يمثل توفير الأمن والاستقرار أهم ركائز الدولة الحديثة والضامن الأساسي لتحقيق التنمية وحماية المكتسبات الوطنية. وبعد أن تحول العالم إلى قرية واحدة بفعل تطور وسائل الاتصال والمواصلات وتشابك المصالح، أصبحت مهام ومسؤوليات الشرطة والأجهزة الأمنية بصورة عامة مضاعفة ومتشعبة.

خاصة في بلد تتعدد فيه الجنسيات وتتنوع الثقافات بسبب العمالة الوافدة بأعداد كبيرة ومتزايدة، كما هو الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة.

شرطة دبي التي تحتفل هذه الأيام باليوبيل الذهبي لتأسيسها، نالت العديد من الشهادات العالمية بالتميز والكفاءة، فضلا عن التقدير والاحترام الذي تحظى به من قبل الجمهور المحلي والزائرين من مختلف أصقاع العالم. فكيف حققت هذه المكانة المتميزة؟ وما هي التحديات والعراقيل التي واجهتها خلال مسيرتها على مدى نصف قرن؟ وما هي إستراتيجيتها للمستقبل؟

كانت هذه التساؤلات وغيرها موضوع الندوة التي عقدتها وحدة الدراسات في «البيان» تحت عنوان «شرطة دبي.. نصف قرن من الانجازات والتحديات»، ودارت حول عدد من المحاور تضم الاستراتيجية العامة لشرطة دبي.

وما حققته في مجال التوطين، إضافة إلى تأهيل وتدريب الكوادر الشرطية، ومدى الاستفادة من التطورات التكنولوجية، ثم تجربة الشرطة النسائية وتجربة المؤسسات العقابية والإصلاحية، فضلا عن تجربتها المتميزة في مجال حقوق الإنسان.

أدار الندوة د. محمد عبد الله المطوع رئيس وحدة الدراسات، وشارك فيها الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي وعدد من المختصين والمهتمين بالشأن العام وعلاقة الشرطة بالمجتمع ودورها في تحقيق الأمن وحماية حياة الناس وممتلكاتهم. وقد تناولت الحلقة الأولى استراتيجية شرطة دبي للسنوات المقبلة وعلاقتها بالمجتمع ومدى المشاركة المجتمعية. واليوم ننشر الحلقة الثانية من حلقات الندوة..

* الفريق ضاحي خلفان: لدي أولا مداخلة بالنسبة لكون المكان مناسبا أو ما يمكن أن نسميه «خمسة نجوم». أنا اذكر باختصار تجربة مرت في حياتي عندما كنت مديرا لأحد مراكز الشرطة عام 1974، حيث ضبطنا احد الآسيويين بعد محاصرة استمرت من التاسعة صباحا وحتى الخامسة عصرا.

وكان ضخما وقويا إلى درجة أن السائق كان يقول لي «لو انه هز جسمه لأمكنه أن يقلب السيارة»، وبعد التحقيق معه وإحالته إلى المحكمة حكم عليه بالسجن سبع سنوات، وبعد خمس سنوات وكنت قد انتقلت إلى الشؤون الإدارية، مررت على هذا الشخص وكان عمله في السجن القيام بسقي بستان ورعايته.

لكنني وجدته مصابا بالربو وقد شاب رأسه ويمشي منهك القوى، فأشفقت عليه وسألته: ألم تكن قوي البنية شديدا، وأنت هنا تقوم بعمل خفيف فما الذي أوصلك إلى هذا الحال؟ فأجابني: الهم! فانا غادرت بلدي وزوجتي حامل وأنجبت ابنا منذ خمس سنوات لم أره ولا اعرف أي شيء عنه أو عن والدته.

وكان سبب زيارتي للسجن أن احد الإخوة ذكر في مجلس الشيخ راشد رحمه الله أن الشرطة تقيم سهرات واحتفالات للسجناء وان ذلك قد يشجع الناس على الإجرام، ولم يعلق الشيخ راشد، لكنني أردت أن أقف على الوضع بنفسي. وبعد هذه التجربة الإنسانية أدركت أن حبس الحرية هو العقاب الحقيقي للإنسان، وقررت أن تبقى المعاملة كما كانت بالنسبة للسجناء.

* يوسف الشريف: بالنسبة للسجن في حد ذاته، إذا رجعنا لدراسته وتأصيله، فهل كان الإنسان يسجن في الماضي؟ نحن نعرف في الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسجن أحدا، وإنما كانت العقوبة هي النفي أو المقاطعة بعدم التحدث مع الشخص المعاقب فكان يستطيع أخذ أهله والذهاب بهم إلى أي مكان يريده.

فالعقوبة كانت شخصية بان يبعد الشخص عن قومه، ولكنه لا يفصل عن زوجته وأولاده حتى لا تزيد حالات الطلاق أو يفقد الأبناء حنان الوالد ورعايته، وأول من بدأ عقوبة السجن كان سيدنا عمر (بن الخطاب) عندما حبس الحطيئة في بئر كعقوبة تعزيرية، وفي ظل المجتمعات اليوم والحدود والدول نحن لا نستطيع الإبعاد إلا للوافدين إذا صدر ضدهم حكم بالإبعاد.

لهذا أنا أقول فليكن المكان مناسبا ولنترك السجون على ما هي عليه، وعقوبة الإبعاد عن المجتمع تتحقق من خلال السجن.

* يوسف الشريف: هناك نقطة بالنسبة للتربية الأمنية، فدراسة الحضارات جميعا تظهر أن الاهتمام بالطفل كان موجودا منذ البداية. وإذا كنا نحن نضع الاهتمام بالطفل في استراتيجياتنا، فقد كان المفترض أن نقوم بذلك منذ الأزل، لأننا إذا نظرنا إلى الحضارات السابقة.

سواء الفرعونية أو في بلاد الرافدين أو حضارة الهند والصين، فالصين استطاعت أن تبني هذا السور العظيم الذي يضرب به المثل اليوم خلال ثلاثمئة سنة، إذاً فالأجيال المتعاقبة كانت كلها على نفس القدر والمستوى مع تراكم الخبرات.

* د. منى البحر: بخصوص الإجراءات التي تتخذها الشرطة بالنسبة للأعداد التي تدخل دبي، أود لو يعطينا أبو فارس فكرة عن هذه الإجراءات..

التسلل.. والخصوصية

* الفريق ضاحي خلفان: لو تابعت الصحف ستلاحظين أننا القينا القبض العام الماضي على 35 ألف متسلل، وأنا لا أتحدث الآن عن الذين يدخلون بشكل مشروع.

فبرغم وجود حرس الحدود، إلا انه من الصعب تتبع كل المتسللين بسبب تعدد المداخل والمخارج المعقدة كالمناطق الجبلية وغيرها. 35 ألفا رقم كبير جدا، خاصة أن أصحابها بلا هويات ولا نمتلك أي معلومات عنهم. وعموما نحن الآن في المرحلة الثانية.

وربما عدنا اليوم اكبر من أي قوة أخرى، وعندما يتم افتتاح القيادة الجديدة إن شاء الله ستلاحظون أننا نبني مركزا متطورا حسب شهادات الخبراء الذين زاروه، وكل من زارنا خلال هذه الفترة واطلع عليه من القيادات الأمنية أو القريبة من الأمن يقول انه سيرفع تقريرا إلى حكومته حول ما رأى.

اليوم لدينا وسائل تقنية متطورة لحماية المنشآت والمتاجر والمباني السكنية وغيرها، وكلها تقنيات حديثة لم تكن متوفرة في الماضي، مثل كاميرات المراقبة وغيرها، وهي تسهم إلى حد كبير في فضح المجرمين.

* د. محمد المطوع: لكن هذه الكاميرات كانت موجودة منذ السبعينات.

* الفريق ضاحي خلفان: كانت موجودة بشكل محدود، لكنها الآن تغطيتها أوسع. ففي المراكز التجارية مثلا، هناك غرفة تحكم يمكن للمركز من خلالها متابعة الزبائن وتصرفاتهم بما في ذلك محاولات التحرش ومضايقة النساء التي يقوم بها بعض الشباب، والكثيرون لا يعلمون بوجود هذه الكاميرات وأنا أرى أنهم يجب أن يعرفوا حتى يمتنعوا عن مثل هذه التصرفات غير السوية.

* د. منى البحر: لكن، ألا تعتقد أن هذا قد يكون فيه شيء من منافاة حقوق الإنسان والتدخل في خصوصياته؟

* الفريق ضاحي خلفان: ليس في هذا ما ينافي حقوق الإنسان، لان هذه المراقبة تقتصر على الأماكن العامة والمحلات التجارية وصاحب المحل من حقه أن يراقب محله وبضاعته لحمايتها من السرقة.

* د. منى البحر: لكن، من يضمن لي تصرف الشخص المكلف بمتابعة هذه الكاميرات؟ فهو إنسان في النهاية وله مشاعر وقد يكون في نفسه شيء ضد شخص آخر أو رغبة فضولية.. فالمسألة فيها جانب اجتماعي أيضا، وهذا الشخص نفسه قد يصبح «معاكسا»!

* الفريق ضاحي خلفان: هذه الصور يمكن التحكم في استخدامها وإلغائها بسهولة، وغرفة السيطرة الموجودة في المراكز والمحلات التجارية ميزتها أنها تقوم بمراقبة الأبواب ومداخل ومخارج هذه المحلات، وهي وسيلة معروفة ومتبعة في أرقى الدول التي ترعى حقوق الإنسان..

* غسان العريضي: لكن المداخل والمخارج شيء والممرات الداخلية في المتجر أو المركز شيء آخر، فقد تكون هناك سيدة، مثلا، تريد إصلاح مظهرها أو تنظيف طفلها وتبحث عن شيء من الخصوصية لا توفره لها مثل هذه الكاميرات!

* الفريق ضاحي خلفان: الكاميرات موجودة في أماكن عامة وموجهة أساسا على المداخل والمخارج..

* يوسف الشريف: أبو فارس يتحدث عن أماكن عامة، وفي هذه الأماكن توجد أيضا غرف ومرافق توفر الخصوصية عند الضرورة.

عراقيل التوطين

* د. محمد المطوع: دعونا ننتقل إلى محور التوطين في شرطة دبي وما تحقق في هذا المجال والآثار المترتبة على ذلك، وعند الحديث عن التوطين لا بد أن نذكر لشرطة دبي أنها توظف المواطنين من جميع الإمارات كما أنها توظف أيضا بعض الإخوة العرب..

* الفريق ضاحي خلفان: بصورة عامة لدينا نسبة توطين تبلغ 45% على مستوى الأفراد والباقون من جنسيات عربية، أما بالنسبة للضباط وذوي الرتب فنسبة التوطين 100%.

* يوسف الشريف: طبعا عملية التوطين هدف سامٍ لا شك فيه وكلنا نسعى إليه، لكنني أرى أن نسبة 45% نسبة غير قليلة، بل تعتبر ممتازة من وجهة نظري. فنحن مازلنا في حاجة إلى الخبرات المختلفة والى عناصر يقدمون لنا خبراتهم في العديد من المجالات، وأرى أن بعض الإدارات تراجع أداؤها بعد أن استغنت عن الخبراء الذين كانوا يعملون لديها..

* د. منى البحر: سؤالي، أبو فارس، هل ترى أن بقاء النسبة عند 45% في شرطة دبي يعود لأسباب اجتماعية أم مادية؟

* الفريق ضاحي خلفان: السبب الأساسي أن الراتب هو ثلاثة آلاف وإقبال المواطنين قليل على مثل هذا الراتب، ولكننا نتوقع الآن أن يكون هناك تحسين لرواتب الشرطة.

ووصول الراتب إلى ستة آلاف فما فوق يقلب المسألة رأسا على عقب، وسيؤدي إلى إقبال كثيف من الشباب، خاصة الذين لم ينهوا مراحل التعليم ويبحثون عن راتب مناسب للالتحاق بالشرطة. فالرواتب الحالية من الصعب أن يقبل بها المواطن.

* غسان العريضي: حتى لو قبل احد المواطنين بمثل هذا الراتب، فقد يعني ذلك أن مستواه التعليمي ربما لا يؤهله لأداء عمله كشرطي، لان عمل الشرطي ليس عملا بسيطا كما يعتقد البعض بل يتطلب يقظة ونباهة ومستوى معقولا من التعليم، وبالتالي راتب ثلاثة آلاف لا يكفي لتحقيق ذلك..

* الفريق ضاحي خلفان: لو أخذ قارب صيد وعمل عليه صيادا يمكنه تحقيق عائد اكبر قد يبلغ خمسة آلاف في الشهر!

* د. منى البحر: أنا أتصور أن هناك عوامل أخرى، وليس العامل المادي فقط هو العائق، فهناك العامل الاجتماعي والنظرة التي يجب أن تتغير.

معيار الكفاءة

* يوسف الشريف: بالطبع أنا لست ضد التوطين وأتمنى أن أرى المواطن في كل موقع من مواقع العمل، لكن التوطين المتسرع قد يؤدي إلى فجوة بين مستوى الأداء المطلوب ومستوى الخبرة المتوفرة، ونحن مازلنا نحتاج لبعض الخبرات حتى لا تحدث مثل هذه الفجوة.

* الفريق ضاحي خلفان: أنت الآن تذكرني بشعار رفعته من قبل وهو أنني أعتبر وجود الموظف العربي نوعا من التوطين، ونحن نتحدث دائما عن وطن واحد. صحيح أن ابنك هو ابن أخيك، وبالتالي إذا احتجت لان يكون ابن أخي معي في المؤسسة أو في العمل فانا لا أرى خللا في وجوده.

والمعيار في النهاية يجب أن يكون هو الأداء، وما إذا كان الخيار أن يصبح عندك هبوط في مستوى الأداء مقابل التوطين أو أن توطن وتحافظ على مستواك؟ فإذا كان بالإمكان تحقيق التوطين مع الحفاظ على مستوى الأداء فهذا شيء جميل ومطلوب.

* د. منى البحر: يجب ألا نربط التوطين بانخفاض مستوى الأداء، لان هذه فكرة خطيرة.

* يوسف الشريف: هذا غير مطروح أبدا، وأنا لا أتكلم عن مستوى الأداء بل عن الخبرة الفنية، ونحن عندنا نموذج دبي فليست هناك دولة عربية ولا حتى شركة خاصة تستطيع ملاحقة حكومة دبي في التطوير والأداء. لكني أتكلم عن الخبرة الفنية وعن سنوات الخبرة ومدة الممارسة.

* د. محمد المطوع: هناك إشكالية في الخبرات، فهذه الخبرات اكتسبت في مجتمعات أخرى، وبعض القوانين التي أخذناها في السابق من دول أخرى أصبحت معيقة لنا الآن.

ونحن الآن بعد أكثر من ثلاثين سنة من التعليم والبعثات الدراسية المختلفة يفترض أن نكون قد اكتسبنا خبرات جيدة. ثم هناك مسألة الكوادر المواطنة، هل تم من خلال التوطين وضع الشخص المناسب في المكان المناسب؟ في الصين، مثلا، كانوا قد رفعوا شعار «ليس مهما أن تكون احمر (شيوعيا) بل من الضروري أن تكون خبيرا».

نحن الآن نقوم بالتوطين، ولكن التوطين يكون بالشخص الكفء، ولذلك شرطة دبي منذ 1980 إلى 2000 عملت على إعداد الكوادر من خلال البعثات الدراسية للحصول على شهادات عليا في مختلف التخصصات، وكان الهدف من ذلك سد الثغرات الموجودة.

لكن في الوقت نفسه من الصعب حتى الآن تحقيق التوطين بنسبة 100%، بل انه مع وجود كل هذه الجنسيات عندنا، يمكن التساؤل لماذا لا يتم توظيف غير العرب في الشرطة؟

* الفريق ضاحي خلفان: عندنا كل اللغات، ونعلم اللغات الصينية والروسية والألمانية إضافة إلى الانجليزية.

* د. منى البحر: لكن، هناك مشكلة في الاستعانة بجنسيات أخرى وبالذات في الأمن والشرطة، بسبب عملية الولاء ومدى الالتزام بالقانون، فالشخص الأجنبي يمكن أن يخدم بني جنسه وقد تكون لديه أهداف خاصة..

* يوسف الشريف: هذا يعتمد على عطاء المجتمع نفسه، ونحن لا نستطيع أن ننكر دور إخواننا العرب أو غيرهم، فهناك الكثيرون يتمنون تقديم الولاء لدولة الإمارات.

* الفريق ضاحي خلفان: هذا صحيح، فكثير من إخواننا العرب يتصلون بي شخصيا إذا وردت إليهم معلومة، ويقولون لي إنهم غير متأكدين منها ولكن قلوبهم على هذا البلد ولذلك يضعون ما سمعوه بين يدي. ولا شك أن ولاء المواطن هو الأساس ولكن هناك محبين أيضا لا نستطيع أن ننكر حبهم لهذا البلد.

* يوسف الشريف: لا شك أن ولاء المواطنين مختلف، ولكن للأسف وبشكل عام، عدم الولاء ينشأ عادة عند أحزاب معارضة أو طائفية أو غيرها قد تكون تعبيرا عن نقمة المواطن على المجتمع، ولا تنشأ من الأجنبي الذي يأتي ليعيش في بلد آمن ويبحث عن الأمن، وللتوضيح والتأكيد أنا هنا لا أتكلم عن مواطني الإمارات، وإنما على أولئك الناقمين على بلدانهم.

* د. محمد المطوع: لا شك أن الكثيرين من الناس يهمهم جدا استمرار الأمن في البلد، لأنه إذا حدث أي خلل فنحن نعلم أن رأس المال جبان ولا يمكنه البقاء.

التربية الأمنية

* د. منى البحر: أتصور أن موضوع التربية الأمنية يهمه أن يركز على ايجاد المسؤولية الاجتماعية عند أفراد المجتمع، وعند الجميع دون استثناء سواء كانوا في المدارس أو خارجها، لان الشخص متى ما أحس أن عليه مسؤولية اجتماعية فسيكون أكثر حرصا على حفظ المجتمع وحمايته. واذكر حالة حصلت أمامي مرة في إحدى الحدائق الألمانية عندما كان بعض الصبية يلعبون وجاء احدهم وجلس على احد الكراسي الموجودة في الحديقة ورفع رجله ليصلح حذاءه.

وكان يبدو من مظهره انه ليس من أصل ألماني، فقام إليه احد رفاقه الألمان وكان اصغر منه سنا ونهره وقال له انه لا يجوز أن يضع حذاءه حيث يجلس الآخرون. فهذا الموقف هو نتيجة التربية وهو مسؤولية اجتماعية تجاه الحفاظ على أي شيء يخص المجتمع، سواء داخل المنزل أو خارجه، وهذا ما ندعو إليه حقيقة..

* غسان العريضي: هذا يجب أن يكون ضمن مادة التربية المدنية أو التربية الوطنية. لكني أعود إلى موضوع التوطين، ألا تعتقد، أبو فارس، أن المغريات المادية التي تقدمها بعض المؤسسات والشركات الخاصة تحول دون التحاق المواطنين بالعمل الشرطي، بل ربما تغري حتى بعض الضبط لديكم؟! هل تواجهون مثل هذه التحديات؟

* الفريق ضاحي خلفان: الآن يمكن أن تكون رواتب الشرطة هي اقل الرواتب الحكومية في دبي، والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى أن الذين وضعوا سلم الرواتب في البداية أرادوا أن تكون هكذا.

والبعض يعتقد أن المتعلمين وأصحاب الشهادات في شرطة دبي يمكن أن يتركوها إلى وظائف أخرى برواتب وامتيازات اكبر، لكن رغم أنهم متميزون ونخبة، ولا أريد ذكر أسماء إنما على سبيل المثال منصور العور ود. محمد مراد، تأتيهما عروض قوية من الخارج إلا أنهم يرفضونها على أمل أن يعاد النظر في وضع الرواتب. وبالمناسبة نحن قبل أسبوع قدمنا الرواتب الجديدة بحسب ما طلب منا المجلس التنفيذي، ونأمل أن تتم الموافقة عليها قريبا.

وهذا الولاء للمؤسسة أنا شخصيا اعتز به عند الكثيرين من هذه النخب المثقفة التي أبت أن تترك لمجرد أنها تلقت عرضا ماديا أفضل. صحيح أن فيه مصلحة خاصة لهم ولكنهم يقدمون مصلحة الوطن.

حتى إن بعضهم عندما يقولون له اترك عنك ضاحي واذهب إلى عمل أفضل، يرد عليهم بان هذه شرطة دبي وليست شرطة ضاحي. فانا سعيد بمثل هؤلاء رغم أنهم مدنيون وليسوا عسكريين. وبالتالي فالولاء والوطنية ليسا بالضرورة محصورين في ولاء العسكريين للشرطة، بل هناك ولاء من موظفين مدنيين ربما أكثر من العسكريين أنفسهم. فالقضية هي قضية إيمان الشخص بهدف هذه المؤسسة ومدى اقتناعه بان هذا الهدف هو من اجل دبي وصيانة أمنها واستقرارها.

* غسان العريضي: إذا ظل الوضع هكذا ألا تعتقد أن هناك نسبة قد تفكر في ترك الشرطة؟ فالموظف في النهاية عليه مسؤوليات والتزامات ويريد أن يعيش براتب معقول!

* الفريق ضاحي خلفان: كما قلت من قبل، نحن قدمنا الرواتب الجديدة للمجلس التنفيذي بهدف تعديلها، ولا توجد عندنا مخاوف في هذا الجانب.

* يوسف الشريف: قد تكون الرواتب قليلة، لكن في المقابل هناك شيء من السلطة يعوض ذلك.

* الفريق ضاحي خلفان: لا، فهؤلاء مدنيون لا سلطة لديهم.. بل هم «مساكين».

تجربة متميزة

* يوسف الشريف: أبو فارس، بصراحة انتم تجربتكم متميزة بالنسبة لهؤلاء الذين درسوا على حساب شرطة دبي وحصلوا على شهادات الدكتوراه واستفادت منهم المحاكم، فهذه ميزة تحسب لكم شخصيا ولشرطة دبي، لأنه من النادر أن تجد مسؤولا في جهة معينة يتجرأ ويشجع الموظفين لديه على إكمال دراساتهم العليا!

* د. منى البحر: أتصور انه في ما يتعلق بوظيفة الشرطي هناك نظرة مجتمعية سلبية، وهذه النظرة يجب أن تتغير ونتمنى أن تسعى شرطة دبي بالتعاون مع شركائها من المؤسسات المعنية لتغيير هذه النظرة.

فأنا أتذكر يوم كنا في المدرسة أن احد الكتب المدرسية كان يحتوي على قصة عنوانها «نحن وصديقنا الشرطي»، لكن هذه القصة لم تعد موجودة في كتبنا المدرسية الحالية، مع أننا نحن الذين تربينا على هذه الفكرة تأثرنا بها وجاءت شرطة دبي فعززتها لدينا أكثر. ولا شك أن المسألة فيها جانب مادي بالنسبة لعدم إقبال المواطنين على وظيفة الشرطي، لكن هناك أيضا نظرة اجتماعية تمنعه من ذلك ولا بد من تغيير هذه النظرة.

* يوسف الشريف: بالنسبة لهذه النظرة السلبية، إذا كانت الأسرة تطمح وتحث أبناءها على استكمال دراستهم، فهذا أراه شيئا ايجابيا لأنه يعني عدم وجود فاشلين دراسيا!

* الفريق ضاحي خلفان: المواطن حامل الثانوية العامة يحصل على راتب جيد ورتبة جيدة، وليست عنده مشكلة. لكن د. المطوع تحدث عن التوطين ونحن عندنا توطين جيد، فنسبة 45% من المؤهلين تأهيلا عاليا نسبة كبيرة.

* يوسف الشريف: بالتأكيد هذه نسبة ممتازة، لكننا نرى في بعض المجتمعات المجاورة أن معاملة الشرطي عندهم لا يحتذى بها..

* د. محمد المطوع: ليست هناك مقارنة، ولا يوجد هنا موقف ضد الشرطي بصفته الشخصية أو المهنية وإنما مكانته الاجتماعية كموظف بسيط هي التي ترسخ هذه النظرة، وليست ضد الشرطة كجهاز أو ضده شخصيا بسبب تعامله مع الناس. فالمكانة الاجتماعية هي السبب، وعلى سبيل المثال، هل هناك الآن احترام للمدرس كما كان في الماضي؟

* غسان العريضي: هناك مشكلة اجتماعية تجاه هذا الوضع..

* يوسف الشريف: بالعكس، هذه قد تكون سمة ايجابية بالنسبة لمجتمع الإمارات، لأننا لا يوجد عندنا الآن مواطنون يتوقفون عند المرحلة الإعدادية ليضطروا للعمل برتبة شرطي.

* غسان العريضي: اعتقد أن الخلاصة بالنسبة لتوطين أفراد الشرطة هي مسألة الراتب.