قال الشيخ: حديثي عن والدي، رحمه الله، لا يأتيه منه ولا يأتيني شيئاً، فهو اليوم بإذن الله، ولا نزكي على الله أحداً، في رحمة ربه أكثر غنى من ان يزيده حديث الناس عنه شيئاً، بعد ان استطاع ان يعبر مخاضة الدنيا بأكثر ما يرضي الله وبأقل ما يغضبه. أما أنا فلن يغني عني والدي شيئاً لا في هذه الدنيا الفانية التي أصبحت تعتمد موازين لوزن الرجال تتصل بالمال والجاه والشطارة والمهارة، ولا في الآخرة

حيث كل نفس بما كسبت رهينة وحيث لا تزر وازرة وزر أخرى. وبهذا يكون ما أسوقه من حديث عنه رحمه الله مجرد تذكير بطبقة من الرجال قريبة العهد بنا، فلا يكون اختلاف الزمان وبعده سبباً في أن نقول: لهم زمانهم ولنا زماننا ولهم دينهم ولنا ديننا. وان كانت هذه الحجة الواهية لا تصمد أمام النقد ففي كل زمن عزائم وهمم ومزالق وعثرات،

ومن أراد ان يأخذ بهذه الحجة فإن له أن يقول ان عصوراً غابرة تفصل بيننا اليوم وبين أولادنا مع سرعة تحول الزمان والمكان حتى لا يبقى للحوار بين الأجيال أو بين الأب وابنه، أو بين الشيخ ومريده، أو بين المدرس وتلميذه فرصة تذكر.

وقد قلت لكم يوماً ان ما عرفناه عن والدي بعد موته يعادل أو يزيد عما عرفناه عنه في حياته، وكان مما لمسناه في حياته حبه واحترامه للعلماء، ورفضه ان يخوض واحد منا أو من غيرنا في ما يمس عالماً منهم كائناً من كان، ولا يخفي أثر مثل هذا الخوض في إذكاء نيران الفتن، وقد عرفت بلادنا وخبرت من هذه الفتن الشيء الكثير،

وفي أمسية من الأمسيات الثلاثة التي سار العرف على جعلها أمسيات للعزاء يستقبل فيها ذوو الفقيد الأهل والأقارب والاصدقاء، زارنا في بيت العائلة شيخ جليل وعالم فضيل هو الشيخ كريم راجح، وما كنا في حياة الوالد نعلم ان صلة قامت بينه وبين الشيخ، وبعد قراءة ما تيسر من القرآن طلب الشيخ بتواضع العلماء الإذن للحديث،

وبعد ان حمد الله وصلى على رسول الله راح يتحدث عن فضائل الفقيد حتى كأنه كان يعيش معنا، ثم قال ان أياماً جمعت بينه وبين والدي وهو يميل الى ان يقص قصتها، فقد حدث ان مرضت زوجة الشيخ الجليل مرضاً عضالاً ـ وهو مجال اختصاص والدي رحمه الله ـ فلجأ الشيخ بزوجته إلى والدي الذي كان يحتل منصب المدير العام لأهم مؤسسة طبية تعنى بأمثال هؤلاء المرضى،

وتحدث الشيخ عن العناية الفائقة والاهتمام الخاص اللذين كان والدي يبذلهما للشيخ وزوجته في زمن كان قد انقلب على أمثال هؤلاء العلماء حيث لا يملكون إلا التقوى والعلم والنصيحة ـ ونعم ما يملكون ـ وحيث لا فائدة ترجى منهم في مجتمع أدار ظهره لهم.

وقال الشيخ ان والدي رحمه الله مع عظم منصبه كان يصر على ان يقوم بنفسه بتطبيق الجلسات الشعاعية لزوجته، مع ان طبيعة الحال كانت تسمح له بأن يسلم هذه المهمة، لأي طبيب أو فني آخر، إلا انه رحمه الله كان يقسم ألا يداوي زوجة الشيخ إلا هو، وقد مرت فترة ـ كما يقول الشيخ ـ كان والدي يبادر بالسؤال عن زوجة الشيخ وبزيارتها وفحصها ورعايتها حتى أذن الله لها بالشفاء.

وفي يوم أراد فيه والدي التأكد من الشفاء الكامل حضر الشيخ وزوجته وقام والدي بما يلزم من إجراء فحوص وتحاليل وصور ثم خرج اليهم ـ والحديث للشيخ كريم راجح ـ وهو يتراقص فرحاً ويصفق بيديه ويردد: شفيت زوجة الشيخ، شفيت زوجة الشيخ. وهكذا كان له رحمه الله ميزانه القويم في تقييم الرجال،

ومن أولى من العلماء وورثة الأنبياء بالاحترام والتبجيل والعناية والاحترام! دون أي اعتبار للمصالح المادية، فقد كان والدي يعمل في مؤسسة حكومية موظفاً له راتبه، وقد قيل لنا في أمسيات العزاء انه رحمه الله لو أراد ان يشتري دنياه بآخرته لجمع مال قارون من جيوب المرضى والفقراء والأغنياء أو من المال العام.

وقد اجتمعنا في هذه الأمسيات بصغار الموظفين في المؤسسة نفسها، وقد رأينا العيون ملئت بالدموع حزناً وأسفاً على رحيل الفقيد، وقد رووا لنا قصصاً عن رعايته لهم وحمايته لهم والذود عنهم وتقدير ظروفهم المعيشية الضيقة، وقد كان كثيراً ما يلغي العقوبات الإدارية التي تأتي بحقهم مع عتاب رقيق ولوم رحيم.

لم يكن والدي رحمه الله ذا مال وفير ليسر الآخرين بفضوله، ولكنه كان صاحب صدر كبير ومشاعر صادقة وأدب مع العلماء وعطف على المساكين، وقد عمل في أسوأ الظروف فكان يفيد من المتاح في رعاية المرضى وعلاجهم، وقد انطبق عليه بالفعل قول الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم: انكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بسعة صدوركم، رحمه الله وشفعه فينا بإذنه عز وجل.

ماهر سقا أميني