أغلق الرئيس الأميركي جورج بوش الباب أمام مبادرات الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وفرنسا لإعلان هدنة ووقف فوري للعدوان الإسرائيلي على لبنان، وأعطى إسرائيل (شيكاً على بياض) لإكمال عملية تدمير و«طحن» حزب الله وإلغائه من المعادلة السياسية اللبنانية والإقليمية. كما اعتبرت وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس التي ستصل المنطقة غداً أن أي وقف لإطلاق النار حالياً يعتبر وعداً كاذباً، مرجحة عدم مشاركة قوات برية أميركية في أي قوة دولية، ووصفت العدوان الإسرائيلي بأنه آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد.

وبعد مرور عشرة أيام على العدوان الذي تركز أمس على بعلبك طلبت إسرائيل من المدنيين اللبنانيين مغادرة مساكنهم حتى3 كيلومترات من الحدود، واستدعت قوات الاحتياط وقررت نشر أربع فرق على الحدود اللبنانية في مؤشر لاحتمال الاجتياح البري، ولمواجهة المقاومة العنيفة التي يبديها حزب الله ونجاح مقاتليه في قتل ستة جنود، وتدمير آليات ودبابات، وإحباط محاولات توغل، فضلاً عن استمرار قصف مستوطنات الشمال وحيفا بالصواريخ التي أوقعت 30 جريحاً كما اصرت المقاومة على ضرورة تبادل الأسرى .

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن إدارة بوش لا تنظر إلى العنف الحالي في الشرق الأوسط على أنه أزمة يجب استيعابها، بل تعتبره فرصة لتغيير الأمر الواقع الذي يتيح «لميليشيا مسلحة» أن تمتلك سلاحاً يهدد إسرائيل. ولفتت إلى أن الإدارات الأميركية السابقة كانت تسارع إلى بذل جهد دبلوماسي لاحتواء العمليات العدائية استناداً إلى قناعة بضرورة عدم تصاعدها واتساعها.

لكن البيت الأبيض تفادى هذا الأسبوع الإشارة إلى أي ضيق من إسرائيل، رغم تنامي الطلب الدولي بهذا الصدد، مع التشديد على رغبته في الحد من الإصابات في صفوف المدنيين. ولفتت «واشنطن بوست» إلى أن إدارة بوش حريصة على إنزال إسرائيل أقصى قدر من الأضرار في صفوف حزب الله أو تحديداً «طحن الحزب» والقضاء على قدراته. ويعكس الموقف الأميركي اقتناع بوش المتزايد بمركزية دور إسرائيل في الحملة الموسعة على الإرهاب.

وترى إدارة بوش أن النزاع الجديد «ليس مجرد أزمة يجب استيعابها. بل هي فرصة لتحجيم تهديد كبير في المنطقة، تماماً كما يفعل بوش في العراق». وتأمل إدارة بوش، وفق الصحيفة، في أن يؤدي «نجاح إسرائيل في »طحن» حزب الله إلى إتمام العمل المطلوب لقيام ديمقراطية فاعلة في لبنان وتوجيه رسائل قوية إلى سوريا وإيران».

وقال مستشار البيت الأبيض دان بارليت إن بوش «يعتقد أنه ما لم تتم معالجة جذور العنف الذي ابتلي به الشرق الأوسط، لا يمكن إقامة سلام دائم».. بالتزامن مع قول مسؤول رفيع سابق في الإدارة إن بوش «يباشر دوراً طويل الأمد يختلف عما يطالب به التكتيكيون» من وقف لإطلاق النار، في إشارة إلى المسؤولين الأوروبيين وأمين عام الأمم المتحدة.

وتعزيزاً لسياسة «طحن» حزب الله وصفت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس امس الحرب الدائرة في لبنان بأنها «آلام مخاض لولادة شرق اوسط جديد». وقالت ان من المرجح الا تشارك قوات برية اميركية في اي قوة دولية موسعة لحفظ السلام في جنوب لبنان. وقالت رايس انها لا تعتقد ان اي قوات برية اميركية ستشارك في مثل هذه القوة. واضافت ان اي قوة دولية سيتعين ان تكون «قوية».

واعلنت رايس خلال مؤتمر صحافي انها ستبدأ غدا الاحد تحركا للقاء الزعماء الاسرائيليين والفلسطينيين ولاجراء محادثات دولية في ايطاليا حول الازمة في الشرق الاوسط. وصرحت رايس للصحافيين «سألتقي رئيس الوزراء (الاسرائيلي) ايهود اولمرت وحكومته والرئيس (الفلسطيني) محمود عباس وفريقه». واضافت «وسأتوجه كذلك الى روما حيث سألتقي المجموعة الخاصة بلبنان»، مضيفة ان اعضاء المجموعة «يمثلون مجموعة اتصال رئيسية يمكن ان تساعد الحكومة اللبنانية على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والامنية التي تواجهها».

وجددت رايس رفضها تأييد دعوات الامم المتحدة واوروبا والعديد من الدول العربية لوقف فوري لاطلاق النار بين اسرائيل وحزب الله. واوضحت ان «وقف اطلاق النار سيكون بمثابة وعد كاذب اذا اعادنا الى الوضع السابق». وقالت ان مثل هذه الخطوة ستسمح «للارهابيين بشن هجمات في الوقت والظروف التي يختارونها وبتهديد حياة الابرياء من عرب واسرائيليين في المنطقة».

واضافت ان ذلك «سيكون ضمانا لعنف مستقبلي. وبدلا من ذلك يجب ان نكون اكثر فعالية وطموحا. ويجب ان نعمل بشكل عاجل على ايجاد ظروف للاستقرار والسلام الدائم». واضافت «ان الهدف من زيارتي هو العمل مع شركائنا للمساعدة على ايجاد ظروف تؤدي الى نهاية دائمة ومستمرة للعنف».

غير انها حذرت من انه لن تكون هناك اجابات سهلة وحلول سريعة لازمة الشرق الاوسط. واوضحت «اتوقع ان يكون العمل الدبلوماسي من اجل السلام صعبا». وجاءت تصريحات الوزيرة الاميركية بعد عودتها من نيويورك حيث التقت فريق الامم المتحدة الذي عاد من المنطقة المضطربة. وقالت انها على اتصال «مستمر» مع القادة في لبنان واسرائيل. واضافت «اعتقد اننا بدأنا نرى خطوطا لاطار سياسي يمكن ان يسمح لنا بوقف العنف بطريقة دائمة اكثر».

واضافت ان«العناصر تصبح اكثر وضوحا»، واشترطت إسرائيل في إطار رفضها خطة عنان نزع أسلحة حزب الله نهائياً . فيما برز طرح جديد عبر عنه السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا أن هناك حاجة لقوات تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) وليست قوات حفظ سلام دولية في جنوب لبنان لنزع أسلحة عناصر حزب الله.

وفي موازاة الموقف الأميركي، كان هناك موقف أوروبي أكثر عقلانية عبر عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي طلب من الاتحاد الأوروبي منح الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد خافيير سولانا «تفويضاً وسلطة» العمل من أجل توفير الظروف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، في وقت اتهمت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال اليو ماري الولايات المتحدة بأنها «لا تريد التوصل على الفور إلى وقف لإطلاق النار في لبنان... هذا ما يعرقل عمل مجلس الأمن الدولي».

ميدانياً، أوقع مقاتلو حزب الله خسائر في صفوف القوات الإسرائيلية خلال معارك عنيفة مازالت مستمرة في قرى الجنوب، وفقد الإسرائيليون ستة جنود قتلى في منطقة مارون الرأس، بينما فقد آخر، إضافة إلى مصرع طيار وسبعة آخرين وإصابة 18 في تصادم مروحيتين. كما أمطرت المقاومة حيفا ومستوطنات الشمال بالصواريخ، وسقط 30 جريحاً في حيفا وحدها.

إزاء هذا الوضع استدعى الجيش الإسرائيلي الاحتياط وأعلن عن حشد ما بين ثلاثة وأربعة فرق على الحدود مع لبنان في غضون 48 ساعة. إلى ذلك، أسقطت طائرات إسرائيلية منشورات على جنوب لبنان تحذر فيها المدنيين وتطلب منهم مغادرة القرى الواقعة على الحدود والفرار إلى شمالي نهر الليطاني (على بعد حوالي 30 كيلومتراً من الحدود) للإفلات من الهجمات.

بيروت ـ علي بردى:

واشنطن ـ محمد صادق:

عواصم ـ وكالات :