في أعقاب الهجوم على العرب والمسلمين الذي تضمنه قاموس «وبستر» الذي وصف العرب بأنهم متشردون ومتسولون وأساء للإسلام والمسلمين دعا علماء الأزهر إلى ضرورة إصدار دائرة معارف إسلامية يتم تحريرها على أيدي علماء مسلمين للرد على ما تضمنته دوائر المعارف والقواميس التي أعدها مستشرقون من إساءة للإسلام والمسلمين.

يذكر أن دائرة المعارف الإسلامية التي أعدها الغربيون تتضمن أخطاءً عن الإسلام وعن القرآن الكريم وعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعضها يرجع إلى عدم الفهم والجهل وعدم القدرة على فهم النصوص فهماً صحيحاً وبعضها متعمد، بل تشتمل بعض القواميس ودوائر المعارف والموسوعات اتهامات مباشرة للمسلمين بأنهم إرهابيون وقدريون ومتكاسلون وأن القرآن من تأليف محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وان محمداً لم يكن رسولاً من عند الله.

كانت الطبعة الثالثة من قاموس (وبستر) الذي يصدر عن شركة «مريام وبستر الأميركية» باعتماد الكونغرس الأميركي وضعت تعريفاً للعربي بأنه متشرد ومتسول ومنحرف ومتسكع وعالة ومنبوذ ومدع وأخرق.

الدكتورة وفاء كامل فايد الأستاذة بكلية الآداب جامعة القاهرة وعضو الجمعية الدولية للمترجمين العرب أكدت أن هذه الإهانة تمثل أحد فصول المواجهات الحضارية بين الإسلام والغرب، مشيرة إلى أن الخطأ الذي وقع فيه قاموس «وبستر» لا ينبغي أن يصمت عليه العرب والمسلمون خاصة وان هذا المعجم يعد مرجعاً للمثقفين وللمؤسسات الثقافية في العالم.

تحرك عاجل

وطالبت المؤسسات العربية بالتحرك وتبني حملة لمواجهة هذه الإهانات ومخاطبة السفارات والمراكز الثقافية الأميركية والاحتجاج لديها حتى يتم حذف هذا التعريف من القاموس من منطلق الدفاع عن العرب والحضارة العربية والجزيرة العربية مهد الإسلام والأمة الإسلامية، مشيرة إلى سابقة حدثت بالنسبة لليهود عندما وصف قاموس «لاروس» اليهودي بأنه بخيل ومراب وذو أنف طويل. فقد ثارت الجالية اليهودية وأجبرت المسؤولين عن القاموس على سحبه من المكتبات وحذف هذا التعريف.

وتضيف إذا كانت الحكومات العربية والإسلامية في مواقف لا تؤهلها لتقديم احتجاجات رسمية ضد القاموس فإن منظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة مطالبة بالتحرك لحذف هذا التعريف المشين للشخصية العربية، مشيرة إلى أن مسؤولية المثقفين والإعلاميين والأكاديميين والحقوقيين تحتم عليهم تعرية هذه المزاعم وحث الرأي العام في كل مكان على التصدي لهذه الافتراءات ورفضها والاحتجاج عليها.

ووصفت الدكتورة وفاء التعريف الذي وضعه القاموس للعربي بأنه عنصري وغير علمي بالإضافة إلى كونه دعوة للتحقير من شأن العرب لكن خطورته أنه سيرسخ هذه المعاني في أذهان النشء والدارسين لأن مهمة القواميس تعليمية في المقام الأول.

من جانبه أشار الدكتور محمد أبو ليلة رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر إلى أن دائرة المعارف الإسلامية الحالية مجرد معرض أو متحف لآراء وانطباعات المستشرقين عن الإسلام وهذه الآراء في حاجة إلى دراسة تحليلية نقدية من جانب علماء المسلمين لإظهار خطأ تعامل المستشرقين مع المصادر العربية بجانب تصويب الأخطاء والرد على المغالطات التي وقعوا فيها سواءً كان ذلك بسبب وجود أحكام مسبقة على الإسلام أو لرغبتهم في التقريب بين الاستشراق باعتباره علماً مستقلاً وبين سائر فروع المعرفة الأخرى في الغرب.

أخطاء المستشرقين

ويذكر الدكتور أبو ليلة أهم الأخطاء الموجودة في دوائر المعارف الإسلامية التي أعدها الغربيون منها أننا نجد فيها أن المستشرقين اتفقوا على أن القرآن من وضع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس وحياً من عند الله وأن النبي انتحل كثيراً من نصوص التوراة والإنجيل بالإضافة إلى أنها تطالب بضرورة خضوع القرآن الكريم للدراسات الإنسانية باعتباره نصاً بشرياً وليس إلهياً ويزعمون أيضاً أن المسلمين انتحلوا الشعر العربي القديم من أجل إثبات تفوق القرآن عليه.

وحول أهمية تحرير دائرة معارف جديدة من وضع علماء مسلمين يؤكد الدكتور أبو ليلة أننا الآن في حاجة ملحة لإخراج دائرة معارف إسلامية جديدة وأخرى عن القرآن الكريم بأقلام المسلمين لعرض الإسلام وتصويب الأخطاء مثلما فعل من قبل الشيخ محمد رشيد رضا عندما اتخذ المنار منبراً للتقريب بين الإسلام والغرب ويرى أنه إذا كانت الدول الغربية قدمت الدعم المالي الكافي في سبيل إخراج دائرة المعارف الإسلامية وتعاونت كل الهيئات والمطابع في أوروبا لتحقيق هذا المشروع الضخم

فإن على الحكومات العربية وأصحاب رؤوس الأموال أن يتعاونوا في سبيل تحرير هذه الموسوعة وإخراجها، لكونها وسيلة سريعة الانتشار في عرض الإسلام ومخاطبة العقلية الغربية، ولا بد أن تنشر باللغات الحية أو على الأقل بأوسع اللغات انتشاراً، وأن تتناول كل شيء عن الإسلام ويكتب فيها علماء المسلمين المتخصصين ويفضل أصحاب الثقافة الواسعة بجانب علماء أوروبا وأميركا وغيرها ممن دخل في الإسلام أو ثبت إنصافهم له.

تعمد أم سوء فهم؟

وتوضح الدكتورة زينب الأشوح الأستاذة بجامعة الأزهر أن بعض هذه الإساءات التي تضمنها قاموس «وبستر» ودوائر المعارف الإسلامية التي أعدها الغربيون ناجمة عن سوى فهم بسبب جهلهم للإسلام وبعضها متعمّد بهدف الإساءة للإسلام وتشويه صورته في أذهان الناس، مشيرة إلى أن واجبنا في كلتا الحالتين هو الدفاع عن ديننا وتقديم الحقائق وتفنيد الأخطاء، وهناك من يقول: «ما بال القوم الذين نصروا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأسلحتهم إلا ينصرونه بألسنتهم»، وهذا يكون من خلال تعريف الناس بالوجه الصحيح للإسلام، وذلك في إطار الدعوة الإسلامية التي لم تنقطع وسوف تستمر إلى يوم القيامة.

وتطالب بضرورة إعداد معارف إسلامية يقوم عليها مسلمون لديهم عقيدة صحيحة ويتصفون بالإخلاص والعمل على نصرة دين الله وتقديمه على الوجه الصحيح، مشيرة إلى ضرورة أن يستعان في إنجاز هذا العمل بالاختصاصيين، بحيث يكون كل كاتب متخصصاً في الجزء الذي يكتب فيه وتتناول قضايا عصرية مثل تحديث الخطاب الديني، وهل هو إسلام جديد، وكذلك اللباس العصري وضرورة ألا يخل بالاحتشام الذي أراده الإسلام، بالإضافة إلى ضرورة الحفاظ على المعارف الإسلامية.

وتؤكد الدكتورة زينب أن مثل هذا العمل ليس تعصباً للإسلام أو من قبيل تكوين جبهة ضد الآخرين، وإنما لأن المسلمين هم أدرى الناس بفهم الإسلام وهم يؤمنون به إيماناً كاملاً ولديهم القدرة على تقديم الحقائق والكتابة الصحيحة والتمييز بين الصحيح والخطأ. وتؤكد ضرورة أن تساهم الدول الإسلامية في تمويل هذا العمل بحيث يتم في إطار جماعي أو في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي مثلاً، وأن تراقب ما يصدر في الغرب من كتابات حتى لا تصدر كتابات تسيء للإسلام.

الطعن والتشكيك

وقال الدكتور مصطفى إمام الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر إن كل الأعمال الاستشراقية هدفها الطعن في الإسلام والتشكيك في القرآن الكريم والسنة النبوية، وتشويه صورة المسلمين في أذهان العالم، مشيراً إلى أن قاموس (وبستر) أو دائرة المعارف الإسلامية لا تخرج عن هذا السياق.

ويدعو المؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي وفي مقدمتها الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية إلى التصدي لهذه الأعمال والرد عليها وعلى كل ما يسيء للإسلام. وأشار الدكتور إمام إلى أن أعداد دوائر المعارف والموسوعات يحتاج إلى تكاليف باهظة لا تقدر عليها دور النشر مطالباً الأثرياء العرب والمسلمين بتبني هذا المشروع الذي يعد خدمة جليلة للإسلام وللأجيال القادمة من المسلمين. واستبعد أن تقوم الحكومات الإسلامية بتمويل هذا العمل لأنها غير متفرغة لمثل هذه الأعمال ولا تعنيها في شيء.

وأكد الدكتور محمد غانم أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة قناة السويس ضرورة العمل على إصدار دوائر معارف إسلامية بأقلام مسلمة خاصة وأن هذه الدوائر تعد مراجع أساسية لكل الباحثين والدارسين وحتى الأشخاص العاديين الذين يحبون القراءة والإطلاع، مشيراً إلى أن إصدار دوائر معارف إسلامية سيحقق لنا الكثير من الأهداف في مقدمتها تصحيح صورة العرب والمسلمين في أذهان شعوب العالم خاصة الشعوب الغربية التي تتلقى معلوماتها من مثل هذه الدوائر والقواميس ومن وسائل الإعلام الغربية التي يغلب عليها التعصب ضد كل ما هو عربي وإسلامي خاصة منذ أحداث سبتمبر.

وقال الدكتور غانم إن هذا العمل مسؤولية الجامعات والمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي ويجب أن تخصص الحكومات ميزانية لمثل هذه الأعمال التي ليس في مقدور فرد أو عدة أفراد إعدادها بإمكاناتهم المحدودة ،مؤكداً أن هناك مؤسسات تمول هذه الأعمال في الغرب وبالتالي يجب علينا أن نعمل على تمويلها.

وأضاف لقد تأخرنا كثيراً في إصدار هذه الموسوعات ولعل هذا هو السبب في مسلسل التشويه الذي نتعرض له منذ سنوات، مشيراً إلى أننا لا ننتظر من المستشرقين أن ينصفوا الإسلام والمسلمين لأن الدراسات الاستشراقية قامت في الأساس من أجل هدم الإسلام وإعطاء أسوأ صورة عن المسلمين وغرسها في الغربيين حتى يكرهوا الإسلام وهذا هو بالفعل ما نعاني منه في الوقت الحاضر.

القاهرة ـ ـ ضياء الدين أحمد: