اكتسبت السبحة أو «المسبحة» التي يستخدمها بعض المسلمين في ذكر الله دلالة دينية على مر العصور حتى قبل ظهور الإسلام، لذا فهي تحظى بانتشار واسع واستخدام مكثف في جميع البلدان العربية والإسلامية، خاصة في المواسم والأعياد الدينية، ومنها الحج وشهر رمضان، وغيرها من المناسبات الدينية، في حين يستمر استعمالها طول الوقت تقريباً لبعض الفئات والجماعات، كأتباع الطرق الصوفية مثلاً، لكن رغم هذا الرواج الكبير للسبحة أو المسبحة،

فقد اختلف علماء المسلمين حول مشروعية استخدام السبح، فبعضهم قال بأنها تعطل المسلم عن تحري الإخلاص في تسبيحه وتكون هي بمثابة أداة صماء لا تنفع ولا تضر، بينما قال البعض الآخر بأن السبحة من شأنها أن تعين على ذكر الله، لذا فالسطور القادمة تتعرض لتاريخ السبحة على مر العصور ومدى مشروعيتها.

المتتبع لنوع المسبحة على مر العصور يجد أنها أنواعا مختلفة، فسبحة الفقير تختلف عن سبحة الوجهاء الأثرياء، لأن فيها الذهب واللؤلؤ والفيروز المحليَّ والماس، وفيها أيضا البلاستيك والأحجار الرخيصة، وكل حسب مقامه، وحتى الديكور دخلت المسبحة التي تصنع أيضاً من الخشب والفضة الموشاة بالذهب، وعموماً السبحة ظاهرة عرفت قبل الأديان، وكانت تستخدم في الماضي للمقايضة والتسلية، وارتبطت بكل الأديان حتى البوذية والهندوكية وإن كان عدد حباتها يختلف من دين إلى آخر .

وتاريخ السبحة يعود إلى آلاف السنين، فقد عرفها الفينيقيون والبوذيون والهنود، حيث عثر على رسوم هندية تصور الإله «براهما» وهو يجلس ممسكا بيده اليمنى سبحة من نوع متوسط، وعن يمينه الإله (شيفا)، كما استخدمها المصريون القدماء أيضاً، بل وكانت هناك مناطق متخصصة في صناعة أنواع معينة منها، وقد تطورت صناعة السبح في ظل دخول وسائل جديدة في تصنيعها حتى أصبحت على ما هي عليه الآن،

ويرجع أصل كلمة مسبحة إلى «السباحة» وهي الإصبع التي تلي إصبع الإبهام، أي «السبَّاحة» وسميت بالسباحة لأنها تسند المسبحة ليأخذ منها الإبهام الحبة تلو الأخرى، وقد ظهرت المسبحة منذ عصور ما قبل التاريخ، واستعملت للزينة وكتمائم لمنع الشر والمقايضة

المسبحة في الإسلام

أما عن المسبحة في الإسلام فالمؤكد أنها ظهرت قبل ظهور الإسلام، فقد عرفتها أيضا اليهودية والمسيحية، ولكنها تختلف في عدد حباتها عن السبح التي يستخدمها المسلمون ولا يوجد ما يشير إلى أن المسلمين الأوائل استعملوها، وكما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم «ليسيره» وهي إحدى المهاجرات «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس ولا تفعلنه متناسين التوحيد واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات،

ويظهر من الحديث الشريف أن الرسول الكريم يوصي بالتسبيح بالأنامل، كما تؤكد المراجع الإسلامية في هذا الصدد أن المسلمين الأوائل استخدموا الحصى المتشابه ونوى البلح، وكان يذكر عليه اسم الله بعدده، وقد استعمل أبو الدرداء خيطاً فيه ألف عقدة. وفي خان الخليلي أشهر سوق للسبح في مصر يقول الحاج «إبراهيم هاجر» أقدم وأشهر صانع للسبح في مصر: تعلمت هذه المهنة من والدي، والمسبحة لها مواسم، فيزداد الإقبال على شرائها في مواسم الحج والعمرة وشهر رمضان الكريم،

وكانت السبح تُصْنَع في الماضي من أخشاب الصندل والعود والكوك ثم أصبحت تصنع من اليسر والكهرمان والعاج وتراب الكهرمان والبلاستيك، ولم يعد عدد حبات السبحة مقصوراً على 33 أو 99 حبة فقط، ولكن هناك سبح من 45 حبة أو 66، وهذه الغرض منها تحريك حباتها لتهدئة الأعصاب وامتصاص الغضب.

وأضاف أن والده سبق أن صنع سبحة خاصة للملك فاروق الذي كان يأتي متخفيا إلى الورشة ويشارك في تصميمها وكان يقتني أجمل وأغلى مجموعة من السبح من الزمرد والكهرمان الأسود النادر والياقوت الأحمر وكلها كانت لا تقدر بثمن، وكان يحب أن تنقش على حبات السبحة أسماء الله الحسنى بالذهب وفصوص الماس

«الذهب» حرام

أما د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق فله رأي آخر حيث يقول: إن السبحة بالشكل الذي نعرفه على اختلاف المواد التي تصنع منها، وبالوضع الذي عليه الناس الآن ليس لها صلة بالإسلام، فالإسلام يعرف الذكر والتسبيح، والرسول الكريم كان يعد بأعداد معينة 33 مرة وعلى أنامله، وكان بعض الصحابة بعده يلجأون إلى الحصى، ومنهم من كان يعد على أصابع يده اليمنى كي يؤدي الذكر، ولم نجد أثرا يدل على أن الرسول أمسك بمسبحة أو أحدا من الصحابة.

وأضاف د. عمر هاشم أن المسبحة إذا كانت لها مهمة إثبات العدد المطلوب في التسبيح أو الذكر، فإن هذا أمر يمكن للأصابع القيام به وخصوصا اليمنى، لأن الله يحب اليمين في كل شيء، وأشار إلى أن السبح المصنوعة من الذهب حرام استخدامها، وهناك حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حرم فيه استخدام أواني الذهب والفضة، وأتعجب، والكلام للدكتور هاشم، عندما أرى إنساناً يتحدث في أمور الدنيا وتحرك أصابعه بمسبحة، فهل يا ترى يذكر اسم الله وهو يناقش أمور الدنيا؟

وأكد على أن السبحة صورة لا تتلاءم مع الروح الإسلامية في أي مرحلة من المراحل، خصوصاً أنها ليست مقصورة على الإسلام، وإنما هناك طوائف أخرى تستخدمها، ومنها ذات الرأسين، وهي عمل مظهري يتنافى مع الذكر الخالص لله تبارك وتعالى، لأن إخلاص الذكر يجب أن يكون بعيدا عن المظهرية.

القاهرة ـ «البيان»