الخراب، والمجازر كانا عنوان الرسالة التي نشرتها إسرائيل في أجواء لبنان، الذي بات معزولاً عن المحيط الخارجي بعد فرض حصار جوي وبحري وبري عليه مع خنق مواطنيه بأحزمة من نار، دمرت مطار بيروت (رفيق الحريري) الدولي و17 جسرا تربط مناطق الشمال والجنوب، وخلفت أكثر من 52 شهيداً بينهم عشرة أطفال، وهددت بإخلاء الضاحية الجنوبية معقل حزب الله في بيروت قبل أن تقصفها بالفعل مع التلويح بإقامة منطقة أمنية عازلة على الحدود، كما أكدت أنها عازمة على «كسر حزب الله» وأن مطلب تفكيك الحزب
وابتعاده عن الحدود غير قابل للتفاوض، فيما ردت المقاومة بعنف وأمطرت مستوطنات شمال إسرائيل بصواريخ الكاتيوشا و«رعد 1» ودمرت محطة رادار«عيون إسرائيل» ومقر القيادة العسكرية في صفد كما طالت، في تصعيد نوعي، حيفا في عمق فلسطين، غير أن حزب الله نفى هذا فيما بعد.
سياسيا، وجدت الاتهامات الإسرائيلية لسوريا بأنها قاعدة «إرهاب» صدى لدى الإدارة الأميركية حيث دعا الرئيس جورج بوش إلى «محاسبة سوريا» وخص الرئيس السوري بشار الأسد بالاسم، معطياً إسرائيل الضوء الأخضر للاستمرار في عدوانها، وتوسيعه، في حين المح الاتحاد الأوروبي إلى بلورة مبادرة سيعلن عنها لوقف العنف في المنطقة،وذلك وسط صمت عربي انتظاراً لاجتماع وزراء الخارجية الطارئ في القاهرة غداً.
وفي موازاة الغارات الجوية المكثفة على الجنوب اللبناني وحتى مشارف العاصمة بيروت وتقطيع أوصال البلد وعزل جنوبه عن شماله ووسطه، فرضت إسرائيل حصارا بريا وبحريا كاملا على لبنان بعدما أغلقت منفذه الجوي بتدمير مطار بيروت الدولي وقواعد جوية للجيش اللبناني في الشرق والشمال. ما قوبل برد شديد من قبل حزب الله الذي أطلق عشرات القذائف منها صواريخ من نوع «رعد 1» على شمال إسرائيل ما أدى إلى مقتل 3 مستوطنين، في وقت أعلن فيه عن تدمير قاعدة التجسس الكبرى في شمال فلسطين المحتلة المعروفة باسم «عيون إسرائيل» وقصف القيادة العسكرية للاحتلال في صفد، كما هدد بقصف مدينة حيفا ومحيطها إذا ما استهدف العدوان بيروت أو ضواحيها.
ودعا الجيش الإسرائيلي سكان حيفا وعكا في شمال اسرائيل مساء أمس إلى النزول للملاجئ. من جهته، نفى ناطق باسم الحزب في تصريح لوكالة «فرانس برس» ان يكون الحزب أطلق صواريخ على مدينة حيفا، وقال إن قيادة المقاومة الإسلامية التابعة لـ «حزب الله» تنفي قصفها مدينة حيفا.واتبعت المقاومة تهديدها بقصف حيفا صباحاً بقصف قواعد عسكرية ومستوطنات بأكثر من 80 صاروخا أسفرت عن قتيلين و91 جريحا، قبل أن تصل الذروة عند التاسعة والربع مساء مع سقوط أول صاروخ قرب حيفا.وهو ما نفاه الحزب لاحقا.
وأمس أظهرت الأرقام التي نشرتها الشرطة والمستشفيات اللبنانية أن ما لا يقل عن52 مدنيا استشهدوا بينهم عدد كبير من الأطفال في الغارات، حيث استشهد 11 شخصا من عائلة واحدة من بلدة زبقين، بينهم خمسة أطفال. كما قتل رجل الدين عادل عكاش وزوجته وأبناؤهما الثمانية في غارة شنتها المقاتلات الإسرائيلية على منزلهم في الدوير في منطقة النبطية، وفي منطقة صور قتل سبعة أشخاص من عائلة واحدة بينهم رضيع في شهره العاشر تحول إلى أشلاء.
وفي موازاة ذلك، عقد مجلس الوزراء اللبناني جلسة طارئة لدرس الموقف، واعتبر رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط العدوان الإسرائيلي «غير مبرر وغير مفيد»، داعياً إلى تدخل مجلس الأمن لوقف الاعتداءات على لبنان. أما في تل أبيب قال وزير الدفاع الإسرائيلي، عمير بيريتس إن الحملة العسكرية لن تنتهي حتى يسيطر الجيش اللبناني على الحزام الأمني في جنوب لبنان. وقال أمام اجتماع للجنة الخارجية والدفاع في الكنيست: «لن نسمح لحزب الله بالعودة إلى المواقع التي كان يحتلها على امتداد الحدود».
وأعلن نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز للصحافيين ان «الحكومة اللبنانية تلعب لعبة سخيفة بتأكيدها أنها غير مسؤولة عن حزب الله. وان لن تكن مسؤولة فمن المسؤول إذا؟ ان حزب الله سيرى انه لا يمكنه ان يفعل ما يحلو له عند الحدود». وحذر ان إسرائيل لن « تجلس هادئة بينما سوريا تتحول إلى قاعدة للإرهاب».
من جانبه، أعلن رئيس هيئة أركان الجيش الجنرال دان حالوتس أن إسرائيل مصممة على مواصلة عملياتها في لبنان«طالما اقتضت الضرورة لتحقيق أهدافها». وذكر مسؤول عسكري إسرائيلي ان إسرائيل وجهت تحذيرا إلى بيروت «ان تخلي المدنيين من الضاحية الجنوبية حيث يعيش حسن نصرالله وعائلته.
على الجانب الدولي، كانت ردود الفعل داعية إلى ضبط النفس والاتصالات، على أكثر من صعيد ونحو أكثر من عاصمة عربية كبرى، تتسارع لنزع فتيل الأزمة.. فيما أعلن بوش الموجود في ألمانيا انه «يجب ان تحاسب سوريا»، مضيفاً أن الرئيس الأسد يجب ان يظهر تصميما على تحقيق الاستقرار، مشدداً على أن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها بما «لا يضعف الحكومة في لبنان» ورئيس الوزراء فؤاد السنيورة، مركزاً على أن «الديمقراطية في لبنان عنصر مهم لإرساء أسس السلام في هذه المنطقة. لقد عملنا بجهد كبير لإخراج سوريا من لبنان».
وجاء هذا الموقف متسقاً مع موقف وزارة الخارجية الإسرائيلية التي تدفع نحو تحميل سوريا وإيران المسؤولية، وسط إشارات إسرائيلية عن تخوف من نقل الجنديين الأسيرين إلى إيران.وخلافا لهذه اللهجة الأميركية التشجيعية لإسرائيل أعلن وزير الخارجية الايطالي ماسيمو داليما عن قرب الكشف عن «مبادرة للاتحاد الأوروبي ومجموعة الثماني من اجل وقف دوامة العنف الحالية في الشرق الأوسط».
ولم يورد داليما أي تفاصيل مكتفيا بالقول ان المبادرة ستهدف إلى «وقف دوامة العنف» في إسرائيل ولبنان وقطاع غزة»، فيما اعتبر الاتحاد الأوروبي العملية العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان «غير متناسبة» وندد بالحصار على لبنان. وقالت الرئاسة الفنلندية للاتحاد الأوروبي في بيان «ان رئاسة الاتحاد الأوروبي قلقة للغاية إزاء لجوء إسرائيل غير المتناسب إلى القوة في لبنان ردا على هجمات حزب الله». وحذرت من أي «عمل مخالف للقانون الإنساني الدولي» والذي يمكن ان يؤدي إلى «تفاقم الحلقة المفرغة للعنف والأعمال الانتقامية والذي لا يخدم المصالح الأمنية المشروعة لأي طرف».
إلى ذلك، قالت الناطقة باسم خافيير سولانا انه «يستعد للتوجه إلى الشرق الأوسط في محاولة لوضع حد للتصعيد في إعمال العنف» لكنها لم تحدد موعدا لمغادرته.وفي هذا السياق، كان هناك اتصال بين الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لمناقشة التطورات.
بيروت ـ علي بردى والوكالات