بعد أن استكمل الرسول الرضاع، وبلغ حوالي الرابعة من العمر عادت به حليمة رضي الله عنها ـ إلى أمة ـ آمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله: بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به ومعه أم أيمن، تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهراً.
ثم رجعت به إلى مكة، فلما كانت بالإيواء توفيت، ودفنت هناك ولم ينس الرسول صلى الله عليه وسلم - المكان الذي دفنت فيه أمه، فلما مر في عمره الحديبية بالإيواء قال: « إن الله قد أذن لي في زيارة قبر أمي ». ثم أتاه فأصلحه وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له، فقال: أدركني رحمتها فبكيت. ورجعت به أم أيمن على البعيرين اللذين كانا معهما.
واستمرت أم أيمن تحضنه بعد وفاة أمه، وعندما وصل مكة قبضه إليه جده عبدالمطلب وضمه، ورق عليه رقه لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه، ويدنيه ويدخل عليه إذا خلا، وإذا نام، وكان الرسول يجلس على فراش جده، فيريدون منعه، فيقول عبدالمطلب حينما يرى ذلك «دعوا ابني، إنه ليؤنس ملكاً» . ورآه مرة عبدالمطلب بعيداً عن رعاية أم أيمن فقال لها : « يا بركة، لا تغفلي عن ابني، فإني وجدته مع غلمان قريباً من السدرة، وإن أهل الكتاب، يزعمون : أن ابني هذا نبي هذه الأمة.
ولما توفي عبدالمطلب قبض أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان يكون معه وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبه حباً شديداً لا يحبه لولده. وكان لا ينام إلا في جنبه، ويخرج فيخرج معه. وصبا به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط، وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا، فكان إذا أراد أن يغذيهم قال : كما أنتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيأكل معهم. فكان يفضل من طعامهم وإن لم يكن معهم لم يشبعوا. فيقول أبو طالب: « إنك لمبارك».
واستمر أبو طالب في رعاية الرسول صلوات الله عليه. لم يسلمه قط. ولم يخذله إلى أن توفي للنصف من شوال في السنة العاشرة، حين نبيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ: ابن بضع وثمانين سنة.
ومن الأمثلة المشهورة عن رسول الله قضاؤه صلى الله عليه وسلم في الخلاف الذي كان بين قريش بشأن وضع الحجر الأسود فإنه حينما انتهوا في بناء الكعبة إلى حيث يوضع الركن من البيت قالت كل قبيلة: نحن أحق بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أول من يدخل من باب بني شيبة، فيكون هو الذي يقضي بينهم وقالوا .
رضينا وسلمنا بذلك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من دخل من باب بني شيبة، فلما رأوه قالوا : هذا هو الأمين، قد رضينا بما قضى بيننا، ثم أخبروه الخبر فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه وبسطه على الأرض، ثم وضع الركن فيه، ثم قال .
ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، فكان فى ربع بني عبد مناف عتبة بن ربيعة وكان في الربع الثاني أبو زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة ابن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عدي ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، فرفعوه، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في موضعه ذلك.
وفى سن الخامسة والعشرين تم زواجه صلوات الله عليه، وقالت نفيسة بنت منية « كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهى يومئذ أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً. وكل قومها كان حريصاً على الزواج منها لو قدر على ذلك، ولقد طلبوها، وبذلوا لها الأموال فأرسلتني دسيساً إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت:يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟
فقال: ما بيدي أن أتزوج به فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال. « فمن هي !» قلت : خديجة، قال : « وكيف لي بذلك؟» قالت : علي قال: « فأنا أفعل»، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه: ان اتت ساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمها فحضر وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة، ولدت قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة.
وفي ظل الحياة الزوجية عاش صلوات الله عليه عيشة هادئة وديعة، فيسر الله له بذلك ما كان يشغل به نفسه من العبادة والتقوى وهكذا نشأ صلى الله عليه وسلم طاهر النفس. كريم الخلق، مجانباً للمذمومات، مجانباً للرجس. لقد سارت به الحياة نقية طاهرة ولقد تمثل فيه الشباب النضج الكامل والرجولة الرشيدة. لقد كان صادقاً في حديثه، عطوفاً على من حوله، معيناً للضعفاء، يكتسب ثقة كل من يخالطه.
ولكل ذلك أحبته السيدة خديجة رضوان الله عليها، ولكنها رضي الله عنها - أحبته لشيء آخر هو السمو الروحي، وهو العزوف عن اللذائذ المادية الفاشية، والاتجاه إلى الخالد من معالي الأمور. إن عناية الله رافقته ولاحظته ووجهته فكان خيراً زكياً وكان أمةً وحده وسط هذا الضلال الديني والأخلاقي الذي كان يملأ على رجال مكة جميع أقطارهم .
لقد كان صلى الله عليه وسلم أميناً على نفسه : فلم يسلمها إلى مهاوي الشرك أو الشهوة أو الرجس وكان أميناً على الناس: فلم ينهك عرضاً، ولم يوقع بعض الناس في بعض بالنميمة، ولم يغتب. وكان أميناً على الحديث إذا تحدث: فلا كذب، ولا مغالاة. وكان أميناً على الأسرار. فلم يفشها، ولم يذعها.
إنه الأمين .. أجمع عليها القرشيون وقالوها حينما اختلفوا في رفع الحجر الأسود ووضعه في الكعبة وأوشكت الحرب أن تقع بينهم ثم استقر رأيهم على الاحتكام لأول داخل عليهم فغمرتهم الفرحة حينما رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم وصاحوا : إنه « الأمين» رضينا إنه محمد! ولقد حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحدث فيه، أي «يتعبد» الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها.
كان صلوات الله وسلامه عليه يغادر مكة المنغمسة في الضلال، ليعتكف في غار حراء متعبداً حتى قالت العرب: « إن محمداً قد عشق ربه». ويلجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله يستغيث به. ويستعيذه ويرجوه ويلح في الرجاء ويتذلل، ويطلب منه الرحمة له ولقومه.
وتمضي الأيام وهو في كفاح المستميت، وجهاد المستبسل، يتوجه إلى الله في الصباح، ويتوجه إليه في الظهر، ويتوجه إليه في الآصال، ويتوجه إليه في مغيب الشمس، ويتوجه إليه حينما تلمع الكواكب. إنه مهاجر إلى الله في كل لحظة، وفي كل نفس من أنفاسه، وفي كل طرفة عين، وفي كل نبضة قلب، وفي همسة من همسات الضمير.
لقد جاءه الحق، وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: ( اقرأ).
قال: ( ما أنا بقارئ).
قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: (اقرأ).
قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني قال: (اقرأ).
فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة. ثم أرسلني، فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم) العلق/1-3 .
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني فزملوه، حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: « لقد خشيت على نفسي» فقالت خديجة.
« كلا، والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق».
إعداد : رجاء علي