أزمة السكن مشكلة قائمة وقد استفحلت في معظم مناطق الدولة، هنا مساكن انتهى عمرها الافتراضي وما زال أهلها يعيشون تحت سقفها والخوف يعتريهم، ومساكن أخرى من المفروض أن تتسع فقط لعائلة لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة، لكنها تؤوي أكثر من أربع عائلات يزيد عدد أفرادها على عشرين شخصاً! عائلات مواطنة تعيش بقلق، وأخرى غير مستقرة،
ومشكلات عدة تترتب على عدم توفر السكن المناسب لحياة طبيعية! في سلسلة التحقيقات التالية رصدت «البيان» حالات من الأسر التي تعاني من هذه الأزمة، وهذه الحالات تمكن الزملاء من الوصول إليها ورصد همومها، في حين أن أسراً أخرى آثرت الصمت، وعائلات لم يتم التواصل معها وما أكثرها.
هذه الأزمة قائمة رغم وجود برنامج زايد للإسكان، وبرنامج تمويل الإسكان الخاص بإمارة دبي، ومشاريع أخرى في الإمارات هدفها توفير السكن المناسب للمواطنين، سواء بتوفير الأراضي أو القروض أو المنح وغير ذلك!
رغم وجود جميع هذه المشاريع، إلا أن الأزمة قائمة، وهنا تطرح تساؤلات عدة أبرزها: هل يوجد تقصير من برنامج زايد للإسكان؟ أم أن الميزانية المخصصة لا تتناسب مع عدد الطلبات؟ أو أن النمو السكاني أكبر من حجم البرنامج والمشاريع المقامة؟
«البيان» تطرق المشكلة وتعرض آراء المتضررين وتكشف حقيقة المأساة التي تعيشها تلك الأسر على أمل الحصول على مسكن مناسب. ويبقى الحل بيد أصحاب القرار ليعيد البسمة لهؤلاء المواطنين الذين عانوا طويلاً بانتظار حلم واحد هو المسكن.
مضى عام تقريبا وما زال أهالي إمارة الفجيرة ينتظرون تنفيذ المكرمة التي أمر بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله لهم بتخصيص 200 مليون درهم لصيانة وتوسعة مساكنهم الشعبية، فما زال المواطنون يقطنون في بيوت قديمة بعضها بني قبل 30 عاماً ولم تعد تجدي الصيانة التي تتم باستمرار على البيت، في الوقت الذي تعانيه لجنة الشيخ زايد للإسكان بالفجيرة من ضعف الميزانية المخصصة،
فقد أشارت مصادر مطلعة إلى أن الميزانية المخصصة لإمارة الفجيرة تبلغ 80 مليون درهم، وهذا المبلغ لا يكفي لتلبية كل طلبات المواطنين سواء كانت في الحصول على قرض لبناء مسكن للذين يتجاوز راتبهم الشهري 10 آلاف درهم، أو منحة لمن يقل راتبهم الشهري عن ذلك، حيث تراكمت طلبات المواطنين للحصول على قرض من عام 1992 لغاية العام 2002 لتصل إلى 1835 طلبا،
تم تلبية 65 طلبا منها في عام 2005، ومن هؤلاء المتقدمين للحصول على سكن عبدالله علي خلفان واحمد علي ربيعة وسالم عبدالله وهؤلاء يشكلون نموذجا لعشرات المواطنين الذين يحتاجون إلى بيت جديد جراء الظروف الصعبة التي يعيشونها في بيوتهم الحالية.
قال عبدالله علي خلفان من إمارة الفجيرة إن البيت الذي يعيش به وأسرته والمكونة من 23 شخصا أصبح قديما ومتهالكا فلم تفلح كل أعمال الصيانة التي قام بها والتي كلفته مبالغ طائلة لا تقل عن 120 ألف درهم، سددها من خلال قروض بنكية وهو متقاعد منذ سنوات، ولا يفي راتبه بحاجة الأسرة الأساسية،
فضلاً عن أن البيت أصبح ضيقاً ولا يستوعب أفراد أسرته، مشيراً إلى أنه تقدم للحصول على مسكن آخر منذ العام 1989 وما زال ينتظر، كما تقدم ولده «علي» الذي يقيم معه بالبيت نفسه ومتزوج ولديه طفلان بطلب مماثل منذ العام 2000 وكذلك ولده «حميد» المتزوج أيضاً والذي تقدم للحصول على مسكن شعبي منذ العام 2003، لكن لم تتم تلبية أي من الطلبات حتى الآن بالرغم من الحاجة الشديدة إلى مسكن آخر.
وأضاف خلفان انه اضطر إلى تأجيل زواج 4 من أبنائه الذين تجاوزت أعمارهم 23 عاما هم (خالد وعدنان ووليد وعادل) لعدم وجود غرف كافية تؤيهم، موضحا أن الغرف الموجودة ضيقة أصلاً، ولا تتسع لأكثر من شخصين ومع ذلك ينام في الغرفة الواحدة ثلاثة وأحياناً أربعة من أبنائه،
حيث يضطرون إلى وضع الفراش في أية فسحة ليناموا فيها، وتم استغلال كل الغرف الموجودة لينام بها أبناؤه، بما في ذلك المطبخ، كما تم تحويل أحد الممرات المكشوفة إلى مطبخ حيث تقوم ربة المنزل بطهي الطعام به وهو معرض للرياح والمطر لذلك تجد معاناة كبيرة في طهي الطعام في جميع الفصول ففي فصل الصيف لا تستطيع الوقوف لبضعة دقائق بسبب شدة الحرارة، أما في فصل الشتاء وعند نزول المطر فيحول المطبخ إلى بركة ماء ولا تستطيع عندها طهي الطعام على الإطلاق.
أما ابنه «فهد» الطالب في المرحلة الإعدادية فيقول: إن البيت ضيق ومكتظ لدرجة انه لا يجد متسعاً للدراسة، فمعظم الأوقات يذاكر مع إخوته في حجرة النوم أو المجلس، ما يؤثر على تركيزه واستيعابه للدروس بسبب الإزعاج الذي يتفاقم في فصل الصيف عند تشغيل المكيفات لأنها قديمة وتصدر صوتاً مزعجاً لا طاقة له بتحمله.
وقالت مريم البنت الصغرى بعفوية الطفولة إن البيت صغير ولا مكان نلعب به، كما أن باحة البيت مكشوفة فلا نستطيع تحمل حرارة الصيف وبرد الشتاء وعادة ما نبقى مأسورين في حجرنا الضيقة طوال النهار، لذلك أحلم ببيت أوسع فيه الكثير من اللعب لنلعب بها مع شقيقاتي.
14 شخصاً في غرفتين
وفي لقاء مع أحمد عبدالله ربيعة قال: إن بيته أشبه بالخرابة وان لديه ما يثبت ذلك، حيث أنه يملك وثيقة من بلدية الفجيرة تفيد بأن بيته المكون من غرفتين لم يعد يصلح للسكن لوجود العديد من التشققات بالأسقف والجدران، وتآكل حديد تسليح السقف وانه يحتاج إلى صيانة كاملة، وذلك منذ عام 2004 وانه مع ذلك لم تجر له أية أعمال صيانة.
وأوضح انه تقدم بطلب للحصول على مسكن شعبي يفي بحاجة الأسرة منذ العام 1987 لكنه لم يقبل طلبه حتى الآن، مشيراً إلى أن البيت بات يشكل خطورة على الأسرة، وأبناؤه يترقبون بقلق الوضع الذي آل إليه البيت وينامون وعيونهم على السقف خوفاً من أن يسقط في أية لحظة.
وأضاف انه متقاعد منذ سنوات ويحصل على 5 آلاف درهم، لا تكاد تكفي لشراء الحاجات الأساسية، وخاصة مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، ومع ذلك حاول ان يحصل من البلدية على اسمنت ليقوم هو بنفسه بإجراء الصيانة اللازمة على البيت وبناء غرف إضافية لكن لم تتم الموافقة على ذلك، مشيراً إلى أن الغرفة الواحدة ينام فيها 7 من أبنائه وبناته بظروف صعبة يصعب تحملها، وخاصة عند عودة بناته الأربع اللواتي يدرسن في جامعة الإمارات عند نهاية كل أسبوع.
وألمح ربيعة إلى أن خير الدولة قد عم كل أنحاء العالم ويدها البيضاء ممدودة لكل محتاج، مطالبا الجهات المعنية بتوفير المسكن الملائم للأسرة المواطنة، مستغربا التلكؤ بتنفيذ مكرمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة للفجيرة بصيانة المساكن الشعبية وتوسيعها من أجل حياة كريمة ومستقرة لها.
السقف من «الاسبستوس»
وفي لقاء مع سالم علي عبدالله قال: إن بيته أكل عليه الدهر وشرب فهو قديم ومتهالك وضيق ولا يفي بحاجة الأسرة ومكون من ثلاث حجرات ولا تكفي لأفراد أسرته وعددها 15 شخصاً، مشيراً إلى أنه اضطر إلى استئجار منزل لأحد أبنائه المتزوجين لعدم وجود متسع داخل البيت.
وأضاف عبدالله انه في فصل الشتاء يبدأ يساورهم القلق والرعب من سقوط المطر فسقف البيت من «الاسبستوس» وتخر منه المياه فور سقوط المطر، ما لا يسمح لهم النوم به لشدة خطورته عليهم فينامون في خيمة ينصبونها في باحة البيت لأنها تصبح آمنة للأسرة من سقف البيت، مشيرا إلى أنهم يقفون مكتوفي الأيدي أمام سقوط المطر على الأثاث والتي أدت إلى تلف أجزاء عدة منه.
وتقول إحدى بناته الصغيرات وتدعى فاطمة لا أجد مكانا ألعب به كباقي الأطفال، فبيتنا ضيق ومكتظ، كما أنني أشعر بالرعب والخوف الشديدين من المطر فهو يصدر صوتاً مزعجاً يحرمني من النوم كلما تسقط علينا المياه من كل مكان لذلك ننام في الخيمة التي تقع بجانب البيت.
فرح وخوف!
وفي المناطق النائية بالفجيرة تضيق بأفراد عائلتها الذي يبلغ متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة 15 فرداً، ورغم النداءات من قبل الأهالي بضرورة انتشالهم من البيوت التي انتهى عمرها الافتراضي، وباتت تهدد أرواح قاطنيها باحتمالية سقوطها في أية لحظة، إلا أنهم متمسكون بالأمل في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،
وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظهما الله، وبما أن المناطق الشرقية تشهد باستمرار نعمة الأمطار الغزيرة في موسم الشتاء الذي يؤدي إلى جريان الأودية والشعاب الجبلية، فإن قاطني المنازل المتهالكة يعيشون الخوف والرعب رغم الفرحة الغامرة بسقوط أمطار الخير عليهم إلا أنها تزيد من خطورة الوضع بسبب التشققات التي تملأ الجدران وأسقف المنزل التي لا تستطيع مقاومة كميات المطر المتساقطة التي تتخلل الشقوق لتبلل أثاث المنزل وتمنعهم من النوم،
وما زال أهالي المنطقة ينتظرون فرصة خلاصهم بمنحهم الأمان والاستقرار من خلال منزل شعبي جديد يلم أفراد الأسرة. فلقد أثقلت كاهلهم القروض والسلفيات التي باتت تؤرق نومهم بفوائدها المتنامية التي تقضي هي الأخرى على استقرار وأمن العائلة، ناهيك عن موجة الأسعار المشتعلة التي أصبح تصاعدها أمرا طبيعيا لغياب أجهزة الرقابة وحماية المستهلك.
18 فرداً داخل المنزل
يقول علي علوان من منطقة البدية إنه يعيش في منزله منذ 25 سنة ويضم 18 فرداً من عائلته في منزل بني على نفقة المرحوم الشيخ راشد بن سعيد طيب الله ثراه المكون من غرفتين وصالة وبعض الملاحق التي تم بناؤها بواسطة قروض بنكية لتوفير بعض الغرف الإضافية وهو يتقاضى راتب تقاعد قدره خمسة آلاف درهم معظمه يذهب لتسديد سلفية قدرها 180 ألف درهم وذلك في سبيل الحصول على الأمان وإن كان مؤقتاً بواسطة الترميمات والإصلاحات،
حيث قدم طلب منزل في الإسكان في العام 1995 ولغاية الآن لم يحصل عليه، مشيراً إلى أن منزله بات لا يتسع لعائلته المتراصة في منزل استغلت فيه جميع المساحات لتوفير غرف إضافية لباقي أفراد العائلة. واستنفدت عمليات الترميم والصيانة والبناء جميع أمواله،
مضيفاً انه مل التحدث في الأمر الذي يشعره بالعوز والحاجة ويصعب عليه شرح الحالة التي تفقده الأمل وتشغل باله طوال اليوم متسائلاً إلى متى سيتحملهم هذا البيت العتيد، التي باتت علامات الشيخوخة واضحة عليه؟ وهل سيعيش ليرى نور بيته الجديد؟
فهو مسلسل لم تحدد نهايته وواقع مؤلم يحتاج إلى سرعة تنفيذ وأولوية تنتشل هذه الأرواح من خطر سقوط تلك المنازل المتهالكة، ويتمنى علي مبارك علوان أن يرى بصيص نور بنيان منازل شعبية لجميع مواطني البدية الذين ما زالوا ينتظرون ضمن طابور طويل للشعور بسقف آمن وسط دولة العطاء والخير دولة الإمارات العربية المتحدة،
ويتمنى أن ينال أبناؤه الحرية في اللعب وأن تنال بناته الخصوصية، وأن يشعروا بالهدوء وسط منزل لا يمثل لهم سرداباً قديماً مخفي المعالم ضيق الطرق لا يوجد به متنفس، والأمر الذي يزيد من سوء الوضع هو وجود عمود كهربائي ذو تيار عالٍ أمام المنزل الذي يهدد حياته وحياة أبنائه وتجاهله من قبل الجهة المعنية بعد شكاوى كثيرة.
ويضيف ابنه انه يفتقد إلى طفولته داخل المنزل الضيق الذي يخلو من المساحة التي تمنحه فسحة للعب والجري والشعور بالحرية مما يجعله يفرغ طاقاته في اللعب داخل المنزل والذي يعرضه في معظم الأوقات إلى التوبيخ من قبل أهله بسبب الإزعاج وتخريب بعض محتويات المنزل الأمر الذي يدفعه إلى الخروج إلى خارج المنزل واللعب مع أصدقائه كرة القدم فهو متنفسه الوحيد لعدم وجود أندية اجتماعية أو حدائق يستطيع اللعب فيها بأمان، ومن أمنياته أن يحصل والده على منزل بمساحة كبيرة يستطيع أن يلعب فيها هو وأخوته دون الشعور بالخوف.
عمر المنزل 30 عاماً
أما الوالد راشد محمد العبدولي فيعيش في منزله منذ 30 سنة الذي يضم عدد أفراد أسرته البالغين 27 فرداً مقسمين إلى أربع عائلات في بيت لا يكاد يسعهم إلا أن ظروفهم تجبرهم على قبول الواقع المرير الذي يضعهم في بيت منتهي الصلاحية وآيل للسقوط، ورغم نداءات الوالد راشد بمنحه سكناً جديداً هو وأبناؤه لكي يشعروا بخصوصيتهم العائلية ولكي يشعروا باستقرارهم،
ورغم الديون التي أثقلت كاهله ما زال يناضل من أجل البقاء بمصروف لا يتعدى الـ 2500 درهم، ويعيل عشرة أشخاص بما فيها مصاريف الدراسة والمأكل والملبس والعلاج التي تتطاير في بداية الشهر لتبدأ معاناة الدين والأخذ على الحساب من هنا وهناك لتغطية احتياجات ومتطلبات المنزل.
ويشير الوالد إلى أن الأمل موجود بوجود قيادة حكيمة للدولة تسعى لراحة أفراد الشعب، ولكنه يضع اللوم على الإجراءات الروتينية التي تخاطر بحياة العديد من الأرواح البشرية المتطلعة إلى تنفيذ وإقامة سكنات جديدة تمنح الأمان والراحة لأصحابها الذين عانوا بالعيش في منازل هالكة لا تستطيع أصباغ العالم أن تغطي عمرها الزمني الذي يصرخ من خلال التشققات الكبيرة التي تملأ أرجاء المنزل وتعلن نهايته،
فالانتظار صعب عندما نكون على شفى حفرة والوسيلة في إنقاذنا تحتاج إلى مشاورات وإجراءات طويلة وإلى جدول تسلسلي في حين أن من المفترض تخليص الناس من معاناتهم في المنازل المتهالكة دفعة واحدة بحكم النداءات والصرخات التي بواسطتها ننادي لانتشالنا قبل أن يجرفنا طوفان السلفيات التي قضت على مرتباتنا في سبيل الترميمات المفاجئة التي تصاحب سقوط الأسقف وتسرب المياه وتلف الأنابيب وتشقق الجدران وغيرها الكثير الذي يضعنا في دائرة الضائقة المالية بصورة مستمرة.
تحقيق: فراس العويسي ـ عائشة الكعبي
