انتشرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في الفترة الأخيرة عبارة يحلو للبعض أحيانا أن يرددها، وهي «العمل عبادة» وذلك عندما يستغرق الإنسان في العمل فقط دون أن يعطي لباقي العبادات حقها، بينما على النقيض هناك آخرون ينقطعون للعبادة فقط دون العمل..

والأصل في الإسلام أنه دين شامل لا يفصل حركة الحياة عن فكرة التعبد لله سبحانه وتعالى، حتى وإن كانت هذه الحركة من حركات تحصيل مكاسب دنيوية فقط.. ولكنه حث على الموازنة بين العبادات في صورتها المألوفة، وبين العمل الذي يراد به كسب الرزق، فلا إفراط ولا تفريط.

وحول رؤية الإسلام للعمل وعلاقته بالعبادة يقول فضيلة شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي: الإسلام دين سعي وكسب، يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، يمتدح المؤمن القوي والغني النقي ويزكي المؤمن المحترف، ويكره الخالي من العمل، ولقد استأذن بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يبيعوا عقارهم وأموالهم ويشتروا بها سلاحا وخيلا يجاهدون بها في سبيل الله،

فنهاهم عن ذلك وقال «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها» واستأذنه أحدهم في أن يتصدق بكل ماله فنهاه عن ذلك، واستأذن آخر في اعتزال الدنيا والتفرغ للعبادة فنهاه وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص: ألم أخبر بأنك تقوم الليل وتصوم النهار؟

قال: بلى يا رسول الله قال: فلا تفعل فإن لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه، فإن جاءت بعض النصوص الشرعية داعية إلى التفرغ لعبادة الله، فإن هدفها العبادة التي فرضها الله بالإخلاص في أدائها والمحافظة عليها، فمتى دخل وقت الصلاة المفروضة كان حتما أن تبادر إلى أدائها بشروطها وأركانها وسننها وأن تترك من أجلها كل ما يشغلك عنها.

وأضاف شيخ الأزهر أن العمل الصالح هو همة التقي ولا يضره مع ذلك جوارحه بالعمل والكسب، لأن الدنيا متاع يتمتع بها المؤمن إلى ما هو خير منها، يزرع فيه ليحصد الثمرة رضوانا من الله ورحمة وهدى يعمل في دنياه عملا لا يضر بآخرته.. ويعمل لأخرته بما لا يضر بدنياه،

ومن ثم كان على المؤمن أن يجد في العمل للدنيا وللآخرة، بل إن العمل الذي ظاهره للدنيا مع النية الطيبة هو عمل يثاب عليه من الله، فما زرع زارع زرعا فأكل منه إنسان أو حيوان إلا كان له به صدقة، وإن سعي الرجل ليعف نفسه عن المسألة صدقة، وإن سعيه على رزق زوجته في سبيل الله نوع من أنواع الجهاد كما جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقت للعبادات

ويقول د. محمد إبراهيم الفيومي المفكر الإسلامي: عندما جاء الإسلام كان العرب يجنحون إلى البيان والشعر ويرون أن الاشتغال بالحرف والصناعات أو العلوم الطبية أو الفلاحة من خصائص الطبقات الفقيرة فحارب الرسول صلى الله عليه وسلم هذه العادات الجاهلية في أحاديثه الشريفة الكثيرة حول العمل وفضل الزراعة والاحتراف والعمل اليدوي «ما كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده»،

ودفع بابنه إبراهيم إلى زوجة أبي سيف العبد الحداد كي ترضعه، وكان الرسول يتردد على أبي سيف وهو ينفخ في كيره وقد امتلأ البيت بالدخان، ودعاه خياط في المدينة إلى طعام فاستجاب الرسول صلى الله عليه وسلم، واصطحب معه أنس بن مالك.

ويوضح د. عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن أداء الفرائض ومنها اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان يجب أن يكون في حالة أن يكون المسلم لديه فضل من الوقت وألا يعوق هذا الاعتكاف عمله أو يعطل مصدر رزقه، فشرط الاعتكاف أن يكون الإنسان مستعد بالوقت والمال لقضاء هذه الفترة في العبادة الخالصة لله،

وهو ما يتطلب توفير المسلم لقوته وزاده ووقته خلال فترة الاعتكاف وألا يكون عالة على أحد خلال هذه الفترة، وإلا أصبح اعتكافاً غير مقبول، وكذلك حتى لا يتسول الآخرين، ولكن قبل أن يدخل المسلم في اعتكافه يجب أن يوفر لنفسه ولأسرته ما يحتاجونه من مستلزمات الحياة من مأكل ومشرب وملبس حتى يتفرغ للعبادة، ولا يكون هناك شاغل عنها، وإلا أصبح الاعتكاف بلا فائدة.

عمارة الكون

ويبرهن د. عبد الفتاح الشيخ رئيس جامعة الأزهر الأسبق على أن الإسلام حث على العمل ويقول: الإسلام يشد الناس إلى العمل حتى عقب الصلاة مباشرة «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون» وقال سبحانه وتعالى: «فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور»، وسوى سبحانه بين المجاهدين وبين الساعين على الأرزاق «وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله».

وأضاف د. الشيخ أن الإسلام الحنيف يقوم على العمل الصادق وعلى عمارة هذا الكون، ولو فقه المسلمون القرآن ولاذوا بسنة محمد صلى الله عليه وسلم لعرفوا أن العمل عبادة وأن الأنبياء امتهنوا المهن فها هو سيدنا نوح عليه السلام عمل بالنجارة، وسيدنا داوود عمل بالحدادة وسيدنا موسى عمل برعي الغنم فالعمل والعمر مسؤولية يسأل عنها الإنسان أمام الله تعالى يوم القيامة

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أضاعه، وعلمه ماذا عمل به، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ،كما أن الله سبحانه وتعالى أمر الناس أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، والإنسان حتى قبل أن يعمل في مكان ما وعلم أنه يحصل على أجر كذا فيجب عليه أن يعمل بجد، لأن ذلك من الأمانات التي يسأل عنها بين يدي الله سبحانه وتعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».

القاهرة - وكالة الصحافة العربية