نوه الإسلام بقيمة الوفاء بالدين وحث المستدين على الإحسان في توفية الدين، وذلك بأن يمشي إلى الدائن ولا يكلفه أن يمشي إليه يتقاضاه، ومهما قدر على أداء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته، وليسلم أجود وأحسن مما أخذ سواء في الصفة أو العدد طالما أن الزيادة ليست مشروطة في عقد القرض، وليس هذا من باب قرض جر منفعة، وإنما هو من السنة ومكارم الأخلاق، ومهما كلمه صاحب الحق بكلام خشن فليحتمله وليقابله باللطف، وليشكره على ما صنع فيه من معروف.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حث المدين على أداء الدين وترغيبه في أن ينوي الوفاء: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله» رواه البخاري.وفي المدين الذين لا يبالي بعاقبة أمره ولا يهتم بطريقة الخلاص من دينه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل يدين ديناً وهو مجمع أن لا يوفيه إياه لقى الله سارقاً» رواه ابن ماجه والبيهقي.

وفي تحذير المتمكن القادر على السداد من المماطلة والتقصير في الأداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغنيّ ظلم، فإذا أتبع (أي أحيل) أحدكم على ملئ فليتبع» رواه البخاري ومسلم. وفي حسن القضاء واحتمال الكلام الخشن من صاحب الدين جاء أن رجلاً تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغلظ له، فهم أصحابه، فقال: «دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتروا له بعيراً، فأعطوه إياه» وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سِنّه، فقال صلى الله عليه وسلم: «اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء» رواه البخاري ومسلم.

وفي شكر الدائن على القرض الذي أقرضه والمعروف الذي صنعه وقدمه جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من أحد أصحابه حين غزا حنيناً ثلاثين أو أربعين ألفاً فلما قدم قضاها إياه ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» رواه ابن ماجه والنسائي.

إن قضاء الدين في حقيقة الأمر يحصل للعبد بتوفيق الله تعالى، وما استجلب التوفيق بمثل المبالغة في الدعاء وطلب المعونة والاستكثار من إظهار مسيس الحاجة والافتقار إلى رب العالمين. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال: «يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة». قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله.

قال: «أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك؟». قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال». قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني. رواه أبو داود.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيمها من تشاء وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك». رواه الطبراني في الصغير.

د. قطب عبد الحميد قطب