لأنه لم يكن موفقاً في حياته الدراسية فقد أدخله والده إلى إحدى الورش الصناعية وعمره لا يزيد على 14 عاماً، عانى في تلك الورشة الصناعية من الإهانة والذل وتعرض للضرب قبل أن يتعلم الحرفة، فقد كان صاحب الورشة قاسياً وليس في قلبه رحمة، وعندما كان يعود إلى البيت ويشكو لوالده ما يلاقيه من ضرب وإهانات على يد صاحب الورشة، كان والده يزجره ويقول له عليك أن تتحمل لكي تتعلم. استمر (ص) على هذا الوضع لأكثر من سنتين وأخيراً قرر أن يهرب من الورشة ومن البيت ولا يعود إليهما أبداً.

الهروب إلى الشارع

لم يجد (ص) مكاناً يذهب إليه إلا الشارع والحدائق العامة حيث كان ينام ليله ويقضي يومه، استمر على هذه الحال عدة أيام وليال، وأخيراً ضاقت به الدنيا عندما أنفق آخر فلس في جيبه وبدأ الجوع ينهشه.بدأ (ص) يبحث عن عمل، وأخيراً رأى مقهى متواضعاً في آخر الشارع، ذهب إلى صاحب المقهى وشرح له ظروفه فوافق صاحب المقهى على أن يعمل بدون أجر مقابل الطعام والنوم في المقهى.

وافق (ص) على ذلك من دون تردد، فلأول مرة منذ هروبه من الورشة ومن بيت والده سيجد مكاناً آمناً ينام فيه، اجتهد (ص) كثيراً من أجل إرضاء صاحب المقهى الذي أبدى إعجابه بنشاط (ص) وإخلاصه في العمل لذا جعل له مرتباً شهرياً إضافة إلى الطعام ومكاناً للنوم، ورغم أن المرتب كان متواضعاً إلا أن (ص) فرح به كثيراً.

استمر (ص) يعمل في المقهى لأكثر من ثلاثة أعوام تفتحت خلالها مداركه وكذلك تطلعاته كشاب مراهق، وخلال ذهابه إلى بيت المعلم صاحب المقهى ليقوم ببعض الأعمال التقى بـ (ز) ابنة المعلم التي كانت في نفس عمره تقريباً، أحس (ص) بأن (ز) معجبة به، وكذلك هو، لكنه كان خائفاً أن يفاتحها في الأمر لكي لا يعرف والدها بذلك فيطرده من المقهى ويجد نفسه في الشارع من جديد، في أحد الأيام شاهد (ص) ابنة المعلم تسير وحدها بالقرب من المقهى، اقترب منها وقال لها بأنه يحبها وأنه يريد أن يطلبها من والدها.

وافقت (ز) على العرض من دون تردد، أحس (ص) بنشوة في عروقه وأن الدنيا لا تسعه من الفرح، وبدأ يفكر كيف يفاتح والدها في مسألة زواجهما، تحسس (ص) جيوبه فوجدها شبه خالية فالمبلغ الذي معه لا يكاد يشتري به خاتم الخطوبة، فكيف بالجهاز وتكاليف العروس لذا طرح فكرة الزواج من رأسه لكنه ما كاد يبعدها حتى عاودته من جديد وبإلحاح شديد، وأخيراً قرر أن يفاتح والد (ز) برغبته في الزواج من ابنته في إحدى الليالي بعد أن خلا المقهى من رواده وجلس المعلم يعد النقود التي جمعها.

تقدم منه (ص) طالباً يد ابنته للزواج كان الطلب مفاجئاً لصاحب المقهى الذي ما كاد يسمع اسم ابنته يتردد على شفاه (ص) حتى أرغى وأزبد وصفع (ص) على وجهه صفعة أوقعته على الأرض وما كاد (ص) ينهض حتى عاجله المعلم بصفعة ثانية وثالثة وهو يقول له: من أنت حتى تجرؤ وتطلب يد ابنتي للزواج؟ اذهب من هنا ولا أريد أن أراك أمامي مرة ثانية وإلا قتلتك. أحس (ص) بإهانة كبيرة وبخسارة أكبر فلم يعد أمامه سبيل ليرى (ز) كما أنه فقد المكان الذي يؤويه.

إلى الشارع من جديد

قرر (ص) أن ينتقل من الحي الذي كان يعمل فيه وأن يذهب إلى حي آخر، حيث التحق هناك بأحد المقاهي، حاول أن يتأقلم في حياته الجديدة، لكن صورة (ز) كانت تلاحقه في كل مكان فلم يكد ينساها حتى يتذكرها من جديد. وكان (ص) يعرف أن فقره هو سبب رفض والد (ز) له، فلو كان غنياً لما حدث له ما حدث ولتزوج بالفتاة التي يحبها، لذا قرر (ص) أن يكون غنياً بأي ثمن ومهما تكون النتائج،

وبحكم عمله في المقهى توطدت علاقته مع بعض الزبائن، وكان واحد منهم يوزع المخدرات وعندما عرض على (ص) أن يساعده في ذلك مقابل مبلغ من المال لم يتردد (ص) في ذلك حيث وجد في ذلك فرصة يجب أن يستغلها، نشط (ص) بشكل كبير في هذه التجارة بين رواد المقهى وخارجه، وكون خلال خمس سنوات من العمل ثروة لا بأس بها.

لعبة السكرتيرات

في هذه الأثناء كانت (ز) قد تزوجت فضاعت كل آمال (ص) في حبه الأول، إذ أصبحت كل النساء عنده سواسية. أنهى (ص) عمله في المقهى واستأجر شقة، وأسس فيها شركة استيراد للخضار والفواكه، كانت الشركة مجدداً اسما يخفي وراءه نشاطه غير المشروع في الاتجار بالمخدرات، جمع (ص) ثروة كبيرة وقدر أن يستمتع بها بطريقته الخاصة وأن يعوض سنين الحرمان التي عاشها في الماضي.

كان أول شيء فكر فيه هو أن تصبح لديه سكرتيرة جميلة لذا أعلن في إحدى الصحف عن حاجة الشركة إلى سكرتيرة حسناء تجيد لغتين أجنبيتين على الأقل، وعندما كانت المتقدمات يأتين إلى مقر الشركة كان (ص) يختار أجملهن شكلاً بغض النظر إن كانت تجيد لغات أجنبية أم لا، المهم أن تكون امرأة جميلة وحسب، وبعد أن يقضي معها وقتاً معيناً، ينهي خدماتها ويأتي بسكرتيرة أخرى وهكذا،

أما التي كانت ترفض نزواته فكان يقوم بإنهاء خدماتها فوراً، في أحد الأيام قام (ص) بنشر إعلان طالباً سكرتيرة بمواصفات خاصة مقابل مرتب مالي كبير وكالعادة تقدمت للوظيفة عشرات الفتيات، اختار (ص) واحدة منهن كانت الفتاة التي اختارها جميلة بطريقة لا تقاوم لذا قدر (ص) الاحتفاظ بها حتى ولو اضطر للزواج منها.

بعد تعيينها بعدة أيام دعاها لتناول العشاء معه إلا انها رفضت بأدب قائلة بأن خطيبها (م) ينتظرها في سيارته ليذهبا معاً لزيارة والدته في المستشفى.أصابت هذه الكلمات (ص) بصدمة كبيرة، وبدأ يفكر في الطريقة التي يتخلص منها من (م) فكر طويلاً في أنه لم يستطع النوم في تلك الليلة، وأخيراً هداه تفكيره إلى أن يشتري حب سكرتيرته بالمال، فهو يريدها له بأي ثمن.

في الصباح ذهب واشترى لها هدية ذهبية قيمة وقدمها لها، في البداية رفضت الهدية إلا أن إلحاح (ص) جعلها تقبل بها. بعض بضعة أيام قدم (ص) لسكرتيرته مجموعة من العطور، وأدوات مكياج من ماركات عالمية معروفة وعندما أبدت رفضها أخبرها بانه لا يريد من وراء هذه الهدايا أي مقابل، ولكنها مكافأة لها على نشاطها واجتهادها في الشركة.

بدأت الهدايا تفعل فعلها كالسحر في نفس السكرتيرة ومع كل هدية كانت تتلقاها من (ص) كانت تخلق عقبة بينها وبين خطيبها (م) حتى أنها أصبحت لا تتحمل منه أي كلمة أو ملاحظة، وعندما كان يسألها عن كل ما تلبسه من ذهب وفساتين وما تستخدمه من عطور ومكياج كانت تقول له بانها اشترتها من مرتبها الكبير الذي تتقاضاه من الشركة.

حاول (م) أن يعرف سبب تغير معاملة خطيبته له، وأخيراً ذهب إلى صديقه (ع) يشكو له همه فقال له صديقه دعني أتدبر الأمر. أخذ (ع) يراقب السكرتيرة فوجدها تخرج كل يوم مع (ص) إلى مطعم مجاور وبعد أن يتناولا طعام الغداء يعودان معاً إلى الشركة، أخبر (ع) صديقه بما رأى وقال له بان سبب تغير خطيبته نحوك هو تعلقها بمدير الشركة.

بدأت الغيرة تهاجم (م) بعنف ولكي يتأكد من شكوكه طلب من خطيبته أن تترك عملها في الشركة وأن تقطع كل علاقة لها بـ (ص) فما كان منها إلا أن رفضت ذلك وقامت بخلع خاتم الخطوبة وألقت به على الأرض قائلة له لا أريد أن أراك مرة أخرى. تأكد (م) بأن هناك علاقة حب بين خطيبته وصاحب الشركة، ومما زاد من غيرته وحقده أن صاحب الشركة عندما عرف بان سكرتيرته فسخت خطوبتها قام بإهدائها سيارة مكافأة لها على هذه الخطوة الجريئة.

خطة الانتقام

بدأ (ع) و(م) يخططان للانتقام من صاحب الشركة حيث اتفقا على قتله وسرقة الخزنة التي في مكتبه، لذا قررا أن تتم عملية القتل في الشركة. بدأ الصديقان يراقبان الشركة، في إحدى الليالي تأكدا بأن (ص) في الشركة بمفرده، استغل الصديقان الوضع ودخلا الشركة، حيث وجدا (ص) يرتب بعض أوراقه وعلى الفور أخرج كل واحد منهما سكيناً ووجهها نحوه.

أحس (ص) بالخطر، لذا قال لهما سأفتح لكما الخزنة وخذا كل ما فيها واتركاني. اتجه (ع) نحو الخزنة وبدأ يُفرغ ما فيها من أموال سائلة ومجوهرات ذهبية، وبعد أن انتهيا وجها السكاكين نحو (ص) واستمرا في طعنه حتى لفظ أنفاسه، ثم خرجا مسرعين. في اليوم الثاني جاء الموظفون إلى الشركة فتفاجأوا بما رأوا، تم إخبار الشرطة التي بدأت التحقيق في القضية، لم يأخذ الاستدلال على الجناة وقتاً طويلاً، فقد اتهمت السكرتيرة الحسناء خطيبها بقتل (ص)، فقد سمعته أكثر من مرة يهدده بالقتل.

قامت الشرطة بالبحث عن (م) لكنها لم تجده، فقامت بتعميم أوصافه على نقاط التفتيش. بعد نحو اسبوعين تم اعتقال (م) الذي اعترف على صديقه (ع) وقف الاثنان في قفص الاتهام، حيث وجهت إليهما تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، حيث حُكم عليهما بالسجن مدى الحياة.

بعد النطق بالحكم اقتادت الشرطة الشابين إلى السجن، فيما خرجت السكرتيرة الحسناء من قاعة المحكمة باتجاه سيارتها، جلست في السيارة وبدأت في إصلاح مكياجها، حيث أضافت إليه بعض الرتوش ولم تنس بالطبع أن تضع على عنقها عطراً فاخراً ثم انطلقت في الشارع تبحث عن شركة تعمل سكرتيرة فيها.

إعداد: أحمد سلطان