عالج الفقهاء القدامى قضايا التنمية الاقتصادية مبينين بجلاء أنها ليست عملية إنتاج فقط، وإنما هي عملية كفاية في الإنتاج مصحوبة بعدالة في التوزيع وإنها ليست عملية اقتصادية بحتة، وإنما هي عملية إنسانية تبتغي تنمية الإنسان وتقدمه المادي والروحي معاً. وعبر القرآن عن الفائض الاقتصادي الذي هو جوهر عملية التمويل بتعبيرات العفو والفضل وهو كل ما زاد عن الحاجة بغير ترف أو سرف، ودعا إلى ضرورة إنفاقه كله في سبيل الله، أي في سبيل المجتمع وتعميره وتنميته،

بل جعل علامة الإسلام هي دولة التنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل الذي يستهدف صلاح الفرد مادياً وروحياً، وأن قيمة أي حكم في أي دولة هو بقدر ما يحققه لمجتمعه من تنمية حقيقية بشقيها الرخاء والعدل، والتنمية في النهاية ليست عملية فنية يكتفى فيها بمجرد إعداد الخطط أو متابعة تنفيذها لدى القطاعين العام والخاص، بل لابد من تعبئة جميع المواطنين لها بحيث تكون مطلباً شعبياً ملحاً يسعى كل فرد فيها إلى الاضطلاع بمسؤوليته المحددة فيها ويدرك حقوقه المؤكدة على نجاحها.

ويظهر من النصوص الشرعية ومقاصدها العامة أن الابتغاء من فضل الله يعني ضمن مفاهيمه المتشعبة الاستثمار بكل صوره الاستهلاكية والإنتاجية والأخير مباح ومشروع بأصله على مستوى الفرد، بل نستطيع القول إنه ترد عليه الأحكام التكليفية من حيث عوارضه ووسائله، لكنه، من حيث المبدأ، واجب كفائي على الأمة في مجموعهم، أي أنه لا يجوز للأمة أن تترك الاستثمار.

ذلك لأن النصوص الشرعية متضافرة في أهمية المال في حياة الفرد والأمة، وتقديم المال على النفس في جميع الآيات التي ذكر فيها الجهاد والأموال والأنفس إلا في آية واحدة في سورة التوبة ـ الآية الحادية عشرة بعد المئة، حيث قدمت الأنفس، لأنها تتحدث عن الشراء، وامتنان الله تعالى بالمال، والمساواة بين المجاهدين، والساعين في سبيل الرزق،

كما في آخر سورة المزمل، وتسميته العامل والتاجر بالمجاهد في سبيل الله في أحاديث كثيرة، كل ذلك يدل بوضوح على وجوب العناية بالمال وتثميره وتقويته حتى تكون الأمة قادرة على الجهاد والبناء والمعرفة والتقدم والتطور والنهضة والحضارة، حيث إن ذلك لا يتحقق إلا بالمال كما يقول تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها» النساء 5.

فقد سمى الله تعالى المال بأنه قيام للمجتمع الإسلامي، وهذا يعني أن المجتمع لا يقوم إلا به ولا يتحرك ولا ينهض إلا به، كما أن قوله تعالى: (وارزقوهم فيها)، ولم يقل (منها) يدل بوضوح على وجوب الاستثمار حتى تكون نفقة هؤلاء المحجور عليهم (من الأطفال والمجانين) في الأرباح المتحققة من الاستثمار وليست من رأس المال نفسه.

يقول الإمام الرازي: «اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال، قال تعالى: (ولا تبذر تبذيراً ـ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) (الاسراء: 26 ـ 27)، وقال تعالى: ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) (الإسراء: 29)، وقال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) (الفرقان: 67).

وقد رغب الله تعالى في حفظ المال في آية المداينة، حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن، والعقل يؤيد ذلك، لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، ثم قال: وإنما قال (فيها) ولم يقل (منها) لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقاً، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح، لا من أصول الأموال.

أحمد عبدالمجيد