على الرغم من كثرة برامج الإسكان التي تتبناها حكومة دبي وتخصيصها لجزء كبير من ميزانيتها لتوفير السكن الملائم لمواطنيها، فإن الكثير منهم وخاصة النساء من الأرامل والمطلقات ما زلن يعانين من السكن في منازل متهالكة وقد تكون ملكا لغيرهن، هؤلاء تعبن من طول انتظارهن للحصول على المنزل المناسب لهن ولأبنائهن وأحفادهن، علاوة على عدم امتلاكهن لدخل يؤمن لهن منزلا مناسبا ولو بالإيجار.

ولا أقسى على القلب من حالة مريم علي «أم شاهين» التي تعيش مع أبنائها الثلاثة عشر في منزل قديم وللورثة، وتسرد قصة معاناتها مع المسكن فتقول طرقت أبواب الخير جميعها طلبا للمساعدة في أمر السكن إلا أني لم ألق غير الوعود التي طالت حبالها، فلقد تقدمت لبلدية دبي من بداية عام 1981 أي منذ خمسة وعشرين عاما للحصول على منزل وإلى اليوم لم احصل على شيء.

كما تقدمت للديوان منذ عام 1992 ولم أتلق أي مساعدة أيضا، ولولا حاجتي لما طرقت أي باب فأنا العائل الوحيد لأبنائي الثلاثة عشر وكنت موظفة صغيرة في وزارة التربية والتعليم وراتبي التقاعدي لا يتجاوز الألفين و 500 درهم، يستقطع البنك منها ألفا و500 درهم، وما يتبقى من الراتب يذهب لمصاريف البيت من مأكل ومشرب وبالكاد يتبقى منه شيء لصيانة ركن أو غرض في المنزل.

منزل للورثة

وتكمل أم شاهين قصتها فتقول: البيت الذي نسكن به يطالب الورثة بحقهم به، ولا أستطيع أن أنتقل لبيت إيجار لضيق الحال، وأنا على استعداد أن انتقل أنا وأبنائي للسكن حتى ولو بخيمة إذا ما توفرت لي، ولدي ابن وحيد من أبنائي الثلاثة عشر يعمل وراتبه ضعيف وهو متزوج وبالكاد يستطيع المساهمة في مصاريف المنزل وهو يحمل دينا كبيرا على كتفه بعد أن اقترض من البنك للمساعدة في صيانة المنزل، إضافة إلى ثلاثة أبناء آخرين متزوجين ويشغل كل منهم غرفة بالمنزل هم وأبناؤهم، وهم عاطلون عن العمل ولقد حاولوا طرق أبواب العمل لكن بلا فائدة لكونهم يحملون شهادات دراسية لا تتجاوز الابتدائية والإعدادية.

وتضيف: عدد أفراد الأسرة التي تسكن المنزل مكونة من 39 شخصا، والمنزل يحوي ست غرف فقط ثلاثة من أبنائي الشباب المتزوجين يسكنون بها وغرفتين تسكنهما ابنتاي المتزوجتان، فهن تعيشان في نفس البيت مع أزواجهن وأبنائهن، وغرفة أسكنها أنا وابنتي والخادمة، والمجلس حولناه لغرفة نوم ويسكن فيه ستة من أبنائي يبلغون من العمر مابين 15 إلى 21 عاما.

لا يصلح للصيانة

وتقول: البيت الذي نسكن فيه لا يصلح للصيانة، ولقد قمنا بعمل صيانة له عدة مرات وفي كل مرة تتشقق الجدران، وإذا انكسر شيء لا نستطيع إصلاحه لعدم امتلاكنا للثمن، فمراوح البيت لا تعمل والحمامات تحتاج لتبديل كامل كما أن باب الصالة الذي تحطم من سنتين لم نستطع أن نضع آخر مكانه حتى ولو مستعمل لعدم امتلاكنا لثمنه، ونضع حاليا مكانه ستارة لتفي بالغرض وفوق كل هذا فاتورة الكهرباء لم ندفعها منذ أربعة أشهر.

وتضيف: ندعو الله ونسأل أصحاب الأيادي البيضاء النظر لحالتنا وتقديم المساعدة لنا بمنزل يضمني أنا وأبنائي، فنحن بحاجة ماسة للمنزل وما نستغربه أن غيرنا الكثير ممن نعرفهم وتقدموا للبرامج والبلدية وحصلوا على منازل، ونحن لم يتغير وضعنا إلى اليوم، ودائما ما نسمع أن ما نحتاجه للسكن هو الواسطة ونحن لا نملك غير الدعاء والصبر.

وتقول إحدى بنات أم شاهين نتمنى أن يلقى طلبنا هذا القبول فنحن من أبناء الدولة والمنزل الذي نسكن فيه قديم جدا وملامح قدمه تبدو ظاهرة للعيان، وحتى الباب الخارجي متهالك، والجدران متشققة والطلاء الذي عليه انتهت مدة صلاحيته، وأنا اسكن في منزل والدتي مع زوجي وأبنائي فزوجي أيضا موظف وراتبه لا يتجاوز الأربعة آلاف ولا يستطيع تأجير منزل أو السكن في منزل والده الذي يكاد يتسع لعائلته، وتقدم أيضا لبرامج الإسكان للحصول على مساعدة، كما أن إخواني المتزوجين تقدموا للحصول على المساعدة السكنية منذ سنين ولم يحصل أي منهم على المساعدة إلى الآن.

وتضيف حال والدتي صعب جدا فهمها أن تجمعنا في بيت يناسبنا، وهي تسعى جاهدة لتطرق أبواب برامج الإسكان لتقديم المساعدة ولا تلقى أية إجابة سوى الوعود، وحاليا تقدمت لوظيفة أملا في مساعدة والدتي وصيانة المنزل الذي مللنا من صيانته وترقيعه.

وتقول «أم عبيد» زينب موسى وهي مطلقة: لا أعرف إلى أين اتجه بشكواي، وحالي حال غيري الكثيرين من المواطنين الذين يعانون من تهالك المنازل أو عدم امتلاكها، فأنا أم لأربعة أبناء ثلاثة شباب وبنت واحدة وأعمل منذ سنتين فقط لأعيل أسرتي، ومن يرى حالتنا أو يسمع عنها يستغرب فكيف بمواطنين من أبناء الدولة يعيشون في أزمة السكن في وسط التطور العمراني والاقتصادي الذي تعيشه الدولة.

وتضيف تطلقت منذ أكثر من خمسة عشر عاما وأخذت أبنائي بحضانتي، ووالدهم عاطل عن العمل ولا يستطيع النفقة عليهم، وسكنت في منزل والدتي المصنوع من الصفيح، وبعد فترة من إيوائي فرض زوج والدتي علي بأن أدفع قيمة إيجار للغرفة التي أسكنها أنا وأبنائي الأربعة وإضافة صالة صغيرة جدا حولتها لمطبخ بقيمة شهرية تبلغ ألف درهم.

الخوف يسكننا

وتكمل فتقول بالطبع الخوف يسكننا لكون المطبخ في الصالة والمنزل من الخشب ولكن قلة الحيلة تجبر من لا حيلة له على الصبر، مشيرة إلى أنها تقدمت للمساعدة السكنية من البلدية منذ عام 1993 ولبرنامج زايد للإسكان في 2002 وإلى اليوم مازال الوضع على حاله، وتضيف قمت بتحويل فاتورة الكهرباء والماء على حسابي أملا في الحصول على المنزل، وليتني أملك إمكانية دفع قيمة لإيجار المنزل فالراتب الذي أحصل عليه يذهب لإيجار الغرفة ومصاريف أبنائي الأربعة ودراستهم.

وتضيف أم عبيد أبنتي الكبرى عمرها 22 عاما وأبنائي الشباب أكبرهم يبلغ 21 عاما وأصغرهم 17 عاما وجميعهم يسكنون في غرفة واحدة، ولكم أن تتخيلوا معاناة أبنائي من هذا الوضع. فلا يجوز في الشرع ولا يقبل المجتمع أن يسكن جميعهم في غرفة واحدة، كما أن خصوصية أبنائي تنتهي بمجرد دخولهم الغرفة، وإذا ما أرادت ابنتي أو أنا التصرف بحرية من مثل تبديل الملابس وغيرها لابد من الذهاب لبيت الوالدة، وفوق كل هذا فالغرفة التي نسكنها هي عذاب في الصيف والشتاء، ففي الشتاء تتحول الغرفة لبركة من مياه الأمطار ومن كل مكان في السقف والجدار يدخل المطر، وحاليا في الصيف الوضع لا يحتمل أبدا فعندما يهبط الليل تبدأ الكهرباء بالانقطاع من جميع المنازل ويستمر انقطاعها حتى الصباح، لينتقل جميع أفراد البيت إلى باحة المنزل أملا في الحصول على الهواء.

جميع الأبواب مغلقة

ويصف ابنها الكبير عبيد وضعهم بالمأساوي، ويقول ليت وضع أسرتي يتغير كحال غيرنا فوالدتي تسعى جاهدة للحصول على مسكن وتأمين لقمة العيش لنا، فوالدي عاطل ولا يستطيع الإنفاق علينا، وأعيش أنا وإخواني الشباب ووالدتي وأختي في غرفة واحدة وكم هو صعب علينا، فلا تستطيع والدتي وأختي تحتاجان لغرفة خاصة بهما لأخذ راحتهما ونحن الشباب أيضا لنا خصوصيتنا ولكن أين لنا بهذا إذا لم تقدم لنا الدولة أية مساعدة حتى الآن.

وأتمنى من الجهات المسؤولة عن حالة المطلقات والأرامل الرأفة بحالنا وتوفير المنزل المناسب لنا، فلقد تركت دراستي في فترة سابقة لمساعدة والدتي وأسرتي إلا أن جميع الأبواب أغلقت أمامي لعدم امتلاكي للشهادة الدراسية المناسبة للعمل، وعدت حاليا لإتمام الدراسة في الفترة المسائية لتحسين أوضاعنا.

ويضيف عبيد فيقول وضعنا معقد على الرغم من الوضع السيئ للسكن الذي لا يصلح أن يطلق عليه سكن لعدم توفر متطلبات الراحة الأولية فيه، يقف الجميع ضدنا فالكهرباء في انقطاع دائم علاوة على الإزعاج وعدم توفر معايير السلامة، وإذا ما نظرتم للغرفة التي نسكنها فهي تتكون من سرير واحد ننام عليه نحن الشباب الثلاثة، ووالدتي وأختي تحتلان الأرض للنوم عليها لعدم وجود مكان لسرير آخر، ودولاب الملابس مقسم بيننا نحن الخمسة ولا توجد لدينا أية أغراض أو أشياء خاصة للشباب الذين في عمرنا لعدم اتساع المكان.

ويقول عندما احتاج لغرض ما أو عندما أذهب للسوق ويعجبني شيء أفكر ألف مرة في شرائه وقياس حجمه، لأني أعلم بأني لو أحضرته للبيت لن أستطيع الاحتفاظ به واستعماله لعدم وجود مكان أضعه فيه، وإذا ما تجرأت وأخذت أي غرض سرعان ما أتخلص منه..

ويضيف بحق نحن نعيش في وضع مزري لا يستطيع أن يتحمله أي إنسان فعندما أعود للبيت متأخرا ولو بوقت قصير تكون والدتي وأختي قد أخذهما النعاس وافترشوا الأرض، عندها لا أستطيع الدخول للغرفة استحياء منهن، وإذا مرض أحد منا فنعيش مقيدين جميعا لتوفير الراحة له حتى شفاءه، وإخواني يحسون بالضيق وعدم الراحة ويحاولون إخلاء الغرفة لوالدتي وأختي دائما لكونهما نساء وتحتاجان للخصوصية أكثر منا، فيضطرون لترك المنزل عدة أيام ويذهبون للعيش والنوم عند بعض الأقرباء،ولكن لابد من العودة فلن يستطيع احد تحمل غيره والصبر عليه.

ولا يختلف حال «أم محمد» عن غيرها ممن يناشدن الجهات والسلطات المعنية للتدخل السريع في حل أزمة السكن التي يعانين منها، فهي تقطن في منزل متهالك مع أبنائها الأربعة، وتتمثل معاناتها في قلقها الدائم لمصيرها الذي قد تنطفئ معه شمعة الأمل التي ينيرها إيمانها بالله وصبرها على حالها، فهي مطلقة ولديها تسعة أبناء، تزوج منهم 5 وبقي الأربعة يصارعون معها من اجل البقاء في منزل الورثة الذي خلفه لهم أبيهم «رحمه الله»، فالمنزل تم تقسيمه إلى أجزاء وفقا للتوزيع القانوني على الورثة، فكان نصيب أبنائها من المنزل عبارة عن غرفتين ومطبخ وحمام وممر ضيق يمثل فناء المنزل.

قسوة الإيجارات

وقالت: أعيش مع أبنائي في هذا المنزل منذ سنة بعد أن قاسينا من دفع الإيجارات، ومنذ التسعينات كنا نتنقل ونسكن بالإيجار، حيث عشنا فترة تقارب الثلاث سنوات في إمارة عجمان وارتأينا العودة مجددا لهذا المنزل القديم بدلا من البحث عن منزل آخر نتكبد من خلاله مبالغ كثيرة للإيجار، وكان رضوخنا لهذا الأمر واقعا مرا ولا بد منه، فهو أشبه إلى حد بعيد بلحاق الظمآن للسراب عند اشتداد الحر، فتقدمت بطلبي إلى الإسكان الحكومي ببلدية دبي منذ عام 1989م.

وشاءت الأقدار أن احصل على قطعة ارض خلال العام الماضي، وبقيت المساعدة التي انتظرها وأبنائي بفارغ الصبر، حيث انني تقدمت بطلب المساعدة السكنية من برنامج زايد للإسكان في عام 2001م ولا أزال احلم بإعلان اسمي ضمن أسماء المستفيدين من المساعدات السكنية التي يقدمها البرنامج.

وأضافت أم محمد أن من أهم الأسباب التي تجعلها متيقنة من حصولها على المساعدة السكنية وأحقيتها لها، هو الوضع المزري الذي تعيشه في المنزل، فهو يحتوي على غرفتين، تم توظيف إحداهما إلى مجلس وغرفة نوم لأبنائها في آن واحد، والأخرى إلى صالة وغرفة نوم لها ولابنتيها، ناهيك عن المطبخ الذي يستوعب لإعداد وجبات بسيطة وتتكوم فيه أدوات الطبخ بشكل عشوائي لعدم وجود المساحة الكافية لترتيبها، ما استدعى إلى تجهيز مطبخ آخر وبمعدات بسيطة في فناء المنزل الضيق لإعداد الوجبات الرئيسية، إلى جانب بناء غرفة صغيرة في الفناء تعد مخزنا لتجميع فراش النوم بشكل يومي لتهيئة المنزل عند استقبال الضيوف.

مرارة العيش

وبالرغم من مرارة العيش في منزل أم محمد، تظهر مشكلة أخرى تزيد من وطأة المعاناة، وتتمثل في التوصيلات الكهربائية التي لا تتحمل الضغط المتراكم عليها جراء المكيفات والإنارة وأجهزة التلفاز، فهي غالبا ما تنطفئ عند اشتداد درجة الحرارة ظهرا، فلا توجد طريقة للتغلب عليها إلى من خلال تغييرها وإحلالها.

وذكرت أم محمد أنها استدعت الفنيين وعمال الصيانة ذات مرة لإصلاح بعض الأعطال الكهربائية، فتفاجأت حين علمت أن التوصيلات تشكل مؤشر خطر على حياتهم ان لم يستبدلوا، قائلة عندما سألتهم عن الكلفة التي يتطلبها تغيير التوصيلات اخبروها عمال الصيانة أنها تتراوح ما بين 9 إلى 10 آلاف، الأمر الذي جعلها تتغاضى عن ذلك لعدم مقدرتها على دفع ذلك المبلغ.

وفي رواية أخرى، قالت أم محمد إن معاناتها وأبناءها تتضاعف خلال فترة الشتاء، حيث إنهم يعانون من البرد الشديد وعدم مقدرتهم على البقاء في الغرف نتيجة مياه الأمطار التي تبلل الفرش وتؤثر على الكهرباء، إلى جانب سقوط القطع الاسمنتية من الأسقف والتي تهدد حياة أم محمد وأبنائها.

وما يزيد من حسرة أم محمد رغبة أبنائها في الزواج، فهم لا يستطيعون الإقدام على هذه الخطوة لعدم وجود إمكانيات العيش باستقرار في المنزل، حيث روت لنا موقف الخادمة التي كانت تعمل عندها منذ سنين طويلة، حيث لم تستطع الأخرى تحمل العيش معهم في المنزل، فآثرت العودة إلى ديارها.

كما تشكو أم محمد من خوفها من المستقبل الذي قد يتركها وحيدة إذا تزوجن بناتها وتزوج أبناؤها، فالمنزل ليس ملكها وليس لديها أية حقوق في حال تغيرت الأحوال، فهي تأمل بتحقيق الراحة والهناء لأبنائها في منزل بسيط يؤمن لها العيش الكريم.

تحقيق: سامية الحمودي ونادية إبراهيم وسليمان الماحي: