قال الشيخ: لا أبكي والدي فقد انتقل، رحمه الله، إلى جوار ربه قبل أن تقوم قيامة العرب والمسلمين وتسوء أحوالهم، ولكنني أبكي جيلاً دُفعنا دفعاً إلى تجاوزه وعدم احترام قيمه فضعنا وضيعنا أولادنا معنا. كان رحمه الله أكبر ما يعاقبنا به هو العبوس وتقطيب الجبين والمقاطعة بألا يتحدث مع المذنب منا، وقد كنا ننوء تحت ثقل هذا العقاب، نبذل كل الوسائل ونقدم كل أشكال الاعتذار والوعد بعدم العودة إلى الخطأ وندفع والدتنا لتكون شفيعتنا عنده، ونبقى في حزن وهم كبيرين حتى نرى ابتسامته قد عادت إلى وجهه وأسماءنا عادت إلى حديثه.

وإننا نرى اليوم جيلاً لا يزن الوالد في ميزانه شيئاً، فلا يسأل عن رضاه ولا يهمه غضبه أو سخطه ما دام الزمان قد تغير والأجيال قد تغيرت، وحتى لو مزق الأب ثيابه وخرج منها فإن هذا لا يعني عند بعض الأبناء شيئاً، ما دامت التربية الحديثة قد أوصت بكسر الهيبة بين الأب وأولاده، وبقوة شخصية الولد التي انقلبت عند أكثر أولادنا إلى وقاحة. وأذكر انني وانا في الجامعة كان مطلوباً مني أن أعود إلى البيت قبل الثامنة مساء مهما كانت الظروف، وإلا قوطعت وحرمت من حديث والدي وابتساماته وسماع اسمي على لسانه، ولا أذكر أنني خالفت هذا الأمر إلا مرة واحدة أو مرتين لظروف رأيتها يومها قاهرة وقد نالني فيها ما لم أحب ولم أرض به.

آباء اليوم لا يربون ولا يوجهون، فهم قد تركوا كل ما يتصل بالتربية في أحسن الأحوال إلى الأم وفي أكثرها إلى الخادمة في البيت والمدرسين في المدرسة، وكثير من الأمهات لا يوجهن أولادهن إلى احترام الأب وسلطته، فكأنهن بذلك يكايدن رجالهن، لذلك لم تعد للأب هيبة ولا سلطة إلا من رحم ربي.

وكان والدي يميل إلى تزويجنا مبكرين ليعصمنا عن الفاحشة والرذيلة، ويقف معنا ويساعدنا بكل ما يملك بعد أن يلمس فينا حسا بالمسؤولية وتقديراً لما نقبل عليه، وكان يدافع عنا وحتى عن أخطائنا عند الناس، يلجأ في ذلك إلى التأويل والتعديل ثم يحاسبنا على أخطائنا بعد أن يكون قد حمانا ودفع عنا الفضيحة التي سببناها لأنفسنا.

وكان رحمه الله حريصاً على أن ننشأ نشأة صالحة، فأرسل بنا إل المساجد نرتع في رياضها وننهل من أشكال العلوم والتزكية ما يجعلنا أقرب إلى الصلاح والإيمان، وكانت له عادة في شهر رمضان أن ينزل بعد صلاة العصر من يوم الجمعة إلى الجامع الأموي الكبير، وكان حريصاً على أن يصطحبنا معه فنصلي ركعتين تحية المسجد ثم نزور ما أثر عنه أنه قبر سيدنا يحيى عليه السلام، ثم ننتقل بين حلقات العلم فنجلس في كل واحدة منها دقائق،

ثم نخرج فنزور قبر صلاح الدين الأيوبي ومقام رأس الحسين رضي الله عنه وإلى جانبه ما قيل إنه يحتوي على شعرة من شعرات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم نخرج فنسير في شوارع دمشق القديمة وأحيائها ومنها ما لا يتسع لمسيرة رجلين معاً، ثم نشتري شراب (العرق سوس) وحلوى (الناعم) وبعدها نعود إلى البيت لتستقبلنا والدتنا بابتسامتها الحنون مع مائدة عامرة وغير مسرفة لإفطار رمضان.

وإنني مازلت أذكر كيف كان يدس في أيدينا ونحن صغار دريهمات لنضعها في أيدي الفقراء ناسباً الفضل لنا لا له، وهو يرشدنا إلى معاني الصدقة وثوابها وكنا على صغر عقولنا نسر بما فعلناه ونمني أنفسنا بالثواب الجزيل. وكان لوالدي رحمه الله كلمات يرددها دائماً عندما كان يريد أن ينتقد تصرفاً مغلوطاً من تصرفاتنا، فعندما كان يمر على غرفة الجلوس وهي منارة وقد يكون جهاز التسجيل أو التلفاز مداراً كان يقول: «المقاعد والكراسي في غرفة الجلوس مسرورة وسعيدة بالنور وبما تسمعه وتراه!

فنتراكض وإخوتي للجلوس في الغرفة المقصودة أو إطفاء الأنوار وما يكون مداراً فيها، وكان إذا رأى في واحد منا أو لمس نوعاً من الأنانية في الاستئثار بالأحسن أو الأطيب أو الأكبر يقول بلغة المستضيف «أنا لي الله» فيعترينا من الحياء ما يجعلنا نعدل عن أنانيتنا وقد أخذنا عنه هذه الكلمات ونحن اليوم نرددها في بيوتنا فنعدل سلوك أبنائنا ونطلب له الرحمة، فهو حتى في لومه وعتابه لنا لم يعل له صوت في البيت ولم يجرح واحدا فينا وهكذا كانت تربيته لنا أسكنه الله الجنة.

ماهر سقا أميني