عندما غشي ظلام الجهل على الدول الأوروبية آنذاك وكانت في حالة يرثى لها عندما كانت الكنيسة تسيطر على أوضاع الناس العامة والخاصة فحرمت الابتكار وقتلت العلماء والمفكرين حتى التحق بعض النبغاء من الأوروبيين بأبناء الحضارة الإسلامية فلازموا المسلمين ونهلوا من علمهم فاغترفوا من شتى كنوز الثقافة والمعرفة الإسلامية في الأندلس في فترة الحكم الإسلامي فأتقنوا العلوم المختلفة فقامت بعد ذلك الثورة الصناعية الكبرى في فرنسا.
وعمت منافعها أرجاء الأرض بعد أن نبذوا تعاليم الدين المحرف وأبعدوه عن الساحة السياسية والعلمية فأصبح ما لقيصر لقيصر ومالله لله وبهذا النهج الذي سلكه الغرب (انتقلت الحضارة المادية من دين بلا حضارة إلى حضارة بلا دين! ومن دين بلا علم إلى علم بلا دين! ومن دين يقتل حيوية الناس بالرهبانية السلبية وإهمال عمارة الأرض، إلى حيوية عارمة تقتل الدين!
ومن فكرة الثبات في كل شيء ويرفض إحداث أي تغير في جانب الحياة لأنه يخالف سنة الثبات، إلى فكرة يعتقد التطور في كل شيء ولا يقر الثبات في شيء على الإطلاق) ولتوضيح هذه العبارة، نقول إن هذه الحضارة كانت على دين متخلف ليس عنده أي تقدم في العلوم المختلفة.
وكان أصحاب هذا الدين يضطهدون الأشخاص حيث يحارب كل فكر حر يبتكر شيئا مفيدا للبشرية أو يقدم لها حلا مناسبا في قضاياها المختلفة وقد حصرت كل شيء داخل الكنيسة وحسب تعاليم رجالها فكلامهم مقدس سواء أكان هذا الكلام حقا أم باطلا يخالف العقل أو يوافقه فلا يجوز للناس مخالفة ذلك والتعدي علي تلك القوانين أو تغير مبدأ من مبادئها فتعتبر في نظرهم ثابتة لا تقبل التطور أو التبديل فلم تكن لهم حضارة يباهون بها الآخرين.
ثم بعد أن تحرر رجالها من قيد الكنيسة الظالم للبشر وأصبحوا يحملون الأفكار البناءة التي تشيد الحضارة بعد أن اختلطوا بالمسلمين في الأندلس اقتبسوا العلم النافع فتأثروا بما عندهم من الأخلاق فأخذوا ينهلون من العلم والمعرفة الشاملة التي سطر أمجادها المسلمون، نبذوا تعاليم الكنيسة وأدركوا أنها على خطأ تام وقالوا ان تعاليمها لا تصلح أن تكون عنصر تشييد وبناء للمجتمع على هذا النهج الذي يحارب ويضطهد الأفكار والحريات بمختلف فئاتها فعمدوا أيضا إلى تحرير الشعوب من ذلك القهر.
فلا يمكن للإنسان أن يتقدم ويسير نحو الرقي والازدهار في المستقبل في ظل تعاليم الكنيسة فنهجوا منهجا آخر بعد ذلك وهو عملية فصل الدين عن الدولة والتحرر التام من قبضة الكنيسة فالسياسة لها طريق خاص والحياة العامة كذلك والتشريعات إلى آخر ما قننوه من نظم وقوانين وارتأوه صالحا لهم فأصبحت حضارة بلا دين تشيع سائر المخالفات الفطرية كالانحلال الأخلاقي ومنها الشذوذ والتفكك الأسري، وسائر أنواع الفساد الذي استشرى داؤه وعم بلاؤه في ارجاء الأرض.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي