تشتد مفاعيل الحروب أكثر ويصبح الخوف أكبر عندما يتعلق الأمر بأقرباء وأصدقاء حوصروا وجاعوا وعاشوا أياما بكاملها تحت النار، كما هو حال اللبنانيين عموما ووالدي المسنين بشكل خاص المحاصرين منذ ثمانية أيام بألسنة اللهب التي تلامس سماء الجنوب، محصنين بالقرآن وجدران المنزل العتيق، يحملان هويتيهما في يد وباليد الأخرى مفاتيح الديار التي طالما ذكرتني بمفاتيح بيوت فلسطين المخبأة في أدراج اللاجئين حتى اليوم رغم مرور السنين واتساع المسافة بين الذاكرة والأرض المغتصبة.
قبل أن ينطفئ آخر مصباح وتختنق آخر نسمة هواء في أجواء قريتي القريبة من مدينة صور رن جرس هاتفي وجاءني من الجهة الأخرى صوت والدي يتوسل إلى بدموع ارتجفت لصداها العميق كي أساعده على الخروج من جحيم الجنوب، قائلا «ليتك لو تنقذينا ليتك لو تستطيعين»،
أقفلت من جهتي السماعة وعاد هو ينتظر أملا من مكان ما عله إعلان مفاجئ بوقف النار، أو ربما سيارة قادمة من بعيد تفلت من مقبرة الجسور وأشلاء الطرقات لتقله مع رفيقة عمره إلى بر آمن. لم أنم طيلة الليل وبعد الفجر بقليل أجريت اتصالات بعدد من سائقي الأجرة في مدينة صور الذين شقوا مسالكهم الوعرة والضيقة في بساتين القرى والسواحل حتى لا يبقى الجنوبيون تحت الأسر والحصار.
وافق محمد عبدالغني أحد السائقين بعد جهد حثيث على القيام بالمهمة الصعبة ولكن بالعملة الصعبة كما قال وبمبلغ 600 دولار أميركي مع أن كلفة الرحلة نفسها في الأيام العادية كانت تصل إلى سبعة دولارات فقط.
أقنعني وشرح لي أن سعر صفيحة الوقود تجاوز ال50 دولارا بدل 15 دولارا وهو ما أكده معظم السائقين، وارتفع سعر بطاقةشحن الهاتف من 30 إلى 60 دولارا. وأكد أن كلفة النقل من صور إلى بيروت أصبحت 400 دولار فكيف الحال إلى قرى ما بعد صور فضلا عن حجم المخاطرة والتعرض لكل الاحتمالات وفي مقدمها الموت. قبلت عرضه لأنني أؤمن أن الروح أغلى من المال واتصلت بوالدي ليعدا نفسيهما..
لم يصدقا أن أحدا سيتمكن من العبور واختراق ركام القرى. شغلت نفسي بكتابة أحد تقارير الحرب ريثما تنقضي ساعات الانتظار ويصل والداي سالمين. مرت ساعة وتلتها أخرى ثم ثالثة وأنا أترقب الأخبار إلى أن رن هاتفي فسارعت لأسمع صوت أبي،
لكنني فوجئت بضجيج وصخب شاب يقول لي إن السائق أصيب في غارة جوية على طريق بلدة العباسية قرب صور عندما استهدفت سيارته إحدى الطائرات وهو يتلقى العلاج في المستشفى وقد طلب منه الاتصال بي وإبلاغي بالأمر. انتابتني مشاعر خوف وحزن على السائق وعلى والدي.. وفكرت كثيرا قبل أن أمسك الهاتف مجددا وأخبر أبي أن كابوس الطائرات الهمجية سيرافقه هذه الليلة أيضا وحتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
تلعثمت الكلمات في فم العجوز وهو يحاول أن يطمئن على حياة السائق .وقبل أن أفقد معه الاتصال على أثر غارة جوية مفاجئة على خطوط الهاتف الثابت قال جملة أخيرة مجبولة باليأس :« سنسلم أمرنا لله» ، رأيت بعدها في شريط الأخبار العاجل نبأ يفيد بتعرض بلدتي للقصف.
وبعد الاطمئنان على حال الجميع عبر اتصال على خلوي مختار البلدة اتصلت مجددا بالسائق لأطمئن على صحته وكان قد استفاق نسبيا من الصدمة وسكنت أوجاعه فتحدث إلي بصوت خافت عن رحلة كادت أن تكون الأخيرة في عمره. قال :«لم أترك طريقا إلا وسلكتها لأعود بوالديك المسنين ..
أخذت طريق البرج الشمالي التي تربط صور بالقرى فكانت مقفلة بالركام ثم تحولت إلى بلدة معركة فكانت مسدودة من كل الجهات ثم تحولت نحو طريق العباسية ـ صور وما هي إلا دقائق حتى سقط صاروخ على بعد نحو عشرين مترا مني.. ارتفعت السيارة عن الأرض عدة أمتار، أحنيت رأسي إلى أسفل المقود وغطيت وجهي بيدي،
انهمر الزجاج المهشم من كل الجهات ثم رفعت رأسي الثقيل وشاهدت دخانا كثيفا على مقربة مني.. لم أعرف كيف أدرت السيارة بدواليبها الممزقة من حدة الشظايا وعدت أدراجي والدماء تغطي وجهي حتى وصلت إلى منطقة البص وسط صور فتلقفني الشباب وتولوا نقلي إلى المستشفى مباشرة».
واضاف السائق: «أول ما خطر لي والداك وتذكرت والدي أيضا وخوفهما الدائم ودعاءهما المستمر لي.. فكرت بعد أن بدأت أتعافى قليلا أنني لن أتخاذل عن مساعدة أهلي في الجنوب لأن حياتي ليست أغلى من المقاومين الأبطال الذين حرروا الأرض والأسرى والكرامة من براثن الاحتلال..
أرادوا إرهابنا من مشاهد الجسور المدمرة والبيوت المكومة على رؤوس ساكنيها لكننا فتحنا كوة في كل طريق لنواصل المسير ورسمنا بدمنا حريتنا حتى لا نبقى تحت الحصار الذي أراده عدونا سجنا لنا». تمنيت له الشفاء العاجل وبدأت السعي مجددا لإخراجهم من المنطقة المشتعلة، بعد أن صار متعذرا مكالمة المحاصرين حتى عبر الهاتف.
بالأمس فوجئت بصوت أبي يأتيني من مفتاح هاتف بيروت. فرحت بسلامته مع والدتي، وبعد الكلام والاطمئنان حدثني عن الأيام القاسية في الجنوب من دون ماء وكهرباء وطعام ودواء، وأكد لي ـ وهو الذي عاش معظم الحروب والاجتياحات ـ أن ما يميز هذا العدوان عن غيره هو كمية الغارات ونوعية الأسلحة القاتلة والمسممة كالفوسفورية وغيرها.
وأوضح أن كل من يخرج من الحصار تصدمه مشاهد الدمار ويترحم على أيام لبنان، موضحا أن الطريق من الجنوب حتى مدينة صيدا محفوف بالخطر فكل النازحين يرفعون الرايات البيضاء على سياراتهم ورغم ذلك يتعرضون للقصف.. وتسلك معظم السيارات طريقا التفافيا طويلا يستلزم نحو خمس ساعات حتى تصل إلى بيروت يبدأ من منطقة جزين مرورا بإقليم الخروب وصولا إلى منطقة بحمدون ثم بيروت. ولفت إلى أن عدد النازحين كان كبيرا رغم خطورة الطرقات واستشهاد معظم المواطنين في سياراتهم لكن العدوان قاس ومقومات الصمود معدومة.
بيروت ـ ثناء عطوي: