يمثل توفير الأمن والاستقرار أهم ركائز الدولة الحديثة والضامن الأساسي لتحقيق التنمية وحماية المكتسبات الوطنية. وبعد أن تحول العالم إلى قرية واحدة بفعل تطور وسائل الاتصال والمواصلات وتشابك المصالح، أصبحت مهام ومسؤوليات الشرطة والأجهزة الأمنية بصورة عامة مضاعفة ومتشعبة، خاصة في بلد تتعدد فيه الجنسيات وتتنوع الثقافات بسبب العمالة الوافدة بأعداد كبيرة ومتزايدة، كما هو الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة.
شرطة دبي التي تحتفل هذه الأيام باليوبيل الذهبي لتأسيسها، نالت العديد من الشهادات العالمية بالتميز والكفاءة، فضلا عن التقدير والاحترام الذي تحظى به من قبل الجمهور المحلي والزائرين من مختلف أصقاع العالم. فكيف حققت هذه المكانة المتميزة؟ وما هي التحديات والعراقيل التي واجهتها خلال مسيرتها على مدى نصف قرن؟ وما هي استراتيجيتها للمستقبل؟
كانت هذه التساؤلات وغيرها موضوع الندوة التي عقدتها وحدة الدراسات في «البيان» تحت عنوان «شرطة دبي.. نصف قرن من الانجازات والتحديات»، ودارت حول عدد من المحاور التي تناولت الاستراتيجية العامة للوقاية من الجريمة ومعالجة الاختلالات الأمنية، والتوطين في شرطة دبي وما حققه من نتائج ومن تأثير في العمل الأمني والشرطي،
إضافة إلى تأهيل وتدريب الكوادر الشرطية، ومدى استفادة شرطة دبي من التطورات التكنولوجية الحديثة، ثم تجربة الشرطة النسائية وتجربة المؤسسات العقابية والإصلاحية في شرطة دبي، فضلا عن تجربتها المتميزة في مجال حقوق الإنسان.
أدار الندوة د. محمد عبد الله المطوع رئيس وحدة الدراسات، وشارك فيها الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي وعدد من المختصين والمهتمين بالشأن العام وعلاقة الشرطة بالمجتمع ودورها في تحقيق الأمن وحماية حياة الناس وممتلكاتهم. وفي البداية رحب د. المطوع بالحضور شاكرا لهم الاستجابة لدعوة «البيان» للمشاركة في هذه الندوة التي تأتي ضمن مشاركة «البيان» في الاحتفال بهذه المناسبة. وفي ما يلي الحلقة الأولى.
* د. محمد المطوع: بداية نشكركم على الاستجابة لدعوة «البيان» للمشاركة في هذه الندوة التي تقع ضمن احتفالاتنا في صحيفة البيان وتحديدا وحدة الدراسات احتفالات شرطة دبي بمرور نصف قرن منذ إنشائها حتى الآن. ومن المؤكد أن شرطة دبي خلال نصف قرن قدمت الكثير من الخدمات لكل من يقيم في إمارة دبي بشكل خاص وعلى ارض الإمارات بشكل عام. وحقيقة نحن نفتخر بان السمة السائدة لدى الجميع أن الشرطة صديق الإنسان، فلا توجد تلك الرهبة بيننا وبين الشرطة بشكل واضح تماما،
وهذا يدل على السلوك الحضاري الذي تربت عليه قوات الشرطة في دبي انطلاقا من توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، منذ توليه رئاسة الشرطة والأمن العام في دبي عام 1968، إضافة إلى وجود الكثير من الكوادر المواطنة وعلى رأسهم أبو فارس، حيث إنهم حريصون، أولا على توفير الأمن، وثانيا على خلق علاقة متوازنة وتدعو للاطمئنان بين المواطنين والمقيمين وأجهزة الشرطة.
في هذه الندوة لدينا مجموعة من المحاور نحاول من خلالها أن نتوصل إلى رؤية مستقبلية: ماذا نريد من شرطة دبي مستقبلا؟ اخذين بعين الاعتبار مجموعة المحاور التي هي بين أيديكم، ونرجو من خلال هذه الندوة أن نقوم بتغطيتها ومناقشتها. في الوقت ذاته، هناك للأسف الكثير من الإخوان، لأسباب طارئة أو شخصية، اعتذروا عن المشاركة في هذه الندوة ونقبل عذرهم.
المحور الأول يتناول الاستراتيجية العامة للوقاية من الجريمة ومعالجة الاختلالات الأمنية، ونبدأ من اليمين بالأخ أبو فارس..
* الفريق ضاحي خلفان: الواقع أن الاستراتيجية التي تتبناها شرطة دبي من عام 2006 وخلال السنوات الخمس القادمة هي استراتيجية ترتكز أولا على منع الجريمة وثانيا على ردع المجرمين وثالثا على أن يكون أداؤنا أداء مؤسسيا، بمعنى أنه لا يكون قائما على أخطاء بقدر ما يقوم على نظم وثوابت مهنية. ولدينا في استراتيجيتنا التزامات تجاه المجتمع فيها مفهوم يضعنا في درجة من السرعة وتلبية النداء والاستجابة، سواء في الحالات الطارئة أو غيرها من الحالات.
وطبعا، شعارنا هو أنه «لا عودة عن الجودة». وقد عقدنا العزم على أن نكون دائرة تجدد رؤاها باستمرار، فمثلا عندما نقول إن لدينا خطة على مدى خمس سنوات فليس بالضرورة أن تكون هذه السنوات وهذه الاستراتيجية تقيدنا إذا ما استجد في الأمر شيء. هناك مرونة في استراتيجيتنا حيث إنها قابلة للتعامل مع ردات الفعل.
وقد وضعنا أهدافا استراتيجية، وهي: المنع، الرد، الضبط، أمن الطريق، تقديم خدمات متميزة، أن تكون الشرطة تتعامل مع الناس معاملة حسنة وتصون حقوق الإنسان أفضل ما يكون صون هذه الحقوق، كما نعمل على الحد من الجريمة. ونحن نعلم أن عندنا نموا فريدا في عدد السكان لا يشبه النمو في أي مكان آخر، ولو عدنا إلى التأشيرات ورأينا عدد الذين قدموا إلى البلاد خلال هذا العام أو الذي قبله أو قبل ثلاثة أعوام لوجدنا أن هذه الأرقام تقفز قفزات جدا عالية. ورغم هذا التوسع نحن، إن شاء الله، قادرون على أن نحقق الأمن والطمأنينة بأفضل صورها.
استراتيجية النخبة
ولعل الشيء الأساسي الذي بنيناه في هذه الاستراتيجية هو أن شرطة دبي من المعروف أنها في عام 1980 بدأت تركز على إرسال بعثات طلابية للدراسة في الخارج بحيث توفر لديها عدد كبير من الضباط المؤهلين، والآن نحن خلال السنوات الخمس القادمة تركيزنا سيكون على التخصصات الدقيقة في كل مناحي الحياة. فمثلا، إذا أخذنا الهندسة الوراثية فنحن نريد أن يكون أفضل من تخرج في الهندسة الوراثية ضمن صفوفنا،
وإذا تكلمنا عن خبير في الكيمياء في مختبر جنائي نبحث عن أفضل خبير في الكيمياء من أبناء الإمارات ليكون معنا... وهكذا. فنحن الآن ننتقي النخبة. في الماضي كانت استراتيجيتنا البحث عن الأذكياء، أما الآن فاستراتيجيتنا هي البحث عن النخبة. فالبحث عن النخبة هو احد أهداف استراتيجيتنا، لأننا ننظر إلى أن الأمور تتطور وينبغي مواجهة الجريمة انطلاقا من أن هناك من لديهم قدرات متطورة.
بالأمس، مثلا، كان عندنا ملتقى للمتميزين أو المبدعين، وكانت في هذا الملتقى إحدى المواطنات متخصصة في الطب الشرعي، وهو من التخصصات النادرة، وقد أثارت إعجاب كل الحضور بعرضها الرائع وأثبتت أن لديها من العمق والمعرفة الشيء الكثير وحتى في جانب لم يكن يعرفه الكثيرون وهو كيفية التوصل إلى فك رموز الجرائم. فنحن لم يعد البحث الجنائي عندنا يقتصر فقط على ضابط المباحث بالصورة التي كنا نراها في أي دولة وهو يرتدي نظارة سوداء ويطالع جريدة.
بل بالعكس، البحث الجنائي عندنا اليوم أصبح فيه دكاترة وعلماء يعملون لفك رموز أي جريمة غامضة. وأنا فخور، على سبيل المثال، بان عندنا مثل الدكتورة فريدة تخصصت وأصبحت واحدة من الخبراء المميزين في هذا المجال، وانشرح صدري عندما سمعت كلامها، واستطيع أن أقول إننا وصلنا درجة من التمكن لم تعد توجد عندنا جريمة تقيد ضد مجهول.
وفي استراتيجيتنا الجديدة أيضا نفكر في شيء قلما يفكر فيه احد، وإذا كان قد فكر فيه فانه لم يبدأ تنفيذه بينما بدأناه نحن، وهو التربية الأمنية. الأحداث التي صارت على مستوى المنطقة العربية من خروج بعض أبنائها يشهرون السلاح في وجه الدولة أو ضد مواطنيهم الآخرين أو من خلال صراعات طائفية أو اغتيالات وغيرها، نحن وجدنا أن هذا يعود إلى أن هناك خللا في التربية، ومن هنا اتفقنا مع منطقة دبي التعليمية على إدخال برنامج للتربية الأمنية،
لان التربية الأمنية هي صمام الأمان. فنحن لو استعرضنا قادة أمريكا، على سبيل المثال، سنجد أن جورج بوش (الأب) هو احد المقاتلين الأشاوس في حرب فيتنام وقائد عسكري ومدير مخابرات مر بالخدمة العسكرية، والابن كذلك، كما هو حال آل غور، ولو استعرضنا كل هذه القيادات لوجدنا أنها في الأساس قيادات عسكرية تحولت بعد ذلك إلى قيادات مدنية.
نحن لا نريد أن نأتي بقيادات علمية إلى هذه المناصب، ولكننا نريد قيادات أمنية على الأقل عندما تكمل الثانوية العامة تكون أشبه ما تكون بإضافة شرطي تخرج ومهمته الحفاظ على امن البلاد، بمعنى انه عندما ينهي هذه المرحلة يكون عارفا كيف يحافظ على امن البلاد، بعد أن نكون قد غرسنا فيه حب الوطن ومنع الجريمة، وليس الاكتفاء بمتابعة الجريمة.
وقد سرنا على هذا النهج منذ سنتين، ومن النتائج التي حققناها أن العنف في المدارس انخفض بنسبة 70% وارتفعت نسبة النجاح فيها، والمدارس التي كانت تعاني من الفلتان والتمرد بين المراهقين أصبح فيها شيء من النظام، هذا على مستوى مدينة دبي. وهذا البرنامج طلبته منا وزارة الداخلية كما طلب من مملكة البحرين ومن قطر ونحن نلمس مردوده في المدارس.
وأنا أتمنى أن يتحقق التعاون مع الجميع وان تكون قناعة بان الأمن مسؤولية مشتركة، كما وجدنا مثل هذه القناعة في منطقة دبي التعليمية. ولهذا نحن في استراتيجيتنا الجديدة نركز تركيزا كبيرا على الشركاء، وعندنا إدارة متخصصة لخدمة كافة الشركاء..
* د. محمد المطوع: ما المقصود بالشركاء؟
ـ الفريق ضاحي خلفان: الشركاء هم كل من يتعامل معنا في أي نشاط، بما في ذلك الهيئات والمؤسسات الحكومية وشركات القطاع الخاص، فإذا كانت لدينا أي مشكلة تتعلق بالسياحة، على سبيل المثال، فإننا نتصل بالشركات السياحية ونجتمع معهم ونضع أمامهم المشكلة لمناقشة المعوقات والمشاكل التي قد يواجهها السياح وبحث الحلول الملائمة لها.
فشرطة دبي، وفقا لتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لا تبقي المشكلات متقوقعة فقط داخل جدران الأمن وإنما تقوم بإخراجها للضوء والى الجمهور ومناقشتها مع الشركاء والتعاون معهم لحلها وخلق المزيد من التواصل معهم.
الأمن الوقائي
* يوسف الشريف: طبعا التصور الذي عرضه أبو فارس لا شك انه يمثل استراتيجية راقية جدا نتمنى أن تصل إليها جميع المجتمعات العربية على مستوى العمل الشرطي، فكما تفضل الدكتور (المطوع) في البداية، كانت الرهبة قائمة بين المجتمع والشرطة من قديم الأزل، حتى أننا كنا نخيف أولادنا بالشرطة،
أو بمعنى اصح كانوا يخيفوننا بها في السابق عندما كنا أطفالا، أما الآن فالجميل أن الشرطة صدقا أصبحت «صديق الجميع». ولا شك أن هذه الصورة رأيناها غالبا في دبي، حتى إنها ربما تفتقدها بقية الإمارات من حيث الفجوة الموجودة بين الشرطة والناس بشكل عام.
طبعا، الاستراتيجية التي عرضها أبو فارس لا شك أنها شاملة، وبدايتها هي في منع الجريمة، لان المعاناة التي تكمن في المجتمعات بشكل عام، ولا نتحدث عن مجتمع دبي، هي وقوع الجريمة، وللأسف دور الشرطة يبدأ مع بداية الجريمة، ولكن أين هو الدور في منع هذه الجريمة؟ الدور الوقائي! ولو ركزنا على هذه النقطة سوف نتفادى جميع النقاط الأخرى بعدها، من الحاجة إلى الردع والضبط ...الخ.
فلن نحتاج لكل ذلك إذا ركزنا منذ البداية على مسألة منع الجريمة قبل وقوعها، وبالتالي، نحن عندما درسنا القانون وبالذات في علم الإجرام والعقاب فهما هدفان متوازيان. فهناك أولا، أن تخلق مجتمعا لا يرتكب الجريمة، ومن ثم إذا حدثت جرائم، لان هناك مجرمين بالفطرة كما يقولون، مع أن هذا القول مخالف للتوجه الإسلامي من أن الإنسان يولد على الفطرة السليمة، ولكن البعض في الغرب يرى أن هناك مجرما بالفطرة أساسا، فكيف نقوم نحن هذا المجتمع؟ وفي ما بعد يأتي دور الردع.
والردع، بشكل عام أنا لما أراه، وأرجو أن يتقبل أبو فارس وجهة نظري وقد نتوسع فيها عندما نتحدث عن المؤسسات العقابية، لا شك أن سجون دبي، كما قال أبو فارس مرة في أحد البرامج أنها «سجون خمسة نجوم»، فهذا النوع من الردع ربما أصبح ملجأ للبعض يأوي إليه، والدليل على ذلك أنا كتبت في مقال لي انه للأسف احدهم من كثرة «الدلع» يقول انه بدلا من أن يسافر على حسابه لماذا لا أقوم بمحاولة انتحار ليحكم علي بالإبعاد والتسفير،
وقد نشر هذا الخبر في إحدى الصحف، فكتبت انه من كثرة «الدلع» قتل نفسه في النهاية! فلذلك أصبح البعض يرى أن هناك «تسهيلات» في عملية الردع، فبدلا من أن يخشى من العقاب يرى فيه وسيلة لتوفير سعر التذكرة والسفر على حساب الدولة، فكان اقتراحي في مثل هذه الحالة أن يتم تسفير المبعدين في بواخر حتى يشعروا بالتعب والمشقة، أو يسفر مقيدا ومخفورا إلى بلده لكي يشعر بالإهانة هناك. أما أن يذهب بكل كرامة هكذا ودون أن يشعر بألم العقوبة فهذا قد لا يشكل رادعا بالنسبة إليه!
* د. محمد المطوع: هذه حالات شاذة ونادرة وليست القاعدة العامة..
* يوسف الشريف: لا شك، والمجرم أصلا هو شخص شاذ..
* د. محمد المطوع: حتى في الشذوذ هناك درجات متفاوتة..
* الفريق ضاحي خلفان: أنا عندي مداخلة في هذه النقطة بالذات..
* د. محمد المطوع: لنسمع أولا رأي الأستاذ غسان، وأعود إليك..
ضريبة النمو
* غسان العريضي: هناك أمر لفت نظري بشكل أساسي وهو البرنامج التربوي والتنشئة الصالحة للأجيال المقبلة، ولدي أيضا تعقيب على كلام يوسف الشريف. عادة عندما يوجد نمو وازدهار بالشكل الذي نمت به دبي، فلا بد أن تكون هناك ضريبة، والضريبة أول ما تكون في الجانب الأمني. فعندما نجد أن نسبة النمو الاقتصادي في دولة الإمارات بلغت 4,26% فهذا نمو قياسي على المستوى العالمي،
ويوازي هذا النمو نمو بشري وديمغرافي ومجيء أعداد هائلة من الناس لا تستطيع أن تضمن مسبقا أنواعها وسلوكياتها أو عاداتها وتقاليدها ولا خلفياتها الثقافية والعقائدية وغيرها.. فهناك دائما ضريبة ترافق النجاح والازدهار والنمو، ومنها يكون التحدي الكبير هو الأمن. والردع الموجود في دبي يركز أولا على الإنسان، وأنا هنا اتفق مع الأخ الشريف في جانب واختلف معه في جانب آخر..
* يوسف الشريف: حتى لا يفهم كلامي خطا، فان نسبة الجريمة في دبي بالنسبة لعدد الناس الذين يدخلونها لا تذكر بالمقارنة مع أي منطقة أخرى، فكلامي لا يعني وجود خلل امني بل بالعكس، لكننا نتمنى أن نصل إلى الكمال.
* غسان العريضي: هذه هي النقطة التي كنت أود الحديث عنها، لأنه إذا نظرنا إلى نسبة الجريمة في دبي قياسا إلى دول أخرى، فسنرى أن النسبة في دبي جيدة جدا جدا وفي صالحنا بشكل كبير. ولكن التركيز على الإنسان، لأن الإنسان هو محور كل شيء في الحياة وإذا كان لديك إنسان صالح يكون عندك مجتمع صالح، وإذا كان عندك إنسان راق يكون المجتمع راقيا وإذا كان عنك إنسان متخصص يكون عندك مجتمع متعلم... وهكذا.
وبالنسبة للاستراتيجية التي عرضها أبو فارس، فمن المؤكد أن هناك إمكانية للاستعانة بقدرات وتجارب دول أخرى عبر تعلم تجارب الآخرين في مجتمعات لديها تنوع كبير في السكان، مثل بعض المناطق ذات الكثافة السكانية في أمريكا، لان دبي ستكون فيها كثافة سكانية كبيرة بالنسبة لمساحتها وتحتاج إلى الاستفادة من قدرات وتجارب الآخرين، مع الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة كالأقمار الصناعية وبالتأكيد هناك أفكار للاستعانة بشكل اكبر وأشمل بهذا المجال.
* د. منى البحر: أنا أريد أن انطلق من النقطة التي أثارها الأخ يوسف (الشريف) في ما يتعلق بـ «المجرم بالفطرة» كما يرى البعض في الغرب، وطبعا بحكم تخصصنا في المجتمع الإسلامي نرفض هذه الأفكار. فهذه بعض النظريات التي طرحت وتبناها شخص يدعى منظر ايطالي اسمه لانغروزو منذ سنوات طويلة وحصل حولها جدل كبير،
فحتى هذه اللحظة لا يوجد دليل واحد يقول إن الإنسان يمكن أن يحمل في جيناته شفرة أو شيئا له علاقة بالجريمة، لكن هذه النظرية تستخدم في بعض المجتمعات الغربية لأنه من السهل أن ارمي الجريمة على الفرد ولا احملها للمجتمع، فبدلا من أن ألوم البيئة الاجتماعية لأنها لم تتح للفرد فرصة الوظيفة وفرصة الصحة الجيدة والتعليم ...الخ،
فالأسهل أن ألوم الفرد، ومقابل هذه النظرية ظهرت نظريات أخرى تسمى «لوم الضحية». فنحن لا نريد أن نسوق هذه النظرية ولا أن نرحل المصطلحات من مجتمع آخر لديه أهداف مختلفة وراء تسويق مثل هذه النظريات إلى مجتمعات أخرى لها خصوصيتها، وهي نظرية عنصرية بالدرجة الأولى.
الرقابة المجتمعية
* غسان العريضي: هذه نظرية جان جاك روسو الذي يقول إن الإنسان يولد طبيعيا ليس سيئا ولا جيدا، والمجتمع هو الذي يحدد كيف يكون في ما بعد.
* يوسف الشريف: أنا أعددت بحثا أحاول فيه الرد على نظرية لانغروزو، لأنه عندما تكلم عن «المجرم بالفطرة» اعتمد على تشخيص شكل الإنسان، وبالتالي لو أن كل شخص نظر إلى نفسه وفق هذه النظرية لوجد أن فيه شيئا من صفات «المجرم» وربما وجد نفسه «مجرما بالفطرة»!
* د. منى البحر: النقطة الثانية في ما يتعلق بجانب الوقاية، بحسب ما طرح عن استراتيجية شرطة دبي، أنا أرى أن مسألة صيانة حقوق الإنسان والتربية الأمنية والتركيز على الشركاء، هذه كلها مترابطة، هكذا أراها. لأنه في الوقت الذي أصون فيه حقوق الإنسان فمن الطبيعي انه يعيش بأمان ولا يكون عنده أي شكل من أشكال الضغينة أو الحقد الذي يمكن أن يدفعه للاعتداء على الآخر، والتربية الأمنية في حد ذاتها أنا اعتبرها برنامجا وقائيا ومهما، وكذلك التركيز على الشركاء وإشراك الجميع في عملية صيانة الأمن هذه أيضا مسألة مهمة ووقائية ضد الجريمة.
لكن هناك نقطة في الاستراتيجية لم ألحظها أو لم يتم الحديث عنها وهي ما يسمى «مراقبة الأحياء»، واعتقد أني سبق أن قرأت عنها في الصحف، فشرطة دبي تشكل جزءا أساسيا من السلطة الرسمية، لكن أي مجتمع ينمو مثل مجتمع دبي في هذه المرحلة التاريخية التي نعيشها لا يمكن لأي سلطة رسمية أن تكون قادرة وحدها على لم كل هذه المسائل، وبالتالي من الضروري أن نعزز ونشجع ونبرز السلطة غير الرسمية مثل مراقبة الأحياء بحيث يسمح،
وهذا أيضا نوع من التطوير للمجتمع إذا كان في كل حي برنامج معين كل السكان مشتركون فيه من اجل الحفاظ على امن المنطقة ومراقبتها وأتصور أن هذا يساعد، بالإضافة إلى نوع آخر من السلطة وهو الضمير الإنساني، وأتصور أن التربية الأمنية يمكنها أن تعزز هذه المسالة. وإذا تكاتفت كل هذه السلطات مع بعضها بعضا فسنحصل على مجتمع آمن نستطيع أن نحد فيه من الجريمة ويمكنه بالتالي أن يتفاعل بشكل ايجابي مع هذا التنوع والتعدد الكبير في الجنسيات الموجود في بلدنا.
والسؤال الذي يطرحه اليوم كل المواطنين في مجالسهم وجلساتهم المختلفة، وهم كل مواطن وكل مقيم داخل البلد: كيف تتصرف الشرطة مع هذه الأعداد من الناس الذين لا نعرفهم وعندهم نظرة للعالم تكاد تكون متنافية أو مختلفة مع نظرتنا نحن للعالم؟ كيف تتعامل معهم الشرطة؟ وهل نحن في أمان من هذا التنوع الكبير؟ وفي الحقيقة، ودون مجاملة، الكل عندهم ثقة كبيرة في شرطة دبي ونتمنى أن تستمر هذه الثقة وتقوى وتعزز بالتعاون مع المقيمين في الدولة،
لان هؤلاء المقيمين أيضا يريدون الأمن والاستقرار ويريدون تربية أبنائهم وممارسة أعمالهم بشكل آمن. لكن هذا لا يعني أن الجميع يريدون الأمن والاستقرار، فهناك من يأتون بهدف الجريمة مثل توزيع المخدرات أو تهريبها أو غسيل أموال وغير ذلك، وهذه أمور أصبحت معروفة، وأتمنى أن اسمع من «أبو فارس» عن استراتيجية الشرطة في التعامل مع هذا الوضع.
