تفتقر بعض العائلات إلى أبسط مقومات الراحة والاستقرار، التي ينعم بها الغالبية في مساكنهم، فالسكنى التي ينعم بها كل إنسان في منزله لا تعرف معناها، ولا كيف تكون فهي بالنسبة لها حلم يراود كل أفراد الأسرة، ابتداء من الطفل الصغير ونهاية بالشيخ الكبير. والخصوصية التي يسعى لها كل شخص معدومة تماما عند هذه العائلات إذا يتشارك في الغرفة الواحدة قرابة العشرة أشخاص.
وما يزيد من حجم المشكلة الديون التي أقضت مضاجع الكثير وإن كان البعض منهم، لا يعملون لأسباب متعددة، تختلف من شخص لأخر، ولهذا يظل السبيل الوحيد لإيجاد الراحة والخصوصية والسكنى عن طريق استئجار مسكن خاص بكل واحد منهم. وللتعرف على حقيقة ما تعانيه هذه الأسر في مناطق متفرقة كان لـ «البيان» الجولة التالية:
54 شخصاً في مسكن شعبي
في لقاء مع سعد غبيش سعد اليحيائي قال: إذا تطرقنا إلى المشكلة على مستوى العائلة فهي حتما مشكلة كبيرة، نعاني منها على مدار الساعة، فنحن عائلة تتكون من 54 شخصاً نسكن في بيت شعبي قديم، من المقرر إزالته منذ عشرات السنين، وما زاد من المشكلة أنني أنهيت خدماتي منذ سنوات عدة، بسبب خطأ في تنفيذ الإجراءات، التي تسببت في استغناء الجهة التي اعمل بها عني.
وعندما تمكنت من الحصول على موافقة للرجوع إلى عملي بعد مرور سنة، حالت الإجراءات دون ذلك، مما جعلني عرضة للسجن في أي وقت، بسبب الديون التي تراكمت علي، ولا أحد من أفراد أسرتي يستطيع مساعدتي، لأنهم جميعا مديونون، فضلا عن والدي الذي يعاني من الشلل الرباعي، بعد تعرضه لحادث سير منذ فترة طويلة.
لذا رضيت بالأمر الواقع، وأنا الآن أعيش في بمنزل والدي في مساحة ضيقة، عبارة عن غرفة وصالة صغيره، وحمام صغير، وممر حولته إلى مطبخ، تسبب في إصابة ثلاثة من أولادي الثمانية، بالربو وضيق التنفس بسبب روائح الطبخ التي تنتشر في الغرفة مع كل وجبة نأكلها، وهناك تقارير طبية تثبت صحة ما أقول، فضلا عن الديون التي تتراكم علي يوما بعد يوم، بسبب عدم قدرتي على سدادها.
وكيف أسددها وأنا لا أجد المصروف اليومي لأولادي، فوالدي شفاه الله كان يعمل ويقوم بمصروف البيت إلى أن تعرض للحادث، الذي عرضنا فعلا لمشكلة كبيرة كونه متزوجا من امرأتين، وقطعت وزارة التربية والتعليم معاشه، لأنه لم ينته من سنوات الخدمة التي تؤهله للحصول على راتب التقاعد، فما كان من جهة عمله إلا أن أعطته حقوق نهاية الخدمة، والبنك بدوره اقتصها لسداد بعض من الديون التي عليه، والنتيجة أن تعرض أولاده الثمانية من زوجته الثانية لظروف لا يعلم بها إلا الله.
ظروف إنسانية
ولا أدري لماذا لم تراع وزارة التربية والتعليم ظروفه الإنسانية وتحيله إلى التقاعد رحمة بأولاده لأن سنوات الخدمة التي قضاها تبلغ 14 سنة وبالتالي تبقى له سنة أو سنتين ليصل إلى سن التقاعد، وعبر سعد عن فرحته بلقاء مندوب «البيان» لعله يوصل صوته للمسؤولين للنظر في حالته هو وأسرته وإخوانه. علما أنه تقدم بطلب للحصول على بيت شعبي منذ سنوات طويلة، وإلى الآن لم يأت نصيبه على حد تعبيره، ويوجه نداء إلى جهة عمله لكي تعيده وتختصر عليه الروتين الذي يقف حائلا أمام عودته إلى عمله، بل ويجعل أمر العودة من المستحيلات.
ويقول أخوه الصغير بدر غبيش 8 سنوات. قبل أن يستسلم للنوم في ركن المجلس الذي يتحول في الليل إلى غرفة للنوم، بلهجة بريئة لا تعي حقيقة ما تعانيه أسرته، ولا يعي ظروف والده الذي أقعدته الإعاقة الرباعية، أتمنى أن يكون لي غرفة وحدي أستطيع اللعب فيها، ولن أترك أحد من أخوتي يلعب بألعابي، ليقاطعه ابن أخيه الصغير أحمد ناصر قائلا لن تجد غرفة وحدك لأن بيتنا صغير وأمي ستعاقبك إذا لم تتركنا نلعب معك.
ويعبر فيصل سعد 7 سنوات عن أمنيته بالانضمام لصفوف لاعبي نادي العين ولكنه يعاني من الربو وبالتالي لا يستطيع الركض وراء الكرة ويقول أتمنى أن يكون بيتنا كبيرا والمطبخ في الخارج لأنني لا أستطيع التنفس عندما تطبخ أمي، وأبي يأخذني إلى المستشفى ويضعون الأكسجين في فمي. أما مسعود سعد 9 سنوات فتنحصر أمنياته في الانتقال إلى بيت أكبر من البيت الذي يسكن فيه، لأنه يتشاجر يوميا مع أبناء جده على حد تعبيره، وأبناء عمه يضربونه باستمرار.
وهنا يتدخل الأب سعد قائلا ثلاثة من أولادي يعانون من الربو بسبب الروائح والدخان، الذي تعج به الغرفة قبل كل وجبه، ناهيك عن مستوياتهم الدراسية فهم دائمو التغيب عن المدرسة إما بسبب المرض أو بسبب السهر لأننا لا نجد الراحة في البيت.
ويضيف أخوه خالد قائلا نحن نستدين من أجل صيانة المنزل أو زيادة الغرف بطرق عشوائية ولي مشوار طويل مع الديون، ففي البداية استدنت من أجل الزواج وعندما لم يكتب لي الاستمرار مع زوجتي الأولى تزوجت بالثانية ولكن بعد عشرة دامت سبع سنوات، زرنا خلالها الكثير من الأطباء، من اجل أن يرزقني الله، منها بأطفال قررت وبموافقتها الزواج بامرأة أخرى، واستدنت مره أخرى لصيانة غرفتي نوم، قمت سابقا بإضافتهما للبيت، بعد أن أصبحت تدخل علينا الأمطار والأتربة، ولولا الديون وظروف عائلتي لتمكنت من استئجار منزل حقيقي أحسن من هذا الذي نسكنه، والذي لا يملك من مقومات البيت غير الاسم فقط.
35 شخصاً ولا يملك بيتاً
أما عبدالله صالح الكربي. فيصف معاناته بمزيد من المرارة والألم، قائلا: عائلتي تتكون من 35 شخصاً ولا أملك بيتاً والبيت الذي اسكنه عبارة عن خمس غرف ومجلس، وديوني انا وأولادي تصل إلى 720 ألف درهم وشبح الاستغناء عني من قبل جهة عملي يتهددني كل يوم.
ويكمل قائلا: لم أستطع أن أساعد أولادي ليكملوا دراستهم، أملا في الحصول على عمل ليساعدوني في تحمل أعباء الحياة، ولكن الأول تزوج وأصبح لديه أسرة يعيلها، والآخر تم الاستغناء عنه بسبب قضيه ألصقت به، وسجن بسببها ثلاث سنوات وعندما خرج من السجن لم يستطع اللحاق بأي عمل برغم أن القضية صارت وهو شاب صغير بدأت بمشاجرة وانتهت باتهامه بأمور لا دخل له فيها، ولكن حكم عليه بالسجن وهو الآن يعاني من الفراغ.
في سن ووقت هو أحوج ما يكون لأن يلتحق بعمل، ورفضت جهة حكومية قبوله لأنه يعاني من الربو بينما رفضت الدوائر الأخرى قبوله بسبب القضية التي تورط فيها. أما المنزل فهو كما رأيتموه لا يصلح لأن يكون سكناً لأنه قديم من ناحية ولصغر حجمه من ناحية أخرى.
ويستطرد: فلك أن تتخيل مدى ما نعانيه في كل لحظة سواء عند النوم، أو الأكل، أو الراحة التي هي شبه معدومة في بيتي، لأن البيت لا يهدأ على الإطلاق فعندما تستيقظ مجموعة، من النوم تتوجه الأخرى إلى النوم، وبالتالي لا يمكن أن تجده هادئا في أي وقت، ويعبر طايع 7 سنوات عن أمنيته بأن يكون لديهم أربعة بيوت.
بالإضافة إلى الموجود لديهم الآن، ليصبحوا خمسة، هي كلمات قالها ببراءة من هم في سنه لا يعون ما يدور حولهم، عندما قال سألعب في نادي العين وأجيب (كوول) واشتري أربعة بيوت، وقد يحقق الله أمنية طايع ويصبح لاعبا مشهورا تفتح له أبواب الاحتراف وقد يتمكن وقتها من شراء أربعة بيوت. وقاطعه محمد تسع سنوات قائلا: أتمنى أن يكون لي سرير وأن أنام فيه لوحدي لا يشاركني به أحد من أخوتي.
فضلا عن المشاجرات التي يعاني منها الأولاد فهي كثيرة ولا تكاد تقف سواء بالليل أو النهار وهم لهذا يحتاجون إلى أحد يتفرغ لسماع شكاواهم، وحلها على الفور، أما الأماني فكما حلم طايع بخمسة بيوت وتمنى محمد سريرا له وحده تمنت فاطمة أن يكون لها عرائس وألعاب تلعب بها، ولا يشاركها فيها أي من أخواتها اللاتي لا يدعنها تهنأ بألعابها. ويقاطعها الأب قائلا أنها فعلا معاناة يعاني منها جميع أفراد العائلة، فلا خصوصية، ولا يستطيع أحد منهم أن يملك شيئاً، ويكون خاصا به، فضلا عن مستوياتهم الدراسية المتدنية، فالجو الدراسي الذي يجب أن يتوفر لهم معدوم تماما لذا نجد مستوياتهم الدراسية سيئة تماما.
40 فرداً في خمس غرف
وفي لقاء مع خميس خلفان جمعة اليحيائي قال: تعال وانظر إلى الغرف، وبدأ يشير إلى غرف بناته، وأولاده، وزوجاتهم قائلا عدد عائلتي يصل إلى 40 فرداً، يسكنون في بيت مكون من 5 غرف و4 حمامات ومطبخ واحد ومجلسين. علما أن غرفة ولدي سعيد وزوجته وأولاده احترقت منذ أسابيع عدة، ولولا أن رحمة الله بنا، لكانت وقعت كارثة لا يعلم إلا الله بحجمها عندما تعرضت الغرفة لحريق غير متوقع.
وأردف قائلا: أنا أعاني من ضغوط شديدة، بسبب حجم البيت وكثرة الأولاد الذين تكثر مطالبهم، ومشاكلهم يوما بعد يوم، وولدي خليفة أنهيت خدماته بسبب إصابته بمرض القلب، في الوقت الذي كان يساعدني على تحمل أعباء نفقته، هو وأولاده، أما الآن فالعبء كله علي.
رغم أن البيت الذي نقيم فيه صغير الحجم مقارنة بعدد العائلة، وبرغم أن لخليفة أربعة أولاد ومقدم على بيت منذ سنوات طويلة إلا أن دوره لم يأت إلى الآن للحصول على بيت شعبي مقارنة بالآخرين، ففي حال حصل على منزل حكومي، يصبح عدد سكان المنزل 32 شخصاً فقط .
وترجع آمنة خميس بالصف الثاني الإعدادي، السبب في رسوبها بمادتين إلى عدم توفر الجو الدراسي في البيت، بسبب الإزعاج والمشاجرات التي تحدث باستمرار في البيت، ما يجعله لا يطاق، ولا يصلح لأن يكون الجو الملائم للدراسة، والتحصيل العلمي.
وكذلك الحال عند عائشة بالصف الخامس التي كان حظها هي الأخرى، وبحسب تعبيرها الحصول على (دويحتين) أي الرسوب في مادتين بسبب ضياع لوازمها وكتبها المدرسية، التي يأخذها إخوانها وأولاد أخوتها ويتلفونها، أما الدراسة فهي لا تستطيع الدراسة، لأنها تقضي يومها إما بالنوم أو المشاجرات مع إخوانها وأخوتها الذين يضايقونها باستمرار.
ويقاطعها خليفة خميس (أب لستة أطفال) قائلا: مقدم على بيت شعبي منذ سنوات طويلة والشروط التي وضعت للحصول على مسكن شعبي تنطبق علي تماما، ولكن للأسف لم أوفق في الحصول على منزل، وما زاد من مشاكلي، أنه تم الاستغناء عن خدماتي، بسبب إصابتي بمرض القلب، في الوقت الذي تمنيت فيه، ولو تم إحالتي إلى التقاعد، تقديرا لظروفي العائلية والصحية، علما أنني لا أود التقاعد على الإطلاق، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة.
العين ـ سليم المستكا:



