لم يجد العجوز ملاذاً آخر يقضي فيه ما تبقى له من العمر سوى الخروج إلى الغابة باحثاً عن خلايا عسل النحل. وأجمل اللحظات بالنسبة له هي حين يظفر بخلية معلقة في شجرة فحينئذ يندفع نحوها تخطياً كل الأغصان دون أن يعبأ بوخز الأشواك التي تدمي جسمه فيقوم بقطعها بمهارة تجعله يحافظ على ما فيها من العسل الصافي فيحفظها في سطل يصطحبه معه دائماً،
وإذا ما أنهكه التعب فإن العجوز يتخذ من الأشجار الوارفة الظلال مرقداً مريحاً فلا يرى في زقزقة الطيور إزعاجا له، لكن مع حلول وقت العصر يعود لمزاولة عمله بين أشجار السدر والسمر. وذات يوم عاد العجوز يجرجر رجليه الحافيتين المنهكتين من صعود الجبال والمشي بين الأشجار
وفوق كتفه يحمل السطل المعبأ بخلايا النحل فدفع باب الحوش بقدمه فانفتح على مصراعيه ورمى بالمعاول البدائية التي يستخدمها في جني خلايا عسل النحل إلى جواره بينما نقل السطل إلى داخل غرفته المهملة التي ليس فيها من أثاث سوى وسادة من الإسفنج البالي تساعده على منع ملامسة رأسه للأرض عند النوم.
وضع السطل فوق إناء فيه مياه لحمايته من النمل ثم تحرك باتجاه الموقد برغبة صنع قهوة تخفف عنه وطأة الإرهاق، وقبل أن يشعل النار سمع طرقاً على الباب فاتجه مسرعاً إليه. وفوجئ برجل ليس بالصغير في السن لكن اهتمامه المفرط بملابسه وجسمه أضفى عليه مظهراً من الأناقة التي أصلحت بعض ما أفسدته سنوات العمر، وخطر له وهو يسلم عليه أنه جاء لشراء كمية من عسل النحل فأذن له بالدخول.
بحث العجوز في كل مكان من المنزل عن مقعد يليق بالضيف فلم يجد سوى المفرش الذي يؤدي عليه الصلوات. لم يمانع الرجل من الجلوس عليه، عاد العجوز إلى الموقد وصنع قهوة بإتقان، قدمها للضيف ثم جلس إلى جواره ينتظر معرفة دوافع الزيارة بيد أن الضيف حرص على احتساء المزيد من فناجين القهوة.
قال العجوز وهو يحدث نفسه: لطالما انه بقي ساكتاً كل هذه المدة فإنه ليس بتاجر أو زبون يبحث عن العسل. طلب الضيف ماء فجاء له به من حافظة للثلج غير أن ما فيها من الماء لم يكن وقتئذ بارداً فتعذر على شاربه الارتواء. بادر الضيف يسأل العجوز عن أحواله وأسباب عزلته من الناس، فلم يجد إجابة شافية لأن العجوز يساوره القلق بشأن الضيف.
بالتأكيد فإن كل ما أنت فيه من حياة بدائية سببه عدم وجود زوجة معك في هذا المنزل، هكذا بدأ الضيف حديثه مع العجوز. صدقت فعندما توفيت زوجتي حزنت عليها حزناً شديداً لم يدع في خاطري مكاناً لامرأة أخرى.
هل مازلت عند رأيك من عدم الزواج مرة أخرى؟
نظر العجوز إليه وهو يداعب شعر لحيته الأشعث ثم قال: يا طويل العمر تراك ( شايف) لقد سرقت سنوات العمر ولم يترك لي ما يمكنني من إسعاد امرأة، ولذلك أرى أنه من الأفضل، أن أعيش ما تبقى لي من العمر بين الأشجار وخلايا النحل لمساعدة المرضى على الشفاء.
زواجك لن يمنعك من الاستمتاع بجمع خلايا عسل النحل بل فإن الزوجة ستساعدك في ذلك. هل تظن بأن في هذا الكون الواسع امرأة يمكنها أن تقبل بي زوجاً لها، فالمرأة اليوم غير حريم زمان فهي تبحث عن الراحة ومباهج الحياة في حين أنا أبحث عن خلايا النحل بين الأشواك.
إذا كنت تقصد بنات البلاد فالمشكلة محلولة تماماً، ففي الدول الأخرى مثل الهند العديد من البنات الشابات اللاتي ينتظرن أمثالكم، وليست للواحدة منهن من مطالب سوى أن تعيش مع رجل يطعمها ويرعاها. نظر العجوز إلى الضيف باستغراب ثم بادره:( يا ريال تقول الهند، إذا كان أبعد مكان أقدر أصل إليه هي الغابة فكيف أسافر إلى الهند التي لا أعرف أين هي ولا كلام أهلها، ولا كيف أسافر إليها)!!
(أبوي اترك عنك كل هذه الأشياء، فالأمر عندي أنا أستطيع أن آتي لك بالمرأة تتمناها وأنت جالس في منزلك أو في الغابة تجمع العسل فأنا «دلال» حريم).
والله ما فهمت عليك أبداً.
(الآن أستطيع أفهمك زين).
أدخل الضيف يده في جيبه ثم أخرج ألبوماً مملوءاً بالصور الفوتوغرافية لفتيات من بلاد الهند وطلب من العجوز أن ينظر إليهن عله يختار منهن من يشاء لكنه بعدما نظر إلى الصفحة الأولى أغلقه وأعاده إلى الضيف وبدا على وجهه حزن مرير واغرورقت عيناه بالدموع لكنه استحى أن يبكي أمام الضيف الذي سأله:
(شو غيرت رأيك؟).
(سامحني.. الآن ما أقدر أسوي شيء).
(زين فكر في الأمر قبل أن أمر عليك في يوم آخر).
وضع الضيف «ألبوم» الصور في جيبه ثم استأذن مغادراً المنزل بينما بقي العجوز جالساً على الأرض واضعاً وجهه بين كفيه وراح شارداً مع ذكريات الماضي فتذكر زوجته الراحلة التي تزوجها بعد صراع مرير مع شخص آخر هو ابن خالها.
وبالرغم من قصر مدة زواجهما وعدم إنجابهما أطفالاً إلا أن تلك الأيام التي عاشاها معاً كانت مشحونة بالسعادة، فقد كانت تشاركه الخروج إلى الغابة لجمع خلايا عسل النحل فتحمل هي فوق رأسها ماء الشرب والأكل بينما يتأبط هو معاول قطع الخلايا.وقبل أن يصعد الزوج الأشجار لإنزال الخلايا تتولى الزوجة مهمة إزالة الأغصان والأشواك لتفتح الطريق أمامه.
وذات يوم انهمك الزوجان في عملهما بين الأشجار الكثيفة إلى ما بعد مغيب الشمس حيث لف ظلام دامس المكان فلم يعد ممكناً رؤية الأشياء بوضوح، فضلا عن طريقهما وسلكا درباً آخر أكثر وعورة، وفجأة صرخت الزوجة وجعاً من لدغة ثعبان سام وطأت عليه بقدمها،
فهرع إليها زوجها بعدما رمى كل ما في يديه وحملها على كتفه إلى المنزل وراح جاهداً يسحب السم من جسمها واستدعى لها كل من خطر له أن بوسعه إنقاذها، لكنها سرعان ما فارقت الحياة، ويوم جرى نقلها إلى مثواها الأخير سقط زوجها أمام المعزين مغشياً عليه فخطر للكثيرين أنه لا محالة لاحقاً بها،
غير أنه استجمع قواه ونهض وشارك في دفنها، لكنه ما فتئ حزيناً عليها يبكيها سراً وعلانية دون أن يفكر في الزواج مرة أخرى فبقي عازباً ليس عنده من هم آخر يشغله سوى جمع خلايا عسل النحل.ومن بعد زيارة الضيف إلى منزله تغيرت أمور عديدة لدى العجوز فأخذ يفكر في الكلام الذي سمعه منه ولم تغب صور الفتيات الجميلات عن خاطره وتمنى عودة الدلال إليه.
مرت أيام عديدة قبل أن يرى الدلال مرة أخرى في منزله، كانت بالنسبة للعجوز دهراً وعندما جلسا معاً تحدثا عن الزواج بصراحة فسأل الضيف:
بشّر ماذا فعلت بشأن الزواج؟
في الحقيقة كلامك طيب، وأنا أطلب منك الوقوف معي حتى وصول الزوجة إلى منزلي.
ـ فالك طيب فأنا سوف أسافر إلى الهند نيابة عنك لإتمام الزواج بحسب التوكيل الشرعي وإحضار الزوجة معي وتوصيلها إلى غرفتك ومراعاة لظروفك سوف تكون أتعابي قليلة جداً مقابل ذلك.
ـ يا «ريّال» لا تفكر في المال فسوف أعطيك كل ما تأمر به لأنك تقوم بعمل خير من أجلي.
عاد الرجلان يتصفحان صور الفتيات الهنديات وقد توقف العجوز عند الكثيرات منهن فقال:
ـ بصراحة ما قدرت اختار
ـ شو الحكاية
ـ يا «ريّال» الجوعان ما عنده خيار
ـ المهم حاول مرة أخرى وسوف تصل إلى النتيجة
راح العجوز يتصفح الصور واحدة تلو الأخرى ويركز النظر على بعضها وهو يبتسم ويتمتم بكلمات غير مفهومة لكن صورة فتاة دون غيرها هي التي استرعت انتباهه فوقف عندها مرارا ونظر إليها ملياً ثم تحدث إلى «الدلال»
ـ شو رأيك في هذه الفتاة.
ـ صحيح أنت ريال عجوز لكن عسل النحل أعطاك قوة الملاحظة، فهذه الفتاة هي من أسرة فقيرة وما تزال تدرس وإذا وافقت عليها فسوف اقنع أسرتها بزواجك منها.
ـ توكل على الله أنا موافق
سافر الدلال إلى الهند وهو يحمل رغبة العجوز في الزواج من الفتاة وقدم معلومات مغلوطة لأسرتها قال لوالديها:
ـ جئت لابنتكم بعريس يملك الكثير من خيرات الأرض فهو صاحب أسهم في شركات البترول والغاز ولديه مجموعة من البواخر والجيال.
ـ ذلك شيء جميل لكن ما نخشاه هو وجود زوجة أخرى تقتل أو تعذب ابنتنا.
ـ اطمئنوا فإن من حسن حظ ابنتكم أن الرجل ليست عنده زوجة ولا أولاد فهو يعيش بمفرده في قصره الذي لا أرى له مثيلاً عندكم.
تشاورت الأسرة في ما بينها وحاولت إقناع ابنتها بفسخ خطوبتها من زميلها الجامعي فرفضت وهددت بالانتحار إن هي أجبرت على الزواج من غير خطيبها، لكن أمها توسلت إليها بأن زواجها من الرجل الثري سيساعد في إنقاذ حياتها من مرض السرطان وأيضاً بفتح الطريق لأفراد الأسرة كي يسافروا ويعملوا في بلاد غنية.
لم تجد الفتاة من مفر سوى الامتثال لقرار الزواج الذي رأى الدلال إتمامه على عجل. وفي غضون أيام قليلة انتقلت الفتاة من بلادها لتقيم مع زوجها العجوز في منزله وهي مذهولة لا تصدق ما ترى، فهي لم تر شيئاً مما اخبرها عنه الدلال فأصيبت بانهيار عصبي جعلها في حالة أشبه بالجنون.
قالت يوماً له:
ـ أرجوك طلقني.
ـ ما عندي شيء اسمه طلاق.
ـ أرجعني لأهلي وسوف أعود إليك مرة أخرى.
ـ لطالما أنك وصلت إلى هنا لا تفكري في السفر إلا إلى القبر.
فكرت في الهروب من المنزل لكنها فوجئت بعدم معرفتها بدروب المنطقة.
راودتها العديد من الأفكار لإنقاذ نفسها غير أنها كانت كلها فاشلة. وفي ذات ليلة مقمرة بقيت ساهرة حتى تأكد لها بأن زوجها غارق في نوم عميق فتسللت خارج الغرفة وأحضرت سكيناً كانت تستخدم في قطع خلايا عسل النحل وسددتها إلى صدر زوجها ففارق الحياة بينما ذهبت هي لفراشها لتأخذ قسطا من النو.
إعداد: سليمان الماحي
