كثرت في الآونة الأخيرة الأخبار المحلية التي تتناول جرائم يقوم بها عدد من المشعوذين أو أولئك الذين يستخدمون السحر بأشكال مختلفة من خلال ادعائهم معرفة عميقة بالجان او على قدرتهم على تغيير الأحداث وتحقيق الأمور المستحيلة أو التي تبدو لأصحابها أنها مستحيلة.
وامتدت هذه الظاهرة لتشمل إمارات الدولة كافة وتبذل قوات الأمن ما في وسعها في سبيل القضاء عليها عن طريق اختيار عميل سري «رجل أو امرأة» للإيقاع بذلك المشعوذ أو تلك المشعوذة، الذين يدعون القدرة على جلب الحظ وفك السحر ومضاعفة الأموال وزيادتها من خلال استخدام بعض الوسائل التي يعجز الإنسان العادي عن القيام بها وتكثر معها بالتالي قصص النصب والاحتيال.
وربما كانت القصة الأغرب هي تلك التي تعرض لها بعض الأشخاص في الدولة من خلال اتصالات وصلت إليهم من أشخاص مقيمين في دولة افريقية يدعون خلالها أن لدى الشخص المعني سحرا أسود سيعيقه عن الحياة بصورة طبيعية وعليه الاعتماد على المتصِل في هذا الأمر لإلغاء السحر الذي رصد له من شخص مجهول، طالباً «المشعوذ» بعد أن يضج سمع الضحية بمخاطر السحر والشعوذة والمشاكل التي ستناله في حال رفض طلبه من دون أن ينسى سرد مجموعة من الأحاديث الدينية التي تبين أنه من الرجال الذين كشف عنهم الحجاب وعلى قدرتهم في التعامل مع الأمور الغيبية.
وتعتبر قصة مشعوذي الشارقة الذين ألقت الشرطة القبض عليهم مؤخراً بتهمة النصب والاحتيال عن طريق أعمال السحر والشعوذة وضرب الودع مدعين قدرتهم على جلب الحظ والسعادة وسعة الرزق إلى جانب حل بعض المشكلات المعقدة من القصص الخطيرة في هذا المجال، حيث انها كانت تضم مجموعة من الرجال والنساء المحترفين في هذا المجال،
وهذا يدفع للقول ان عمليات النصب هذه أخذت تتوسع وبصور متنوعة، وأخذ جانب الاستقرار يبرز في إدارة أعمالها، وهو عكس ما كان يعرف عن هؤلاء المشعوذين الذين يأتون إلى الدولة كزائرين أو أنهم دائمو التنقل لتغيير الوجوه التي يتعاملون معها من جهة، وعدم ترك الفرصة لأجهزة الأمن المختصة كشفهم والقبض عليهم.
وهذه الجماعة طلبت من الشخص «المصدر السري» الذي أوقع بها قرابة 12 ألف درهم لحل مشكلته التي استعصت عن الحل وتحتاج إلى قدرات كبيرة واستخدام مجموعة من التمائم والأحجار تقدر تكلفتها بـ 750 ألف درهم، والمشكلة هنا تكمن في حجم الأرباح الكبيرة التي يحققها هؤلاء من عمليات النصب التي لا تستند إلا على عامل واحد وهو الإيحاء إلى الضحية وباستخدام عبارات تخويفية غيبية تجعله أسير مشكلته من جهة وأسير تلك المفردات «الطلاسم» التي يجهل معرفة معانيها وإلى ماذا تؤدي، إلا أنها تزيد من اقتناعه بقدرتها على حل مشكلته.
والمشكلة في هذا الأمر لا تقتصر على ممارسة مثل هؤلاء الأشخاص لمثل هذه الأعمال والمخالفات فقط وإنما تكمن بشكل أكبر في الأشخاص الذين يرتادون تلك الأماكن رغم كل التطورات في العلوم الطبية والثقافية والاجتماعية والنفسية التي حدثت في المجتمع الإماراتي على الخصوص مقارنة مع غيره من المجتمعات العربية الأخرى.
وحسب خبراء نفسيين فإن أكثر من يلجأون إلى المشعوذين وبأعداد ليست بالقليلة يكونون من النساء اللاتي يعانين مشكلات اجتماعية أسرية ونفسية مختلفة، يفتقدن المقدرة على حلها، فيذهبن إلى هؤلاء الأشخاص ليجدن عندهم الحل والخلاص، ومن هذه المشكلات التي يبحثن عن حل لها ولاسيما مع الضغط المجتمعي الذي يمارس عليهن، هو البحث عن أمور قد يفشل الطب عن حلها ولا يوجد لها دواء نافع، وهي على سبيل المثال الشفاء من العقم أو منع الزوج من الزواج من امرأة أخرى أو منع حدوث طلاق بين رجل وزوجته، بالإضافة إلى جلب السعادة للأسرة التي تفكك أفرادها وغيرها من الأمور.
وحسب الخبراء أيضاً فإن أكثر مرتادي أماكن المشعوذين هم من الأميين الذين يسكنون في الأماكن النائية، إلا أن بعض الدراسات أشارت إلى أن هذه الظاهرة امتدت أيضاً لتشمل بعض المثقفين وخريجي الجامعات، حيث لجأت امرأة جامعية إلى أحد المشعوذين في منطقتها ليحل مشكلتها في عدم الإنجاب بعد أن راجعت الكثير من الأطباء،
وعندما سئلت عن فعلتها هذه غير المتناسبة مع مستواها التعليمي قالت إنها تطلب «الأمل وسط السراب» ، أما القصة الأطرف من هذا فهي لجوء فتاة متخرجة من جامعة مهمة في الدولة بعد أن يئست من الحصول على وظيفة تناسبها إلى مثل هؤلاء المشعوذين لمساعدتها في هذا الأمر.
ومن هنا فإن المشكلة تبدو متشعبة ومعقدة لأنها تدخل في عمق النسيج الاجتماعي الفكري لأفراد المجتمع الذين يجدون في المشعوذين قدرة على حل مشكلاتهم على صعوبتها واستحالتها من وجهة نظرهم نتيجة الموروثات والتقاليد الاجتماعية الخاطئة التي ترسبت عبر السنين السابقة إلى العصر الحالي عصر العلم والتقنيات الحديثة.
فالحل لمثل هذه المشكلات بالإضافة إلى العمل الأمني الذي لابد له أن يعمل وبقوة وبمتابعة حثيثة لمنع هؤلاء المشعوذين من الدخول إلى الدولة ومنع جميع الأشياء التي تقود وتيسر القيام بمثل هذه الأعمال، هو إيجاد طرق اجتماعية ناجحة في تغيير اقتناع بعض أفراد المجتمع وبشكل جذري بقدرات المشعوذين
لأن وجود مثل هؤلاء المخالفين يدل على أن لديهم زبائن كثر يهمهم وجودهم في الدولة لحل مشكلاتهم الاجتماعية والنفسية الأسرية التي يكون الحل فيها هو تغيير الأفكار في التعامل مع المشكلات التي تواجههم والتفاهم حولها وليس اللجوء للمشعوذين، وبالتالي فعلى الجهات المعنية في شؤون الأسرة أيضاً الاجتهاد في هذا المجال لإيجاد الحلول المناسبة التي تنبع من التفهم العميق لواقع المشكلات المعاصرة.
عمر بدران