يمثل توفير الأمن والاستقرار أهم ركائز الدولة الحديثة والضامن الأساسي لتحقيق التنمية وحماية المكتسبات الوطنية. وبعد أن تحول العالم إلى قرية واحدة بفعل تطور وسائل الاتصال والمواصلات وتشابك المصالح، أصبحت مهام ومسؤوليات الشرطة والأجهزة الأمنية بصورة عامة مضاعفة ومتشعبة، خاصة في بلد تتعدد فيه الجنسيات وتتنوع الثقافات بسبب العمالة الوافدة بإعداد كبيرة ومتزايدة، كما هو الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة.
شرطة دبي التي تحتفل هذه الأيام باليوبيل الذهبي لتأسيسها، نالت العديد من الشهادات العالمية بالتميز والكفاءة، فضلا عن التقدير والاحترام اللذين تحظى بهما من قبل الجمهور المحلي والزائرين من مختلف أصقاع العالم. فكيف حققت هذه المكانة المتميزة؟ وما هي التحديات والعراقيل التي واجهتها خلال مسيرتها على مدى نصف قرن؟
كانت هذه التساؤلات وغيرها موضوع الندوة التي عقدتها وحدة الدراسات في «البيان» تحت عنوان «شرطة دبي.. نصف قرن من الانجازات والتحديات»، وتناولت عدة محاور حول الاستراتيجية العامة لشرطة دبي، وما حققته في مجال التوطين، إضافة إلى تأهيل وتدريب الكوادر الشرطية، ومدى الاستفادة من التطورات التكنولوجية، ثم تجربة الشرطة النسائية وتجربة المؤسسات العقابية والإصلاحية، فضلا عن تجربتها المتميزة في مجال حقوق الإنسان.
أدار الندوة د. محمد عبد الله المطوع رئيس وحدة الدراسات، وشارك فيها الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي وعدد من المختصين والمهتمين بالشأن العام وعلاقة الشرطة بالمجتمع ودورها في تحقيق الأمن وحماية حياة الناس وممتلكاتهم. وفي ما يلي الحلقة الثالثة والأخيرة..
* د. محمد المطوع: اعتقد أننا غطينا جانب التوطين والتأهيل..
* د. منى البحر: هناك جانب التدريب أيضا، فشرطة دبي لديها الكثير من المشاريع التدريبية ولا تتوقف فقط عند ابتعاث بعض الأفراد للدراسة في الخارج. فهناك الكثير من الدورات التي تعقد على مدار السنة، وليس فقط للشرطة وإنما كذلك للموظفين المدنيين كالأخصائيين الاجتماعيين وغيرهم.
* الفريق ضاحي خلفان: بالنسبة للتأهيل، كان معي بالأمس مدير أكاديمية الشرطة ليطلعني على موافقة وزارة التربية والتعليم على اعتماد ماجستير في العلوم الشرطية وماجستير في البحث الجنائي وماجستير في علم القانون الخاص، هذا بالإضافة إلى أننا، بالنسبة للتعليم الالكتروني، نتوقع أن تصلنا في الأيام المقبلة رسالة بالموافقة على أول مؤسسة للتعليم الالكتروني تتم الموافقة عليها.
لكن الشيء الذي عندنا، نحن للأمانة قضية صديقي المعروفة (سرقة) وهي أول حالة من هذا النوع تحصل عندنا على مدى 37 سنة، لكنها جعلتنا نقوم بإعادة تقييم موقف. فمسؤول الدورية لم يتعامل بشكل جيد مع المشتبه فيه، وكان بإمكانه إلقاء القبض عليه. صحيح أن المباحث قبضوا عليه بشكل فني ورائع وحولوا الجاني من مجهول إلى معلوم.
لكن هذه الحالة جعلتني انكب على وضع خطة تدريب للدوريات، وبعد أسبوع واحد من الحادثة بدأت الإعداد لذلك، ولدينا الآن مجموعات تتدرب لتصبح دورية الشرطة قادرة على التعامل مع أي موقف، بمعنى أن منهج تدريب الدوريات تغير كله. ونحن نهيئ قوة الشرطة بحيث تكون مستعدة لأي طارئ.
وحين نتحدث عن معالجة الاختلالات الأمنية، فمن خلال حالة واحدة رغم أننا أنهيناها خلال أسبوع، إلا أن تردد مسؤول الدورية جعلنا نغير الاختبارات التي تقدم لهم والمهارات التي يتلقونها ووضعنا برنامجا متكاملا للياقة البدنية ومهارة التصويب والجرأة والقدرة على تحديد الموقع ومعرفة أين يكون عند حصول أي حادث. وهذا النوع من التدريب لم يكن موجودا بالنسبة للدوريات، حيث كان التركيز على كيفية تعاملها مع الناس معاملة طيبة، أما الآن فقد أصبحوا أكثر احترافا.
* غسان العريضي: ضمن التغييرات التي حدثت في دبي يمكن أن تدخل نوعيات مختلفة من الناس قد يكون من بينهم من يعمل في الجريمة المنظمة وعنده جاهزية كبيرة، فالدوريات القديمة كان الشرطي يبدو فيها بوجه المسالم الذي يجعل الجميع يحترمونه لكنهم ربما لا يخشونه..
* الفريق ضاحي خلفان: وحتى الآن يتعاملون مع الناس بلطف، إلا اللصوص والمجرمين..
* غسان العريضي: يمكن أن يكون لطيفا، لكن في نفس الوقت يستطيع التعامل بحزم عند اللزوم، فالدورية هي أول من يحتك مباشرة مع المجرم ولابد أن يكون أفرادها مؤهلين لمثل هذا الموقف، نفسيا وجسديا وقتاليا ..الخ.
* د. منى البحر: باعتباري شاركت مع شرطة دبي في مجال التدريب، يجب القول هنا إن شرطة دبي من المؤسسات الشرطية الرائدة في أن كل مركز للشرطة يوجد فيه مكتب خدمة اجتماعية للتعامل مع القضايا الاجتماعية والأسرية اليومية، وقد كان هناك تدريب مكثف لضباط الشرطة العاملين في هذه المكاتب، وأنا ساهمت معهم في هذا التدريب من خلال دورات مكثفة ساهم فيها العديد من أساتذة جامعة الإمارات لتدريب وتأهيل الشرطة بحيث تكون قادرة على تقديم أساسيات الرعاية الاجتماعية المطلوبة ودراسة الحالة الاجتماعية بشكل سليم.
* غسان العريضي: هل هناك تأهيل مستمر بشكل دوري بالنسبة للأفراد والضباط في الشرطة؟
* الفريق ضاحي خلفان: عندنا خطة تدريب سنوية على كل أنواع المهارات، ولدينا تعاون مع مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي في مجال التدريب، بل أكثر من ذلك فان مكتب التحقيقات الأميركي بدأ يستعين ببعض المحاضرين الموجودين عندنا للتدريب.
* د. محمد المطوع: ماذا عن الجانب التكنولوجي وما حققته شرطة دبي في هذا المجال، خاصة خلال السنوات العشر الماضية، وأيضا ما تتطلع إليه مستقبلا في هذا المجال؟
* الفريق ضاحي خلفان: في هذا المجال بدأنا بالحمض النووي (D.N.A.)، والآن عندنا بنك معلومات استطعنا من خلاله أن نتعرف على احد المجرمين بعد سبع سنوات من ارتكاب الجريمة. ونحن الآن عندنا متخصصون يشاركون في معالجة قضايا ربما لا ينتبه لها الناس العاديون، كوجود ممنوعات في تركيب بعض الأدوية مثلا.
وعلى مستوى تقنية إدارة عمليات الشرطة كان لدينا نظام في غرفة العمليات تحدثت عنه ال«بي بي سي« أكثر من عشر دقائق حين وضعناه في الثمانينات. وقبل نحو ثماني سنوات كانت أحسن من مثيلتها في شرطة طوكيو، وقد جاءني مرة احد ضباطنا بعد زيارته لليابان يقول إن غرفة العمليات عندنا أفضل بكثير من غرفة العمليات هناك، وذهبت إلى اليابان في زيارة خاصة.
وخلال الزيارة أحببت أن اطلع على غرفة العمليات عندهم وفوجئت بأنهم متقدمون علينا بعشر سنوات على الأقل، فسألت مدير شرطة طوكيو، فقال: كلام زميلكم صحيح فهو زارنا قبل خمس سنوات لكننا طورنا الغرفة منذ ثلاث سنوات فأصبحت على ما هي عليه. وقد كلفتهم الغرفة الجديدة 2,1 مليار دولار، بينما طورنا غرفة العمليات عندنا في المبنى الجديد للقيادة بتكلفة 70 مليون درهم فقط، وقد وجهت الدعوة لمدير العمليات في طوكيو ليقارن بنفسه.
والجديد في غرفة عملياتنا أننا وضعنا نظاما لتلافي بعض الأخطاء السابقة. على سبيل المثال، في رمضان الماضي كتبت امرأة شكوى ونشرت في «البيان» تقول فيها إن سيارتها غرزت في الرمل ومعها طفل رضيع، واتصلت بالشرطة ورد عليها الضابط المناوب بان دورية ستأتي لمساعدتها، وانتظرت دون أن تأتيها الدورية.
وعندما راجعنا التوقيت اجمع الضباط على أن الضابط المناوب وقتها من خيرة الشباب في الشرطة، فاتصلنا به في منزله وعندما حضر قال لنا انه الآن فقط تذكر الموضوع، مستغربا كيف نسيه، علما أن الوقت كان في رمضان وكانت هناك اتصالات كثيرة حول حالات طارئة أكثر خطورة.
لذلك وضعنا نظاما في غرفة العمليات الجديدة بحيث يظهر علم على شاشة أمام الضابط المسؤول عند كل اتصال إلى أن تتم الاستجابة للحالة الخاصة به. ونحن نعمل باستمرار على إيجاد الحلول الفورية ولا نقف في انتظار الحل، بل نبحث عنه ونسعى إليه. وهذه التقنية الجديدة تساعد أيضا في التثبت من الأداء الوظيفي ومتابعة العمل أولا بأول، كما أدخلنا خدمة هاتفية جديدة تمكن ضابط الشرطة من تصوير أي حدث يشارك فيه أو يشاهده ونقله حيا ومباشرة إلى غرفة العمليات.
كذلك جمعنا حالات جميع المواطنين الذين يعانون من أمراض القلب من خلال ملفاتهم في المستشفيات وحددنا مواقعهم، بحيث لو اتصل أي منهم لطلب المساعدة في الحالات الطارئة تظهر عندنا إحداثيات الموقع مباشرة ويتم نقلها عبر شاشات الكمبيوتر إلى جميع الدوريات لتنتقل إليه اقرب سيارة إسعاف، وحتى لو لم يكن موقعه محددا عندنا من قبل فانه بمجرد اتصاله وتحديد موقعه نضعه على الخريطة ونبثها عبر الكمبيوتر لجميع الدوريات، مع تجهيز سيارات الإسعاف بالمعدات اللازمة وطاقم يعرف أساليب التعامل والإسعافات المطلوبة.
* د. منى البحر: هذا يؤكد سرعة الاستجابة. لكن هناك جانبا آخر بالنسبة لاستخدام التكنولوجيا الحديثة، فالحديث كان منصبا على استخدامها لكشف الجريمة، لكن الجريمة أصبحت معقدة ويستخدم فيها ما يسمى «التكنولوجيا النفسية»، لان الجانب النفسي أصبح معترفا به وتم تأكيد أهميته في الجريمة، فمن أجل كشف أي جريمة هناك جانب نفسي وتكنولوجيا تهتم بهذا الجانب، فأين شرطة دبي من هذه التكنولوجيا؟
* الفريق ضاحي خلفان: أنا ممن تعلموا علم النفس الجنائي واستخدمته في كشف الجريمة، ونحن أخذنا الجانب النفسي كعلم وكتجربة ولدينا خبرة تراكمت على مدى السنوات، ولا أتحدث عن نفسي فقط فلدينا نخبة من ضباط التحري. وقبل سنوات قررنا أن تكون عندنا مباحث أشبه بال«اف. بي. آي« من خلال تكوين ضباطنا وتعزيز قدراتهم، ونقوم الآن بعمليات استباقية،
ليس فقط من خلال منع الجريمة داخل الدولة، وإنما متابعة «المجرم المحتمل» في بلده قبل أن يأتي إلينا. طبعا بصمة العين موجودة، وقد تمكنا بواسطتها من ضبط 26 ألف مرحل حاولوا الدخول خلال عام واحد عن طريق مطار دبي، وتتوفر احدث الأجهزة التقنية لتحديد بصمة العين، ونتابع أي تطور تكنولوجي جديد ونعمل على اقتنائه فورا.
* غسان العريضي: بالنسبة لبصمة العين، نحن كشركة سياحة تأتينا ملاحظات عديدة حول تأخر الإجراءات التي قد تستغرق ساعة في بعض الأحيان، بينما في الدول المتقدمة توجد كاميرات يكفي أن يتطلع إليها المسافر ليتم تسجيل وفحص بصمة العين فورا دون تأخر أو انتظار.
* الفريق ضاحي خلفان: هذه الكاميرات موجودة وقد تقرر تشغيلها منذ سنة ونصف في مختلف المطارات، لكن جوازات بعض الدول يمكن تزويرها بسهولة مما يتطلب تدقيقا أكثر، أما الدول التي تتمتع جوازاتها بدرجة أمان عالية فلا توجد مشكلة فيها.
* د. محمد المطوع: من المعروف أن شرطة دبي اهتمت منذ البداية بدخول المرأة ومساهمتها في العمل الشرطي، فماذا عن هذه التجربة؟
* الفريق ضاحي خلفان: المرأة دخلت سلك الشرطة في دبي منذ عام 1967، والسبب أن الشيخ راشد رحمه الله أدرك قبل غيره أهمية هذا الدور. وعندما طلب مجلس وزراء الداخلية العرب تسجيل العناصر النسائية الشرطية، اتضح أن شرطة دبي هي أقدم جهاز شرطة يلحق النساء بالعمل الشرطي في الوطن العربي كله. فالشيخ راشد رحمه الله رأى انه إذا جاءت امرأة إلى المحكمة فيجب أن تعاملها امرأة، وأمر بتعيين شخص يتولى الإشراف على هذا الجانب.
وكانت التجربة في البداية متواضعة وتقتصر على مراقبة موقوفة أو إحضار مطلوبة، وفي عام 1976 بدأ التدريب العسكري للشرطيات، والآن يعملن في مختلف المجالات الشرطية، وحققن انجازات مهمة حتى أن مستواهن في التصويب والتسديد خلال تدريبات الرماية أحرج بعض الرجال! هذا بالإضافة إلى أننا في مجال البحث الجنائي عندنا نساء يسهمن في كشف غموض جرائم خطيرة، ما كان يمكن كشفها لولا قدرتهن في المعرفة والفهم، وهن موجودات في المختبر الجنائي وفي الطب الشرعي.
والتجربة أثبتت أن النساء عنصر فعال في جهاز الشرطة لا يمكن بدونه لأي جهاز أن يعمل بشكل كامل وصحيح، كما أن ارتباط المرأة بكرسي الوظيفة والتزامها الوظيفي أكثر من الرجل في كثير من الحالات، وخاصة في البدالة والسكرتارية وهذا عمل في غاية الأهمية، ولذلك نحن الآن بصدد إدخال اكبر عدد ممكن من النساء في الإدارة.
* د. محمد المطوع: كم تبلغ نسبة النساء من العدد الكلي لشرطة دبي حاليا؟
* الفريق ضاحي خلفان: النسبة الآن حوالي 10% ومعظمهن في العمل العسكري ومنهن من وصلت إلى رتبة مقدم.
* يوسف الشريف: ما مدى تأثير الأوضاع الاجتماعية على عمل المرأة في الشرطة؟
* الفريق ضاحي خلفان: ظروف المرأة مقدرة بكل همومها، الزوجية والأسرية وغيرها، ولا شك أن التعامل مع المرأة يحتاج نوعية خاصة تراعي مشاعرها، فالبنية النفسية للمرأة غير البنية النفسية للرجل، ومن يعرف كيف يتعامل مع نفسية المرأة ومشاعرها لا يواجه مشكلة.
* د. منى البحر: أتصور أن العادات والتقاليد مازالت تعوق إقبال النساء على العمل الشرطي.
* د. محمد المطوع: انتم تتحدثون عن تجربة عمرها أربعون عاما، والمجتمع تقبلها بشكل جيد.
* الفريق ضاحي خلفان: المرأة انخرطت في عمل الشرطة منذ فترة طويلة، وهي في سياج متين داخل مؤسسة الشرطة وتشعر بالاطمئنان فيها أكثر من بعض المؤسسات المدنية. ولا يستبعد أن تكون هناك دورية نسائية في بعض المناطق، لكننا لا نريد أن نضع رجلا وامرأة وحدهما في مكان منفصل، مع أن الهدف أصلا من إدخال المرأة في الشرطة هو أن تتعامل مع النساء، لان المرأة عموما والمرأة الشرقية بشكل خاص حساسة تجاه التعامل مع الرجل،
فإذا قام باستجوابها أو امسك يدها لإلقاء القبض عليها في حالة اشتباه، فقد تجد في ذلك استفزازا لمشاعرها وتعديا على كرامتها، وقد يتبين بعد التحقيق والتحري أن المشتبه فيها بريئة. والتجربة النسائية في شرطة دبي هي تجربة ناجحة ولم تتعثر إطلاقا، بل حققت صعودا مستمرا وتنوعا في المهام والاختصاصات.
* د. محمد المطوع: ماذا عن المؤسسات الإصلاحية والعقابية في شرطة دبي؟ ولنأخذ رأي الدكتورة أولا..
* د. منى البحر: من خلال خبرتي الشخصية أرى أنها تجربة ناجحة، لأنني أتصور أن السجن هو مؤسسة رعاية اجتماعية بالدرجة الأولى، وليس مجرد مؤسسة أمنية عقابية. وإذا كان الهدف من السجن هو تدمير نفسية السجين ثم إطلاق سراحه ليتحول إلى مجرم محترف حاقد على المجتمع، انتفت أهمية وجود السجون.
لذلك لا أرى مبررا لانتقاد السجون في دبي بأنها «مؤسسات خمسة نجوم» وان المجرم أو المخالف للقانون لا يتلقى العقاب الرادع، فالعقاب وحده ليس هو الذي يردع المجرم بل قد يزيده حقدا وضغينة، وإذا كانت المؤسسة العقابية هدفها إصلاح السجين فهي، إذن، مؤسسة رعاية اجتماعية بالدرجة الأولى.
وتوفير رعاية نفسية اجتماعية وتعديل السلوك بعلاج معرفي، هي التي توجد إنسانا يخرج لاحقا ليكون قادرا على المساهمة في التنمية وحفظ امن المجتمع ومواطنا فعالا، أما إذا تحول إلى مجرد حبيس بين جدران السجن يتعرض للإهانة والتعذيب فهذا ينسف حياته. لذلك أرى أن تحويل السجن إلى مؤسسة أو فندق خمسة نجوم مسألة أساسية، فالسجين إنسان والكل معرض لان يدخل السجن بشكل أو آخر..
* الفريق ضاحي خلفان: ليس كل سجين مجرما بالضرورة، وليس كل من في السجون مجرمين.
* د. منى البحر: لذلك أرى أن هذه مسألة مهمة وهي التي تؤهل سجناء سابقين لديهم القدرة على أن يتكيفوا مرة أخرى مع المجتمع دون معوقات. أما المفهوم القديم للسجن باعتباره مجرد مكان لحجز حرية الإنسان وإهانته، فهو بالتأكيد لن يفرز غير مجرمين آخرين ومشكلات إضافية.
* د. محمد المطوع: أبو فارس، هل يتم فصل الأحداث عن السجناء الآخرين كما كنت تطالب بذلك منذ فترة طويلة؟
* الفريق ضاحي خلفان: نحن نضعهم في معسكر عسكري داخل فيللا، وعددهم في تناقص من 11 إلى خمسة أو ستة، وفي إحدى المرات اتصلت بنا مديرة المعسكر لتقول انه ليس عندها أي موقوف.
* يوسف الشريف: لماذا لا تتم معالجة المسألة قبل أن نصل إلى السجن، سواء كان مكانا للعقاب أو للإصلاح؟ لقد حدث مرة أن كان موكلي طيارا حكم عليه في قضية تجارية بالحبس سنة وأوقف لمدة يوم واحد قبل أن أخرجه بكفالة، واتصل بي غاضبا وهو يقول انه مر بأكثر الأيام سوادا في حياته بوجوده داخل قفص بعد أن كان يحلق في الأجواء! فلماذا لا نعالج المسألة من أساسها؟
فالعقوبات تستبدل بحيث تكون هناك مرونة قبل أن نصل إلى عقوبة السجن، وشخص مثل هذا الطيار لو نفذت في حقه هذه العقوبة كان سيتعرض للفصل من الوظيفة، وبالتالي تدمر حياته وطموحه ومستقبل عائلته. فيجب أن تكون هناك حلول بديلة لمثل هذه الحالات وان تسعى الشرطة إلى وضعها واقتراحها قبل أن تصل إلى المحكمة..
* الفريق ضاحي خلفان: نحن كشرطة جهة تنفيذية والأمر يعود لحكم القاضي، وأنا كقائد شرطة كلما قل عدد المحبوسين كلما أراحني ذلك ورفع عن كاهلي عبئا.
* يوسف الشريف: بخصوص إبعاد الأجنبي مباشرة، البعض يرى أنه لن يخيفه لكن يمكن تطبيقه على بعض الحالات كإبعاد إداري أو قضائي. وبعض القضاة يحكم بالإبعاد مباشرة دون عقوبة الحبس. ولا مشكلة في أن يكون المكان «خمسة نجوم»، لكن نريد أن نجعل السجناء يشتغلون ويعملون شيئا..
* الفريق ضاحي خلفان: هم يعملون عندنا في ورش..
* يوسف الشريف: لكن لماذا لا يكون هناك مشروع اكبر، بحيث يمارسون مختلف الأعمال الإدارية والقيادية إلى جانب الأعمال الفنية والميكانيكية التي يمارسونها حاليا، وتكون لهم منظومة تستطيع أن تفعلهم ويكون لهم مردود وراتب أحسن؟ وبالنسبة لخلط المساجين مع بعضهم، فانا كان عندي احد الموكلين حكم عليه بحبس شهرين في قضية شيك بدون رصيد،
وبعد انتهاء العقوبة لم يراجعني والتقيته بعد أربع سنوات فقال لي: بصراحة تعاطيت الحشيش داخل السجن فحكم علي بعقوبة أخرى. فالمشكلة أن ثقافات المجرمين مختلفة، مجرم مخدرات وقاتل مع مرتكب حادث دهس دون قصد، وهناك أشخاص محترمون كثيرون تعرضوا لذلك.
* الفريق ضاحي خلفان: بالنسبة للمساجين، تم القبض على مجموعة يتعاطون المخدرات واظهر الفحص الطبي إصابتهم بالايدز فادعوا أنهم اخذوا العدوى من السجن. وأنا على يقين أن الإصابة تمت قبل دخولهم السجن، لكنهم يريدون تحميل المسؤولية للشرطة.
* يوسف الشريف: ما اقصده هو تفريق المجرمين أو تصنيفهم داخل السجن حسب نوع الجريمة أو الجنحة.
* الفريق ضاحي خلفان: هم مصنفون لكن الاختلاط يتم أثناء تنقلاتهم داخل السجن.
* د. منى البحر: هل الخدمات المتاحة في السجون معممة على كافة السجون النسائية والرجالية على السواء؟ وما هي البرامج الرعائية والتدريبية المهنية التي تتوفر للمرأة في سجن النساء؟
* الفريق ضاحي خلفان: تتوفر لهن عدة مجالات كالخياطة والتطريز وغيرها، علما أن معظمهن أجنبيات من جنسيات غير عربية.
* د. محمد المطوع: في موضوع الشرطة وحقوق الإنسان، شرطة دبي من أوائل المؤسسات الشرطية التي أنشأت إدارة لحقوق الإنسان، فكيف تم ذلك؟
* الفريق ضاحي خلفان: عام 1995 ترأست وفد الإمارات لحضور مؤتمر حول الجريمة في القاهرة، وكان بعض الحضور يتحدثون عن حقوق الإنسان ووجود وزارة أو هيئة في بعض الدول، فتساءلت لماذا لا نقوم بتخصيص جهة لحقوق الإنسان عندنا، خاصة أننا نقدم خدمات جيدة والشيوخ لا يريدون أن يكون هناك إنسان يتعرض للغبن أو الظلم؟
لكن من يؤسس مثل هذه الجهة؟ لقد كان هناك تخوف عند البعض من تأسيس هيئة لحقوق الإنسان، فقررت أن نؤسس إدارة حقوق الإنسان في شرطة دبي. فلماذا، مثلا، إذا أخطأت الشرطة ننتظر حتى تأتينا جهة خارجية لتقول إن عندنا خللا في هذا الجانب أو ذاك؟ لماذا لا ينبع كشف الأخطاء من تقييم الذات ونصحح أخطاءنا بأنفسنا؟
ونحن أنشأنا هذه الإدارة، أولا، لكسر حاجز الخوف عند البعض، وثانيا لأننا قد نكتشف من خلالها وجود أخطاء عندنا نحن أولى باكتشافها، والهدف الثالث التركيز على حق السجين أو الموقوف في الرعاية الصحية، أما الهدف الرابع فهو المكان الذي يوضع فيه السجين أو الموقوف وحقه في أن يكون لائقا وصحيا،
وإذا ما تعرض فيه لأي نوع من التعذيب فلماذا انتظر أن يأتيني من الخارج من ينبهني إلى ذلك ولا اكتشفه بنفسي؟ وقد تطور عمل الإدارة بعد ذلك ليهتم أيضا بالحالات التي تحدث خارج عمل الشرطة حيث أصبحت تأتينا شكاوى إنسانية نقوم بالتدخل لحلها. والهدف الأخير هو جعل المترددين والمتخوفين يصلون إلى قناعة بان تكون عندنا جمعية لحقوق الإنسان،
وقد تحقق ذلك وأصبحت عندنا جمعية وتم إشهارها. وأنا كنت أقول دائما انه لا مبرر للخوف ما دامت قيادتنا تحرص على ألا يقع ظلم على أي إنسان من أي احد، سواء كان قائد شرطة أو من الشيوخ أو غيرهم، فلماذا نتخوف من وجود جمعية عندنا لحقوق الإنسان؟
* د. منى البحر: أهمية هذا الطرح ومصداقيته في أن مخالفة حقوق الإنسان غالبا ما تكون خارج المؤسسة الشرطية، ووجود هذه الإدارة في شرطة دبي عوض غياب أي جهة أخرى تهتم بهذا الجانب، فلذلك أصبح الجميع يتوجهون وبشكل يومي إلى شرطة دبي لحل الخلافات الأسرية والبحث عن مساعدات لمن يحتاجها..
* الفريق ضاحي خلفان: تأتينا حالات من هذا النوع بمعدل 400 ـ 500 سنويا نرفع الظلم عن أصحابها، وحتى المسجون قد تصير عائلته محتاجة ويتصلون بنا فنبحث لهم عن احد المحسنين أو إحدى المؤسسات الخيرية ويخصصون لهم مبلغا شهريا، وفي حالات كثيرة نوفر المأوى للمحتاجين بالتعاون مع هؤلاء المحسنين والمؤسسات.
وحتى بعد أن أصبحت عندنا جمعية لحقوق الإنسان في الإمارات لمحت إلى أننا قد نكتفي بها، فرفضوا ذلك وقالوا إن وجود إدارة لحقوق الإنسان في الشرطة يساعدهم أكثر. بمعنى آخر، إذا كانت عندي إدارة تجعلني أصبح خصما للدفاع عن حقوق الإنسان داخل الشرطة فهذا يمكنني من امنع أشياء ما كان يمكن اكتشافها إلا بعد فوات الأوان.
والحقيقة أن هذه الإدارة ما كان لها أن تنجح لولا الدعم الذي لقيناه منذ البداية من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. حتى إن بعض الضباط عندما أعلنت عنها سألوني: هل تريد أن تقول إن عندك خرقا لحقوق الإنسان؟ فقلت لهم بل بالعكس، فنحن بشر وقد يخطئ أي منا، فإذا كان عن قصد يأخذ جزاءه وإذا كان عن غير قصد يتم تنبيهه حتى لا يكرر هذا الخطأ.
* د. منى البحر: في الحقيقة، ودون مجاملة أو تحيز، إدارة حقوق الإنسان أضافت بعدا اجتماعيا للشرطة، فبدلا من أن تكون مجرد مؤسسة لتنفيذ القانون أصبحت لها أبعاد اجتماعية وتتفاعل مع المجتمع بشكل ايجابي وحلت محل مؤسسات غائبة كثيرة، فضلاً عن ذلك فمجلس حقوق الإنسان المنبثق عن هذه الإدارة كانت غالبيته العظمى من المدنيين.
* الفريق ضاحي خلفان: نحن منذ البداية كنا نسعى لتشجيع المدنيين على إنشاء جمعية لحقوق الإنسان وكانوا يتخوفون. واذكر انه عندما كانت جمعية الحقوقيين تنوي عقد اجتماع بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، قبل إنشاء إدارة حقوق الإنسان في شرطة دبي، كانوا يريدون عقده في احد الفنادق ولم يجدوا فندقا يستقبلهم،
فقلت لهم تعالوا واعقدوا اجتماعكم داخل القيادة العامة لشرطة دبي، وفي اليوم الثاني نشرت الصحف الكويتية الخبر باعتبارها أول مرة يعقد فيها اجتماع للحقوقيين داخل مقر للشرطة! يجب أن نكون متفقين على أن الظلم أينما حدث لابد أن تكون عندنا الشجاعة لكشفه، فإذا كنا مخطئين نعتذر لمن أخطأنا في حقه ونطلب منه المسامحة، ولا نحاول التكتم على الأخطاء وإخفاءها والكذب على الناس.