دخلت الحرب الإسرائيلية على لبنان مرحلة دراماتيكية في يومها الثالث، فبينما كان تركيز آلة الخراب الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت معقل حزب الله، مع استكمال وتيرة تدمير الجسور والطرق، ومنها طريق بيروت دمشق الدولي، وتجديد قصف مطار رفيق الحريري الدولي، كان الأمين العام للحزب حسن نصرالله يعلن الحرب المفتوحة رداً على العدوان المفتوح،

وكانت أولى الثمار تدمير بارجة إسرائيلية، وإطلاق صاروخ على مدينة عكا وتوعد بصواريخ أبعد مدى، وقصف محطة كهرباء في صفد فيما رفعت ثلاث دول عربية الغطاء عن حزب الله بعد انتقاد سعودي مصري أردني لما وصفوه بـ «مغامرات غير محسوبة»، بينما عجز مجلس الأمن عن أن يطلب وقفا لإطلاق النار .

وبعد ساعات من ترقب جهود دبلوماسية لم تتضح ماهيتها، أعطى اولمرت الضوء الأخضر لقواته بدك قائمة أهداف تابعة لحزب الله، وهو ما ترجم بعد دقائق في قصف مكثف على مقر الأمانة العامة للحزب في بيروت، ودمر المبنى الذي يسكنه حسن نصرالله، لكن تلفزيون «المنار» شدد سريعاً على أن «أفراد أسرة الشيخ نصر الله وحرسه الخاص والشيخ حسن ذاته سالمون».

وفيما قالت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي إن الغارة شنت استنادا إلى معلومات حول وجود نصرالله ومسؤولين في الحزب داخل المبنى المستهدف.. ظهر نصرالله بعد نصف ساعة، في رسالة صوتية عبر تلفزيون المنار، وقال إن المعركة الحالية هي الأشرف في التاريخ، معتبراً أن المعركة التي تدور حالياً ليست معركة استرداد أسرى «بل هي معركة رد حساب مع لبنان وشعبه ومقاومته انتقاما لما تم إنجازه في مايو 2000».

وشدد على أن اللبنانيين والمقاومة أمام خيارين: إخضاع لبنان وإدخاله فلك العصر الإسرائيلي، أو المقاومة والصمود، واعداً اللبنانيين بنصر جديد، طالباً منهم الصمود والتوحد.. فيما توعد الإسرائيليين بحرب مفتوحة ستتجاوز حيفا و«ما بعد بعد حيفا».

وختم نصرالله أن «المفاجآت التي وعدتكم بها ستبدأ من الآن...البارجة العسكرية التي اعتدت على بنيتنا التحتية.. أنظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الصهاينة». وتبين بعد دقائق انتظار طويلة أن الحزب استخدم صاروخاً جديدا لم يستخدم من قبل. وجاءت مفاجأة نصرالله، بعد دقائق من إنهاء مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة من دون أن يطلب وقفا لإطلاق النار كما كانت تأمل بيروت. وأشاد المجلس في بيان موجز تلاه رئيسه الحالي السفير الفرنسي في الأمم المتحدة جان مارك دو لا سابليير، بقرار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إرسال وفد إلى الشرق الأوسط لاحتواء التصعيد.

وأضاف البيان الذي تم تبنيه اثر اجتماع طارئ عقد بناء على طلب بيروت التي كانت ترغب في رد أكثر حزما للمنظمة الدولية، أن المجلس «يطلب من كل الدول والأطراف المعنيين التعاون الكامل مع هذا الفريق» الدولي. وتابع أن مجلس الأمن «ينتظر باهتمام التقرير المتصل بمهمة هذا الوفد، ويأمل في أن يتسلمه في أقرب وقت ممكن».

إلى ذلك، نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصادر سياسية تأكيدها أن «إسرائيل لن توقف الحرب على لبنان قبل أن يتم القضاء على حزب الله بصورة تامة بغض النظر عن الانتقادات الدولية التي لا تعيرها إسرائيل أية أهمية». وقال وزير الدفاع عمير بيريتس: «إننا سنعمل على تدمير هذا الحزب كليا ولا نية لدينا بوقف الحملة قبل أن نقضي عليه ولن نقبل أن يعود الوضع على ما كان عليه قبل أيام ولدينا الدعم الكامل من دول العالم وخاصة الولايات المتحدة».

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أعطى مساء أمس الضوء الأخضر لجيشه لضرب قائمة أهداف تابعة للحزب بعدما طرح ثلاثة شروط للتهدئة منها تجريد الحزب من السلاح وإبعاده عن الجنوب، وتطبيق القرار الدولي 1559 الذي ينص على نزع سلاح حزب الله. بينما كانت صواريخ حزب الله تنهمر على المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية وقتلت إسرائيليين اثنين في جبل ميرون.

أما على الجانب العربي، فاستبقت ثلاث دول عربية (السعودية ومصر والأردن) الاجتماع الطارئ للجامعة العربية اليوم، برئاسة معالي محمد حسين الشعالي وزير الدولة للشؤون الخارجية، بالتحذير من «مغامرات غير محسوبة» في تنديد بخطف حزب الله جنديين إسرائيليين الأربعاء الماضي.

وحذر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والرئيس المصري حسني مبارك من «انجراف المنطقة إلى مغامرات لا تخدم المصالح العربية», مؤكدين دعمهما الحكومة اللبنانية «لبسط سلطتها على كامل التراب اللبناني». وذكر بيان مشترك أن الزعيمين حذرا من «انجراف المنطقة إلى مغامرات لا تخدم المصالح والقضايا العربية، وعبرا عن دعمهما الكامل للحكومة اللبنانية في جهودها للحفاظ على مصالح لبنان وصون سيادته واستقلاله وبسط سلطتها على كامل التراب اللبناني».

وشدد الزعيمان على «ضرورة التوصل إلى تسوية للموقف الخطر الراهن على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية بما يتيح اطلاق سراح الأسرى كوسيلة لإنهاء الوضع المتدهور الراهن». كما أكدا «مساندتهما الكاملة» للسلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس و«جهوده من اجل السيطرة على الموقف». وحذرا من «خطورة انزلاق منطقة الشرق الأوسط نحو أجواء حرب تقوض فرص السلام وتفتح الباب أمام دائرة جديدة من العنف والتوتر لا يعرف احدا مداها».

وجاء هذا الموقف ليرسم خريطة طريق عربية إزاء الأزمة، كانت لاحت ملامحها الأولية مع توجيه القيادة السعودية انتقادات لحزب الله، بإصدارها بياناً، على لسان مصدر مسؤول، تقول فيه إنه «لا بد من التفرقة بين المقاومة الشرعية والمغامرات غير المحسوبة التي تقوم بها عناصر داخل الدولة اللبنانية ومن ورائها دون الرجوع إلى السلطة الشرعية في دولتها ودون تشاور أو تنسيق مع الدول العربية».

في هذه الأثناء، أكدت مصادر دبلوماسية عربية بالقاهرة أن اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية اليوم سيؤكد على ضرورة العودة إلى مائدة المفاوضات والتأكيد على ضرورة استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يدين العدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان وكيفية معالجة أثار هذا العدوان ماديا على الشعب المحاصر بقطاع غزة والضفة الغربية ومعالجة الوضع الكارثي في جنوب لبنان.

من جانبه، دعا الرئيس اللبناني إميل لحود، في رسالة وجهها إلى الرئيس السوداني عمر البشير بصفته رئيسا للقمة العربية، ووزراء الخارجية العرب إلى الوقوف إلى جانب لبنان الذي «تدمره» إسرائيل في شكل مبرمج. وفى دعم واضح لإسرائيل في محاولة لتجاوز جلسة مجلس الأمن، قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي جورج بوش يريد أن تقلل إسرائيل إلى أدنى حد ممكن خطر سقوط قتلى وجرحى في حملتها على جنوب لبنان لكنه لن يضغط عليها لوقف عملياتها العسكرية.

وقال الناطق باسم البيت الأبيض توني سنو للصحافيين إن بوش تحدث هاتفيا مع رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة وزعماء آخرين في الشرق الأوسط، ورداً عما إذا كان وافق على طلب السنيورة بأن يطلب من الإسرائيليين الحد من عملياتهم العسكرية قال سنو: «لا. الرئيس لن يتخذ قرارات عسكرية بالإنابة عن إسرائيل»، في نفي ضمني لبيان صدر عن مكتب السنيورة يفيد بأنه تلقى وعدا من بوش بالضغط لوقف العدوان.

وخلافا لهذه اللغة قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك إنه «مصدوم لما يحصل حاليا في الشرق الأوسط»، واصفا الردود الحالية في المنطقة بأنها «غير متكافئة»، وتساءل «ما إذا كانت هناك نية لتدمير لبنان». ويتوقع أن يشغل الوضع في لبنان حيزاً واسعاً في محادثات قادة الدول الصناعية الكبرى في مدينة سان بطرسبورغ الروسية، وسط تباين في المواقف تجاه المدى الذي اتخذه العدوان الإرهابي الإسرائيلي.

بيروت ـ علي بردى:

عواصم ـ «البيان» والوكالات: