ارتسمت في الأفق أمس بوادر وملامح هدنة غامضة، تنهي العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي حصد في أسبوعه الأول نحو 300 شهيد، ويتشكل مخاضها العسير عبر تحركات دولية محمومة، لكن اسرائيل أكدت أن العدوان سوف يستمر أسبوعاً آخر على الأقل، وتزامن ذلك مع فشل مجلس الأمن مرة أخرى في التوصل إلى أي اتفاق لوقف النار وتأكيد الولايات المتحدة أن ذلك لن يتم قبل بضعة أيام.

في موازاة تصعيد شهد مجازر إسرائيلية جديدة وبشعة في الجنوب اللبناني وفي بيروت، قوبلت برد من المقاومة بزخات صواريخ أغلقت ميناء حيفا وحولتها إلى مدينة أشباح، وطالت مستوطنات الجولان وعكا والعفولة، دفعت بمليون إسرائيلي إلى الملاجئ.

وقال مساعد رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجنرال موشي كابلينسكي امس ان العدوان على لبنان سيستمر «لمدة اسبوع اخر على الاقل». واكد الجنرال كابلينسكي على هامش مؤتمر صحافي في تل ابيب «درجة الضغوط الدولية على اسرائيل تتيح لنا الاستمرار لاسبوع على الاقل». الا انه لم يشر الى الوقت الذي يحتاجه الجيش الاسرائيلي للقضاء على حزب الله وهو الهدف المعلن لحكومة ايهود اولمرت.

وقبل هذا التأكيد الاسرائيلي عزز رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود اولمرت من الاتجاه إلى الهدنة بقوله لوزرائه: « حين يردني مقتل ثمانية مدنيين إسرائيليين الأحد في حيفا في قصف صاروخي انفعل واشعر برغبة في تحطيم كل شيء، لكن ذهني وعقلي يرغمانني على التصرف بمسؤولية لان المعارك ستنتهي في نهاية الأمر بفضل الدبلوماسية مع دول صديقة نحن حاليا على اتصال بها».

بالتزامن مع دعوة إيرانية، وردت على لسان وزير الخارجية منوشهر متقي في العاصمة السورية دمشق، إلى تطبيق هدنة في لبنان يتبعها تبادل للأسرى، والتشديد على ضرورة «التفكير بطريقة عاقلة لإنهاء ما يحصل»، وأشار الى ان «العدوان الذي شنته إسرائيل لقتل المدنيين الأبرياء وتدمير البيوت كان أمراً مدبراً».

وقال متقي ان الكثير من الدول «حاولت الاتصال بنا للوصول إلى حل. الظروف القائمة في المنطقة لن تكون بالتأكيد لصالح الكيان الصهيوني».

وباشر مجلس الامن الدولي صباح امس مشاورات مغلقة لبحث وسائل وقف دوامة العنف في لبنان، لكن الولايات المتحدة اعلنت انه ينبغي عدم انتظار اي قرار قبل عدة ايام.واطلع المجلس على دعوة دول مجموعة الثماني المجتمعة في سان بطرسبرغ، حزب الله واسرائيل الى وقف اعمال العنف وتأييدها ارسال قوة حفظ سلام الى جنوب لبنان.لكن السفير الاميركي في الامم المتحدة جون بولتون قال للصحافيين ان المجلس لن يتخذ اي قرار قبل عودة وفد الامم المتحدة الذي يجول في المنطقة برئاسة نامبيار.

واضاف «نأمل ان تكون قادرة على ابلاغ المجلس (نتائج ما توصلت اليه البعثة) بحلول الخميس (...) سيكون ايضا الوقت المناسب لدرس الاجراءات التي يمكن ان يتخذها المجلس».وكرر بولتون انه «يجب بحث اسباب النزاع قبل التوصل الى وقف لاطلاق النار»،واضاف «اعتقد اننا سنحظى بوقف للنار في وقت قياسي اذا افرج حزب الله وحماس عن الجنود الذين اسراهم ووضعا حدا لاطلاق الصواريخ والاعمال الارهابية الاخرى ضد اسرائيل».

وفي سياق التحركات المتسارعة، اقترحت الأمم المتحدة ومجموعة الثماني إرسال قوة لإرساء الاستقرار من المنظمة الدولية لنشرها على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، مع إصرار الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على ضرورة نزع سلاح حزب الله، الذي شدد على أنه لن يقبل سوى بوقف «غير مشروط» لإطلاق النار، على أن تبحث مسألة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب «على طاولة الحوار اللبناني».

وتحدث مستشار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان للشؤون السياسية فيغار نامبيار عن «جهود أولية مشجعة وواعدة»، وأوحى فيغار نامبيار بأنه سيقوم بمهمة مكوكية بين لبنان وإسرائيل لبلورة خطة لوقف النزاع القائم. وقال إنه «يجب أن أشدد على أن هذه خطوات أولى وما زلنا بحاجة إلى الكثير من العمل الدبلوماسي قبل التوصل إلى أرضية للتفاؤل».

وحذر فيغار من أن «مضاعفات الفشل يمكن أن تكون خطيرة فعلا. الوقت أيضا جوهري، ولا بد من إيجاد حلول خلاقة لمنع توسع وتعمق الأزمة»، في وقت أقر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بأن «المعارك قد تستمر لفترة»، طالباً مهلة و«فسحة للتحرك» من اجل إرسال القوة الدولية.

وبالتزامن مع هذا التحرك الدولي، دعا رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دوفيلبان في بيروت، إثر محادثات أجراها مع نظيره اللبناني فؤاد السنيورة، إلى «هدنة إنسانية فورية»، وسط إشارات قوية عن نية وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن تحط رحالها في المنطقة قريباً.

أما على الجانب الإسرائيلي، فرأى إيهود اولمرت في حديثه أمام وزرائه انه «إذا كانت هناك فرصة في التوصل إلى قاعدة مشتركة تتضمن عناصر تحمل الجيش اللبناني على الانتشار على طول حدود لبنان الجنوبية، فعلى الحكومة اللبنانية أن تغتنمها»®. فيما قال الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية: «نعلم انه ما من حل عسكري قادر على شل قدرات حزب الله. فالحل دبلوماسي».

وأكد الناطق على أن «لا عودة إلى الوضع القائم سابقا. لن نرى بعد الآن أعلام حزب الله ترفرف قرب الحدود الإسرائيلية كما كان الحال قبل هجومنا. لكننا نود أن نرى في المقابل أعلام الجيش اللبناني».

وأعلن مسؤول عسكري كبير إسرائيلي للشبكة العاشرة الخاصة في التلفزيون أن إسرائيل قد تحقق أهدافها في لبنان في غضون بضعة أيام وتنهي بالتالي هجومها العسكري.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس أن من أهداف الحملة على لبنان «اقامة قطاع أمني من دون تواجد الجيش الإسرائيلي في لبنان»، مضيفاً: «لاننوي احتلال لبنان من جديد ولا ننوي الغرق في الوحل اللبناني».

وقال مصدر بالمخابرات العسكرية الإسرائيلية إن إسرائيل تعتقد أن هجومها المستمر منذ ستة أيام في لبنان أسفر عن تدمير نحو ثلث صواريخ حزب الله القادرة على الوصول إلى عمق إسرائيل.

وفى اللحظات العسيرة التي تسبق مخاض الهدنة استشهد أمس 12 مدنيا لبنانيا بينهم امرأتان وثلاثة أطفال، جراء سقوط صاروخ إسرائيلي جو أرض أصاب حافلة صغيرة للركاب كانت على مقربة من بلدة الرميلة الساحلية جنوب بيروت.

وكانت الحافلة الصغيرة تسلك طريق الرميلة الساحلية حين أصيبت بصاروخ أطلقته طائرة إسرائيلية، وفق المصدر نفسه. والضحايا أفراد عائلتين هربتا من جنوب لبنان نحو بيروت. وهم من مدينة بنت جبيل. ونقل المسعفون ثماني جثث إلى مستشفى في الرميلة وأربعا إلى مستشفى في صيدا.

فيما استشهدت امرأة أخرى وجرح ستة من أفراد أسرتها على الجسر نفسه، كما أصيب تسعة أشخاص نتيجة غارة جوية إسرائيلية على جسر كفرشيما. كما استشهد أربعة لبنانيين في غارة شنها الجيش الإسرائيلي على مدرسة في إقليم الخروب شرق مدينة صيدا.

بيروت ـ «البيان» والوكالات: