الإحساس باليأس وعدم الثقة بمعطيات الأيام المقبلة، هو ما يعبر عن حقيقة ما وصل إليه حال سكان منطقتي مزيرع ومصفوت، بسبب استمرار الوعود بحل مشكلة نقص المياه لديهم، دون أن يشاهدوا تعبيرات هذه الوعود على أرض الواقع حيث يواصل السكان في هذه المناطق انتظار التناكر المحملة بالماء.

كما يواصلون في الوقت عينه انتظار تحقق الوعود التي باتت لدى أولادهم نكتة يتندر بها صغارهم أو الذين كبروا وهم يستمعون للحكاية ذاتها وينتظرون الوعود نفسها على حد تعبير أحد سكان منطقة مصفوت. شكوى سكان مزيرع ومصفوت تتمثل في قلة المياه المخصصة لهم وعدم جودتها أيضاً، مما يضطرهم لشراء المياه من التناكر، الأمر الذي يفرض عليهم المزيد من الالتزامات المالية التي تثقل كاهلهم، كما أنهم يواجهون مشكلة في نوعية إمدادات المياه التي تصلهم، حيث يقولون بأنها تحمل رائحة كريهة، وتسبب لهم الحساسية لدى الاستحمام .

بداية رحلتنا كانت من منطقة مزيرع التابعة لإمارة عجمان حيث قادتنا الخطى للقاء عائشة غريب خميس التي كانت قد فرغت لتوها من ملء خزانات منزلها بواسطة أحد التناكر وعندما عرفت هويتنا، بادرت إلى القول: هذا هو حالنا كما ترون، مضيفة بأنهم يضطرون إلى شراء الماء أكثر من 3 مرات أسبوعياً لتعويض النقص في المياه الذي يردهم عبر خزان الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء. مشيرة إلى أنها تضطر لدفع أكثر من 200 درهم أسبوعياً لشراء الماء وبما يقارب الألف درهم شهرياً، إضافة إلى المبلغ المالي الذي تضطر لدفعه لشراء ماء الشرب، حيث أن إمدادات المياه التي تصلهم عبر الخزانات تحتوي على طعم ورائحة ولا يمكن استعمالها للشرب، لأنهم بالكاد يستعملونها للغسيل والاستحمام مع ما يحمله ذلك من مضار تتمثل في الحساسية الجلدية بسبب هذه المياه.

وقالت جارتها هولا مهنا محمد بأن الأمر يزداد صعوبة عليهم، فهم ينتظرون دون جدوى تحقق الوعود الكثيرة بوصول المياه إليهم أسوة ببقية مناطق الدولة، مشيرة إلى أنهم باتوا يعيشون حالة يأس من إمكانية تحقق ذلك، حيث تضطر شهريا لدفع أكثر من ثلاثة آلاف درهم تقريباً مقابل الحصول على المياه، والتي لا تصلهم مع ذلك بشكل مرض وكما يشتهون، فهي غالباً ما تأتي مصحوبة بروائح تجعل شربها مستحيلاً، وليس هذا فحسب بل انها لاتصلح للاستحمام.

أسعار التناكر تضاعفت

ويقول عبيد علي الكعبي من سكان منطقة مزيرع بأنهم كانوا منذ 9 أعوام يشترون تنكر الماء بسعة ألف جالون بـ 15 درهما، فيما هم الآن يشترونه بـ 60 درهما ولأكثر من 6 مرات أسبوعياً، مما يجعله يدفع أكثر من ثلاثة أو أربعة آلاف درهم.

مشيراً إلى أنه اضطر إزاء هذه المصاريف الكبيرة، إلى اتخاذ قرار بحفر بئر ماء يخلصه منها، ولكن كانت النتيجة عكسية حيث خسر أكثر من 57 ألف درهم تكاليف حفر البئر الذي لم تنجح الأقدام الألف وخمسمائة لعمق البئر من الوصول للماء ليبقى شاهداً على محنة سكان منطقة مزيرع.

ويضيف بأن البلدية في هذه المنطقة لم تخدم سكانها مطلقاً على صعيد تزويدهم بالماء ومنذ أكثر من ثلاثة أعوام حيث كانت سابقاً تزودهم بتنكر سعته ثلاثة آلاف جالون من الماء بسعر 50 درهما فيما هم الآن يواجهون المشكلة لوحدهم دون أي تدخل من البلدية.

سوى من المعونات التي يقدمها الهلال الأحمر الإماراتي، كما يعادل 140 إلى 150 ألف جالون يومياً تقدم مجاناً عبر 8 تناكر تزور مزيرع مشيراً إلى أن الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء تقدم حوالي 40 ألف جالون من المياه يومياً للبلدة مؤكداً بأن هذا كله لا يكفي مطلقاً سكان مزيرع الذين يواصلون شراء الماء للشرب والغسيل.

واعتبر أحد سكان منطقة مزيرع (رفض ذكر اسمه) بأن منطقتهم لا تلقى أي اهتمام من الجهات المعنية، مشيراً إلى أن البعض فقط هم من يحصلون على الامتيازات، وخاصة المياه دون غيرهم.

خلاف في الرأي

اللقاء مع راشد علي بن محمد بن راشد كان ضرورياً كونه المكلف من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الاعلى حاكم عجمان بالإشراف على توزيع إمدادات المياه في المنطقة، حيث أكد منذ البداية على عكس ما جاء على لسان سكان المنطقة، بأن وضع الماء في المنطقة ممتاز بنسبة 80 في المائة، حيث يصلها يومياً 50 ألف جالون من المياه من الهلال الأحمر الإماراتي ومن الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء، بالإضافة إلى إمدادات المياه التي توزع على السكان مجاناً من البئر الذي حفر على نفقة صاحب السمو حاكم عجمان.

وأشار إلى وجود بعض المشاكل في وصول الماء لمناطق محددة في مزيرع مثل شعبية (بو محي) التي شيدت الأبنية فيها على مستوى أكثر ارتفاعاً من تصميم إمدادات المياه المرتبطة بالخزان الرئيسي مما يجعل وصول الماء صعباً إلى هذه الأبنية، موضحا بأنه وخلال الفترة السابقة كان يتم تزويد هذه المنطقة بـ 10 آلاف جالون يومياً، وسيتم تزويدها خلال الفترة المقبلة بـ 10 آلاف جالون أخرى، استجابة لاحتياجاتهم.

واوضح أن حجم إمدادات المياه لمنطقة مزيرع يبلغ 120 ألف جالون يومياً، 60 ألفا منها عن طريق الهلال الأحمر الإماراتي، والأخرى تقدمها الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء.

وأضاف عبيد مصبح البخيت من سكان مزيرع بأن السكان ينتظرون حلاً جذرياً لمشكلتهم المتعلقة بشح المياه عبر تحقق وعود الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء بربط منطقتي مزيرع ومصفوت بمحطة الفجيرة الكبيرة لتحلية المياه.

وبدوره أكد ناصر جمعة الكعبي أن تحسناً كبيراً طرأ على قضية المياه في منطقة مزيرع حيث ازدادت إمدادات المياه فيها، مشيراً إلى أن الطموح لدى السكان بما هو أكثر.

مصفوت.. في الهم سواء

الوضع في منطقة مصفوت لم يكن أفضل من سابقه، في منطقة مزيرع على صعيد شح المياه ونوعيتها، حيث قال «سلطان محمد سعيد»: والذي كان أول من إلتقيناه لدى دخولنا البلدة بأنه بسبب قلة إمدادات المياه واحتمالات انتظارها فإنه يضطر إلى شراء تناكر المياه كل يومين تقريباً مما يجعله يتحمل تكاليف باهظة تصل إلى أكثر من 2800 درهم شهرياً لشراء احتياجاته.

مؤكداً بأن هذا المبلغ لا يشمل مياه الشرب التي يشتريها أيضاً كون المياه الواردة إليهم ذات رائحة وتؤدي لإصابتهم بالحساسية لدى استعمالهم لها للغسيل والاستحمام.

وعود كالسراب

وأكد «محمد سيف ماضي الكعبي» (من سكان مصفوت) كلام زميله بكون إمدادات المياه التي تصلهم قليلة للغاية، إضافة إلى كونها ليست صحية نظراً للرائحة واللون، مشيراً إلى أنهم كسكان باتوا غير مصدقين لأية وعود تصلهم عن قرب إنجاز حل مشكلتهم المستعصية، موضحاً بأنهم ومنذ سنوات طويلة وهم يستمعون إلى مثل هذه الوعود دون جدوى.

وخاصة ذلك الوعد بقرب ربط خطوط مياه مصفوت ومزيرع بالخط القادم من محطة الفجيرة للتحلية والذي وضعت له مواعيد مختلفة لتحققه، مؤكداً بأنه تحول إلى ما يشبه السراب يبتعد عن الإنسان كلما اقترب منه.

وقال سالم محمد بأنه يشعر بالحزن الشديد على حال أسرته وبقية سكان مصفوت عندما يذهب بأسرته وأولاده لزيارة أقارب لهم في إحدى إمارات الدولة، ويشاهد لهفة أولاده على التعامل مع المياه النظيفة المتدفقة بقوة من صنابير المنزل، والتي لا يرون مشهداً مماثلاً له في منزل الأسرة في مصفوت حيث المياه القليلة وغير النظيفة.

ويتساءل.. هل من المعقول أن يحدث ذلك في دولة الإمارات التي توزع المساعدات شرقاً وغرباً في العالم، وتقدم الحلول للكثير من المشكلات؟.

البلدية تؤكد الأزمة

وكان ختام الجولة في منطقة مصفوت مع مدير فرع بلدية عجمان في المنطقة عبد الله سعيد سلطان حيث أكد ومنذ البداية على أن وضع إمدادات الماء لديهم سييء للغاية.

مشيراً إلى أن الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء لا تمل من إطلاق الوعود بتحسين إمداداتها من المياه والتي لا تنفذ، مع استمرار دوران عدادات الماء بحساب كميات مياه لا تصل أبداً.

ويضيف سلطان بأن الهيئة وعدت بتوفير 75 ألف جالون من المياه لمنطقة مصفوت ولم تنفذ هذا الوعد حيث يصل إلى المنطقة فقط 50 ألف جالون فقط وبشكل متقطع وغير منتظم. ويوضح بأن إعلان الهيئة مؤخراً عن توفيرها لمصفوت 75 ألف جالون غير حقيقي لأن الكمية ما زالت أقل من ذلك بكثير، مؤكداً بأن الهيئة تتكلم فقط دون فعل أي شيء.

وعن حاجة منطقة مصفوت الحقيقية من المياه أكد سلطان بأنها لا تقل عن 160 ألف جالون حتى تصبح الأمور معقولة وضمن الحدود الطبيعية والمنطقية لحاجة السكان. وأشار إلى أنه شخصياً وبسبب نقص الإمكانيات يقوم بشراء الماء من التناكر لسد احتياجاته، الأمر الذي يرتب عليه دفع مبالغ مالية كبيرة لقاء ذلك.

وأشار إلى أن أسعار شراء تناكر الماء ازدادت بشكل كبير خلال الفترة الماضية حيث ارتفع السعر من 30 درهما للتنكر بسعة ألف جالون إلى أكثر من 50 درهما، إضافة إلى عدم صلاحية هذا الماء للشرب أو حتى للاستحمام الذي يقدم عليه السكان مكرهين نظراً لرائحته الكريهة ولونه ولما يسببه من حساسية للجسم. وأكد بأن كل بيت في مصفوت يتكبد شهرياً بين 3 آلاف و4 آلاف درهم لشراء احتياجاته من المياه.

وحول البئر الذي أمر صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي حاكم عجمان بحفره على نفقته قال مدير فرع بلدية عجمان في مصفوت بأنه يسهم بشكل جزئي في حل مشكلة نقص الماء حيث يقوم من 30 إلى 40 تنكرا صغيرا بتوزيع الماء مجاناً على السكان تحت إشراف البلدية.

وختم عبدالله سلطان حديثه بالقول بأن أصحاب السمو حكام الإمارات لا يمكن أن يقصروا مع شعبهم، ولكن الإشكالية تبقى لدى بعض الجهات التنفيذية التي تعرقل الخطوات المباركة لهم.

تحقيق: خالد اللوباني