سارة جبور فتاة حلمت بالتفوق فرافقها طيلة مشوارها الدراسي، ومن الصف الثالث الأساسي كانت انطلاقتها في مدرسة الراشد الصالح الخاصة في دبي، وظلت عاماً بعد عام تتسلق سلم الاحتراف والنجاح وتعتلي القمة بالمرتبة الأولى التي أبت الانفصال عنها، والدها كان شعاع الأمل الذي يرسم لها نهج المثابرة والنجاح، ووالدتها كانت الوقود الفعلي في هذه المسيرة، اختارا لها منذ طفولتها لقب «الدكتورة» وأهلاها لتظل محافظة على متطلبات هذا التخصص المنتظر بعد انقضاء مرحلة المدرسة.

وحفاظاً على وعد خفي، راح التفوق ينساب بسهولة مواكباً مسيرة تلك الفتاة التي أبت إلا أن تحقق حلم والدها، ومضت سنوات تراكمت فيها الشهادات والكؤوس والهدايا المقدرة لتفوق سارة، وقبل أن يكتمل حلم وإصرار هذه الفتاة البريئة قال القدر كلمته فذهبت روح والدها إلى بارئها في حادث تعرض له بينما كان في بلده سوريا، حينها لازمت تلك العائلة حالة من الحزن والقلق، كيف لا وقد فقدت مصدر رزقها الأول فأصبح الأبناء مهددون بفشل دراسي بفعل الواقع الذي يعيشونه.

رغم ذلك لم تقف والدتهم التي أكرمها الله كما تقول بولد اسمه فراس وابنتين اسمهما سارة وساندي، فلملمت هذه الأم أوراقها قبل أن تتبعثر وأخذت تبحث عن مخرج، لا سيما وأن ابنها الأكبر فراس كان في السنة الثانية من دراسته الجامعية حيث يدرس الغرافيك والتصميم في الجامعة الأميركية في الشارقة، بينما سارة بطلة هذا الفيلم كانت تقاوم هزيمة التفوق من ذاكرتها وتصر على وعدها الخفي الذي تحملته بابتسامة طفولية رداً على أمنيات والدها الذي تركها على ما يبدو في وقت هي أحوج ما تكون إليه.

في تلك الأثناء وجد الابن الأكبر فراس ألا مخرج مما أصابهم سوى ترك الدراسة الجامعية والبحث عن عمل يقيه شر الحاجة لإكمال تعليم شقيقتيه المتفوقتين، لا سيما وأن وفاة الأب أفقدت العائلة مصدر رزقها الأساسي، فوظيفة الأم المعلمة لا تكفي لسد حاجات أبنائها، وبالفعل وجد ولدها فرصة العمل التي بحث عنها وأنهى فصلاً من حياته على حساب مستقبله من أجل تأمين مستقبل من يحتاجونه في هذه المواقف.

سارة الفتاة المتفوقة الواثقة لم تضع نفسها في موقف سلبي حينما سرق منها القدر حنان ومتابعة والدها تاركاً لها أمنياته، ففي العام الذي صادف وفاته أنهى أخاها الكبير فصله الأخير في الجامعة قبل موعده بعامين ولم يصمد أمام متغيرات واجهت عائلته حيث لا مصدر رزق يفي حاجة العائلة لدراسة أبنائها، بينما تمكنت شقيقته سارة من إنهاء سنة دراسية هي الأصعب بنجاح وتفوق وبمرتبة أولى اعتادتها ولم تتخلَ عنها.

سارة وساندي لازمتهما ملامح تفوق وثقة منذ الطفولة، ولم يخف على أحد أن السبب في ذلك يعود إلى والدتهما التي أفرغت كل ما لديها من أجل تأمين مستقبل خال من التشوهات لفتاتين لا يملكن سوى الإرادة ورد الجميل، وبذلك تعيد هذه الأم الكرة إلى ملعب ابنتيها داعية إياهما إلى مزيد من التفوق والعطاء لا سيما وأن أخاهما الأكبر يقف إلى جانبها في توفير أجواء معيشة غير بعيدة عما كانت عليه الأسرة قبل وفاة الأب.

وتلبية لدعوة الأب لابنته سارة بالمحافظة على التفوق والاستمرار فيه حتى تتمكن من حجز مقعد لها في مشوارها المستقبلي مع الطب وتحقق حلم والداها الذي رسم كقدر لها في المستقبل، ومنذ أن توفي الأب حرصت هذه الفتاة كوعد أخذته على عاتقها بأن تأتي مع نهاية كل سنة دراسية بشهادة تقدير للمرتبة الأولى وميدالية ذهبية وكأس تكريماً لجهودها وتفوقها في الدراسة، ولا تتوقف عند هذا الحد حيث تمنح ما تحصل عليه هذه الطالبة كهدية تقديرية لصورة والدها المتوفى والتي تحتفظ بها على الدوام.

يوم إعلان النتائج وقفت سارة واثقة ومتسلحة بإيمان قوي تنتظر نتيجتها التي لا ولن تقل عن الـ 99 في المئة كما يسود الاعتقاد لدى جميع أفراد عائلتها، وعند وقت الظهيرة لم تحتمل العائلة لحظات الترقب والانتظار، فبعد أن أجرت عشرات الاتصالات الهاتفية مع وزارة التربية والتعليم والصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية للسؤال عن وقت إعلان النتيجة، اضطرت بفعل الضغط النفسي الذي واجهته في تلك الساعات إلى الذهاب إلى عائلة صديقة للمواساة والتسلية والتخفيف من حالة الضغط والترقب.

في هذه الأثناء أخذت سارة المترقبة والمتوجسة تتصفح مواقع إلكترونية كثيرة لمتابعة النتائج، ومن بينها كان موقع «البيان» الإلكتروني الذي أسرع في نشر أسماء الأوائل، ولكن القدر أصر مرة ثانية أن يحرمها من أمل منتظر، إذ لم يكن اسمها بين قائمة الأوائل العشرة، فلم تصدق ما رأته عيناها، وأصرت على أن اسمها ربما سقط سهواً من قائمة الأوائل، مؤكدة أن نتيجتها لا يمكن أن تقل عن 99 في المئة، لا سيما وأن نتيجة العاشر في قائمة الأوائل للفرع العلمي كانت 1. 99 في المئة.

عند هذا الحد لم تقف الأم عاجزة، وكعادتها أعادت للبيت فرحته من جديد، وأصرت على أن ابنتها حصلت على المرتبة الحادية عشرة على مستوى الدولة، وهي نتيجة مشرفة ولا بد من النظر إليها بعين الإيجابية، لا سيما وأن تحصيل سارة في مواد الكيمياء والأحياء والرياضيات كان مئة في المئة، وهو ما يزيد من احتمالية حصولها على مقعد مجاني لدراسة الطب.

دبي ـ عنان كتانة