لا يمكن للعاقل أن يعطى الصلاحية الكاملة للعقل البشري مهما بلغت ذروته في النشاط التفكيري والابتكار العلمي بحيث يقول الإنسان إن هذا العقل يستطيع أن يقدم الحلول المناسبة للحياة البشرية. فهذا القول من المحال تطبيقه على أرض الواقع بسبب خروج هذا العقل عن مبادئ الفطرة السوية وعدم الاسترشاد بالهدي الرباني فهو إذا قاصر عن إدراك كثير من الحقائق العلمية فعلمه محدود وأثره على الحياة البشرية قليل ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) «الإسراء/85

يقول د. ألكسيس كاريل (ت 1944 م) في كتابه القيم والمشهور (الإنسان ذلك المجهول) عن العلم المادي وقصوره في الحياة منتقدا هذا العقل في كثير من الأمور من ضمنها عجزه التام عن تفسير كافة الظواهر الكونية أو التي تخص البشرية.. حيث يقول: في معرض حديثه (إن العلم الذي حوّل العالم المادي الإنسان بالقوة على تحويل نفسه... ف

قد كشف له عن بعض ميكانيكيا الحياة السرية.. واراه كيف يعدل حركته، وكيف يصوغ جسمه وروحه في قوالب ونماذج ولدتها رغباته... فلأول مرة في التاريخ أصبحت الإنسانية، بمساعدة العلم، سيدة مصيرها... ولكن هل سنصبح قادرين على استخدام هذه المعرفة بأنفسنا لمصلحتنا الحقيقية؟ يجب أن يعيد الإنسان صياغة نفسه حتى يستطيع التقدم ثانية... ولكنه لا يستطيع صياغة نفسه دون أن يتعذب...

لأنه الرخام والنحات في وقت واحد. ولكي يكشف عن وجهه الحقيقي يجب عليه أن يحطم مادته بضربات عنيفة من مطرقته. ولكن الإنسان لن يستسلم لمثل هذه المعاملة اللهم إلا إذا دفعته الضرورة لذلك دفعا.. ذلك لأنه طالما كان محاطا بأسباب الرفاهية والجمال ومعجزات الميكانيكا التي أوجدتها التكنولوجيا، فإنه لن يدرك كم هي عجلة تلك العلمية إنه يفشل في أن يدرك أنه ينحل.

ويتساءل لماذا يجب عليه أن يجاهد لتعديل وسائل حياته وتفكيره) وهذا بطبيعة الحال لم يخطر ببال احد من هذه العقول التقنية فصحيح أن بعض العقول أدركت خطورة ذلك الأمر بضرورة تغير وتعديل نمط وسائل الحياة والتفكير فيها هذا النمط الذي يسيسه الساسة للبشرية من اجل الاستحواذ على أفكار الشعوب والسيطرة عليهم وقد كان ذلك الإدراك من قبل العقلاء المادين مثل هذا الدكتور وغيره من المعاصرين كالبروفيسور النرويجي وعالم الاجتماع يوهان غالتونغ.

وفي موضع آخر من الكتاب المذكور للمؤلف يتحدث عن عدم استطاعة الإنسان تنظيم دنياه بنفسه بسبب جهله عن ذاته وأن هذه الحضارة ستسقط كما كان نصيب غيرها من الحضارات الراقية التي سقطت بسبب عدم ملاءمة مقوماتها التكنولوجية والتقنية الحياة البشرية فيقول (يجب أن يكون الإنسان مقياسا لكل شيء..

ولكن الواقع هو عكس ذلك، فهو غريب في العلم الذي ابتدعه... إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة علمية بطبيعته.. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منه الإنسانية.. فالبيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقوامنا ولا بالنسبة لهيئتنا..

إننا قوم تعساء لأننا ننحط أخلاقيا وعقليا... إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هي، على وجه الدقة، الجماعات والأمم الآخذة في الضعف والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها، ولكنها لا تدرك ذلك، إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف العدائية التي شيدها العلم حولها...

وحقيقة الأمر أن مدينتنا مثل المدنيات التي سبقتها، أوجدت أحوالا معينة للحياة من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة. وذلك لأسباب لا تزال غامضة... إن القلق والهموم التي يعاني منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية...إننا ضحايا تأخر علوم الحياة عن علوم الجماد...)

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي