على إيقاع معارك طاحنة تدور رحاها حول منطقة بنت جبيل في الجنوب اللبناني انتهت بدخول القوات الاسرائيلية إليها مساء أمس، وفي ظل غياب أي تحرك فعلي في اتجاه وقف فوري لإطلاق النار، أطلقت المملكة العربية السعودية تحذيراً مدوياً من أن العدوان الإسرائيلي يطلق شرارة حرب إقليمية. فيما نبه الرئيس المصري حسني مبارك إلى أن ما يحدث في المنطقة فوضى هدامة وليست خلاقة.

وتزامن ذلك مع تحذير رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من أن تؤدي حالة الاستنفار غير المسبوقة منذ سنوات في سوريا إلى تنفيذها هجوماً ضد إسرائيل نتيجة خطأ في التقدير، خاصة وأن الوضع مقابل سوريا قابل جداً للانفجار، فيما أعلنت إسرائيل عزمها إدامة العدوان أسبوعين آخرين إلى حين نشر قوة متعددة الجنسية تتألف من 20 ألف جندي.

فقد حذر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمس من نشوب محتمل لحرب في الشرق الأوسط إذا واصلت إسرائيل هجماتها على لبنان والفلسطينيين، في ما يبدو انه تحذير للولايات المتحدة الحليف الوثيق من عدم التدخل والمساعدة في وقف القتال.

وجاء في تصريحات العاهل السعودي، الصريحة والملفتة بشكل استثنائي والتي صدرت في بيان سبق قمة بين الملك عبدالله والرئيس المصري حسني مبارك في منطقة الباحة، أنه «اذا سقط خيار السلام نتيجة للغطرسة الإسرائيلية فلن يبقى سوى خيار الحرب». ونقلت وكالة الأنباء السعودية عنه قوله «اذا استمرت الوحشية العسكرية الإسرائيلية في القتل والتدمير فان أحداً لا يمكنه أن يتوقع ما قد يحدث وعندما يقع المحظور لا يجدي الندم».

وأضاف: «أعلن العرب السلام خياراً استراتيجياً للأمة العربية وتقدموا بمشروع واضح منصف يتضمن إعادة الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام ورفضوا الاستجابة للاستفزاز وتجاهلوا الدعوات المتطرفة التي تحارب السلام، إلا أنه ينبغي القول ان الصبر لا يمكن أن يدوم للأبد».

وكان العاهل السعودي يشير إلى مبادرة سلام عربية طرحتها السعودية وتبنتها قمة 2002 العربية تعرض على إسرائيل سلاماً شاملاً مقابل إعادة الأراضي التي احتلتها عام 1967.

وحذر الرئيس المصري حسني مبارك من خطورة الوضع الراهن في لبنان وفلسطين، مجددا دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار. ونبه مبارك في تصريحات لدى عقده لقاء قمة مع خادم الحرمين الشريفين في غابة رغدان بالباحة في السعودية، إلى إن ما يحدث فى المنطقة فوضى هدامة وليست فوضى خلاقة.

ونقلت وكالة الأنباء السعودية انه جرى خلال الاجتماع «بحث تداعيات الأحداث في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة وما يعانيه الشعبان اللبناني والفلسطيني جراء الاعتداءات الاسرائيلية والسبل الكفيلة بإيقاف العدوان الاسرائيلي المستمر على لبنان.

وكان مبارك قد صرح للصحافيين قبل توجهه إلى السعودية، بأنه «يواصل مشاوراته مع مختلف الأطراف وعلى المستويات العربية والإقليمية والدولية للخروج من الموقف المتأزم»، محذرا من أن «الشعب اللبناني هو الذي يدفع الثمن».

وطالب المجتمعين في مؤتمر روما، الذي سيعقد اليوم بشأن الوضع المتأزم على الساحة اللبنانية، بأن «يخرجوا بنتائج محددة يحيلها إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ الموقف اللازم».

وردا على سؤال حول مسألة انعقاد القمة العربية، قال الرئيس مبارك إن النصاب القانوني لانعقاد القمة لم يكتمل بعد، مشيرا إلى أننا «سننتظر نتائج روما وبناء عليه سنتخذ القرار».

وأوضح أنه كان على «حزب الله أن يحسب تبعات خطف الجنديين الإسرائيليين»، مشيرا إلى أن «الحزب ليس قوة نظامية وأنه جزء من النسيج اللبناني أما إسرائيل فهي دولة ذات إمكانيات».

وردا على سؤال حول تباعد المواقف العربية مع الموقف الأميركي الرافض لوقف إطلاق النار، قال مبارك إن «لكل طرف ظروفه وان كثيرا من الدول غير العربية أيضا تطالب بوقف فوري لإطلاق النار منعا لإراقة الدماء وليست الدول العربية فقط».

في هذه الأثناء اعتبر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عاموس يدلين الذي كان يتحدث في اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست امس أن «الوضع مقابل سوريا قابل جدا للانفجار». وأضاف أن «السوريين رفعوا حالة الاستنفار الدفاعية إلى أعلى مستوى منذ سنوات عديدة خلت».

وشدد يدلين على أن «سوريا ليست هدفا في القتال» الدائر الآن في لبنان. لكنه تابع قائلا إن «سوريا تدرك إنه تم العثور على بصماتها على الصواريخ التي يطلقها حزب الله» على حد تعبير يدلين. وادعى أن سوريا وإيران «ضالعتان عميقا عميقا في دعم حزب الله وتوجد في لبنان قوة إيرانية من حرس الثورة الضالعة في القتال من رأسها حتى أخمص قدميها. وهناك عشرات المستشارين الإيرانيين الذين يرافقون قادة حماس».

وبالنسبة لسوريا قال يدلين إنها «تستخدم كممر لتزويد حزب الله بالسلاح الإيراني إضافة إلى أنها تزود بنفسها حزب الله بالسلاح». وقال إن حزب الله «يحاول جرّ سوريا إلى الحرب ضد إسرائيل».

من جهة ثانية، قال يدلين إن «حزب الله يحاول ويسعى لتنفيذ عملية نوعية أخرى شبيهة بعملية اختطاف الجنديين في جبهات أخرى ويعمل على تجنيد نشطاء في دول عربية أخرى مجاورة لإسرائيل مثل مصر والأردن».

واضاف أن الفصائل الفلسطينية تسعى أيضا لتنفيذ عمليات نوعية مثل اختطاف جندي. واعتبر يدلين أن حزب الله فوجئ جدا من الرد الإسرائيلي وقال إن «حزب الله لم يرد مواجهة بهذا الحجم». وأضاف أن الأمين العام لحزب الله «حسن نصر الله يحاول الآن الخروج من المواجهة وتقليص الأضرار وهو يدرك أنه ارتكب خطأ استراتيجيا وسوريا وإيران ليستا معنيتين بالانضمام إلى القتال».

وجاءت تصريحات العاهل السعودي والمسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي فيما كان التشاؤم سيد الموقف مع انتهاء زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس إلى كل من لبنان وإسرائيل والأراضي الفلسطينية، وبدا أن وقف إطلاق النار لا يزال بعيد المنال، في ظل تواتر إشارات من مسؤولين أميركيين كانوا برفقة الوزيرة ان الإسرائيليين مستمرون في العملية لأسبوعين على أقل تقدير.

ونقل هؤلاء عن مسؤولين إسرائيليين أن «العمليات العسكرية في الجنوب ستستمر أسبوعين على أقل تقدير لتأمين منطقة حزام حتى يتم نشر قوات من حلف الأطلسي».

وكانت رايس تجنبت في القدس المحتلة أمس الإشارة إلى وقف إطلاق النار وقالت إن «الحل الدائم يجب أن يكون حلا يعزز قوى السلام والديمقراطية في المنطقة» و«إرساء الأسس لسلام دائم في هذه المنطقة».

من جانبه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود اولمرت إن الدولة العبرية ستواصل هجومها العسكري الواسع في لبنان رغم الضغوط الدولية المتزايدة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ورغم التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان.

وكرس رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة هذه الأجواء باستبعاد التوصل إلى وقف لإطلاق النار خلال مؤتمر روما المرتقب اليوم. وقال في مؤتمر صحافي عقده قبيل مغادرته إلى روما: «أود أن أكون واضحا.. أنا لا أتوقع أن يتم التوصل من خلال مؤتمر روما إلى وقف لإطلاق النار وان كنا يجب أن نسعى دائما إلى تحقيق ذلك.. نحن نريد وقفا لإطلاق النار وان تتحرر منطقة مزارع شبعا من الاحتلال الإسرائيلي وعودة المعتقلين اللبنانيين من السجون الإسرائيلية وان تزودنا إسرائيل عبر الأمم المتحدة بخرائط عن الألغام التي زرعتها» في جنوب لبنان. وأضاف: «نريد أن تتمكن الدولة اللبنانية من بسط سلطتها الكاملة على كل الأراضي اللبنانية وان لا يعود هناك أي سلاح غير سلاح الدولة اللبنانية الشرعية».

إلى ذلك، أعلن رئيس الحكومة الايطالية رومانو برودي أن الهدف الأول للمؤتمر سيتمثل في التوصل إلى وقف إطلاق نار. وذكر ان «مشكلة اللاجئين اتخذت خلال الأيام الماضية حجما مذهلا». وقال «إن قوة فصل قد تكون مفيدة من اجل التوصل إلى حل للنزاع من خلال تأمينها حدا أدنى من الأمان على المدى البعيد سواء بالنسبة للحدود الإسرائيلية أو لهيئات الدولة اللبنانية».

ميدانيا، ومع دخول العدوان الإسرائيلي أسبوعه الثالث، شهدت منطقة بنت جبيل في القطاع الأوسط من الجنوب معارك ضارية بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي حزب الله وسط معلومات متضاربة حول نتائجها. وشارك فيها للمرة الأولى مقاتلون من الحزب الشيوعي اللبناني ومقاتلون من حركة أمل.

ونفى حزب الله المزاعم الإسرائيلية بسقوط المدينة، مشيرا إلى أن المعارك تدور على أطرافها، الأمر الذي أكده مصدر في قوة الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة.. فيما تواصلت الغارات الجوية الإسرائيلية على مدار الساعة تقريبا وأسفرت إحداها عن استشهاد سبعة من افراد عائلة في مجزرة اثر قصف منزلهم في مدينة النبطية.

وبالتزامن مع ذلك، قصفت الزوارق الإسرائيلية بلدات عدة في الجنوب اللبناني بين الناقورة حيث مقر قوة الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة ومرفأ صور، التي كانت والمناطق المحيطة بها هدفا لضربات إسرائيلية مركزة.

وأفادت مصادر الشرطة ومصادر حزب الله وحركة أمل أن ثمانية مدنيين استشهدوا أمس في جنوب لبنان والبقاع في حين أعلن حزب الله وحركة أمل عن استشهاد ثمانية من عناصرهما بين مقاتلين ومسعفين.

وفي تطور جديد، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس أمس أن بلاده تدرس إمكانية إقامة منطقة أمنية في جنوب لبنان إذا لم يتم نشر قوة متعددة الجنسية فيه. وقال للصحافيين إن بلاده قد تقيم هذه المنطقة «إذا لم تنتشر قوة متعددة الجنسية تتخذ مواقع وتسيطر على المنطقة الممتدة حتى السياج الحدودي مع لبنان».

وعلى الصعيد نفسه، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إسرائيلي كبير لم تسمه قوله إن إسرائيل تعتقد أن من الضروري أن تتولى قوة لحفظ السلام تتألف من قرابة 20 ألف فرد السيطرة على جنوب لبنان وان تلك القوة يمكن نشرها خلال أسبوعين من موافقة القوى الغربية عليها.

بيروت ـ علي بردى:

واشنطن ـ محمد صادق:

عواصم ـ «البيان» والوكالات: