؤرق الزوجة ويعذبها وقد بلغ ذروته بعدما رفض زوجها طلبها بإلغاء إقامة الخادمة وتسفيرها فاعتبرت ذلك تأكيداً على صدق شكوكها.
لاحظ خميس أن زوجته لم تعد كما كانت في السابق وفهم ماذا تقصد بالمعاملة السيئة للخادمة لكنه استغرب معاملتها له وهو الذي يكن لها كل احترام وحب ولم يدخر وسعاً لإسعادها بالرغم مما يعاني من الظروف لكنه مع ذلك لم يواجهها بالمثل فاكتفى بمراقبتها من بعيد وأثناء ذلك انصب تفكير الزوجة على شيء واحد وهو أن ترتاح من الخادمة إلى الأبد فاتفقت مع عامل للنظافة على قتلها بعدما أغرته بمبلغ كبير.
وقالت له: عند حضورك آخر الليل سوف أطفئ الأنوار كلها لأجعل البيت يقبع في ظلام دامس لا يراك فيه أحد ومن ثم سأفتح لك باب غرفتها وأعطيك السكين لكي تذبحها ذبح الشاة. وبالفعل نفذت كل شيء حسب الخطة المرسومة وجاءت تمشي في الظلام ثم قدمت السكين وفي اللحظة الحاسمة فوجئت بأن الذي تسلمها هو زوجها فانهارت باكية.
إعداد: سليمان الماحي