قال الشيخ: حديثي عن والدي رحمه الله حديث عن جيل من الرجال عاشوا لغيرهم ولم ينسوا نصيبهم من الدنيا، فكانوا أهلاً للاحترام في الدنيا وللفوز في الآخرة، فهو رحمه الله لن يناله شيء من الحديث عنه وأحسبه اليوم إلى جوار الرفيق الأعلى، كما انني لن يغني عني الحديث عنه شيئاً، فالفخر بالنسب فخر بما لم تكن سبباً له وفيه.

أما عند الله فلا تزر وازرة وزر أخرى، إلا أن صالح أعمال الأولاد طوال أعمارهم تقع في صحيفة آبائهم كما أن دعاء الابن لأبيه الذي رحل عن الدنيا قد يرفعه عند الله درجات.

وقد رأينا أن في جيل آبائنا كان الرجل يتحدث في البيت والزوجة والأولاد يستمعون مع الأخذ برأيهم واستشارتهم والاستماع إليهم، أما في زماننا هذا فالزوجة والأولاد يتحدثون جميعاً والجيران يسمعون.

وأرجع اليوم في ذاكرتي إلى أيام الطفولة لأتحدث عن نزهات العائلة البسيطة السعيدة، والتي تختلف اختلافاً شاسعاً عما يسميه الجيل اليوم ب«الويك إند» والذي يبدأ من ظهر الخميس إلى صباح السبت، ومن هم في أعمارنا وأصغر منا يمضون هذا «الويك إند» بين النوم والخروج من البيت الذي يجب أن يكون مكلفاً ومرهقاً، فهو يجمع بين سهر الخميس وخروج الجمعة.

وحيث ينفق من المال ما تنخ له الجمال، وكثيراً ما يشمل هذا «الويك إند» اختلاطاً بين العائلات والأقارب، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الاختلاط لاسيما مع أقارب الرجال (اخوة الزوج) وأقارب النساء (أخوات الزوجة) قائلاً: الحمو الموت.

وهذه هي أحسن الأحوال، أما أسوأها والذي أصبحنا نراه اليوم كثيراً هو أن يكون لكل فرد من العائلة أب أو أم أو ولد أصدقاؤه وجوه الخاص، فيستيقظ كل منهم في وقت خاص به ويتناول إفطاره بمفرده، ثم يخرج من البيت، وقد رأينا عائلات في زماننا نسأل فيه الأب عن الأم أو عن الأولاد فلا يعرف أين هم وما الأم بأكثر معرفة من الأب.

في جيل والدي رحمه الله كان يوم الخميس يوم عمل عادي لا يتميز عن غيره ربما إلا بعشاء متميز في البيت تحضره الأم ويجتمع حوله جميع أفراد العائلة. أما الجمعة فقد كنا نستيقظ قبل الفجر لصلاة التهجد ولحضور مجلس من مجالس الصلاة على النبي التي كانت تعقد في المساجد.

مما كان ينعشنا وينعش أرواحنا بما في هذه المجالس من ذكر وصلاة على النبي ونصح ووعظ، ثم كان أعضاء العائلة يجتمعون جميعاً حول إفطار متميز (من الفول أو الفتة أو غيرها) وبعد الإفطار لم يكن وارداً أن يغادر أحدنا البيت، فقد كنا جميعاً نجلس مع والدنا ووالدتنا نتجاذب أطراف الحديث حتى يحين وقت صلاة الجمعة، فيخرج ذكورنا مع والدنا إلى المسجد لحضور الجمعة صلاتها وخطبتها.

وكنا كثيراً ما نحرص على الذهاب إلى المسجد مبكرين لقراءة سورة الكهف قبل أذان الظهر، وبعد أن نخرج من الجامع كنا نشعر بنشوة روحية عالية كمن استحمت روحه بعد استحمام جسده، بعدها كان الطقس هو الذي يحدد وجهتنا، ففي الربيع والصيف كنا نتجه على الأكثر إلى البساتين والحدائق لتناول غداء محضر في البيت أو في الخارج.

أما في الشتاء والخريف فكنا نتناول الغداء في البيت ونخرج بعد صلاة العصر لنتجول في شوارع المدينة أو لنخرج إلى الضواحي، نشرب الشاي الساخن في برد الشتاء ولا بأس من التحلق حول بائع فول نابت (باجيلا) أو كستناء مشوية.

وباختصار فقد كان يوم الجمعة جامعاً لأفراد العائلة تحت جناح الأب، جامعاً بين العبادة والترفيه والتسلية غير المكلفة، وقد كان القليل في هذا الجو العائلي الإيماني يسعد الجميع.

لابد من ذكر نزهة كان والدي رحمه الله يميل إلى تكرارها، وهي نزهة ضاحية ميسلون حيث يوجد قبر يوسف العظمة بين أشجار سرو غنية وعالية، ويوسف العظمة لمن لا يعرفه هو وزير الحربية الذي رفض أن يدخل الفرنسيون دمشق دون مقاومة فتكون سبة وعاراً يلاحق أهلها إلى يوم الدين، فخرج ومعه ما يقارب الأربعين رجلاً إلى ميسلون.

حيث التقى بالجيش الفرنسي الزاحف بعدده وعتاده فاستشهد ومن معه حتى لا يقال ان دمشق قد وقعت دون مقاومة، كنا نتحلق مع والدي رحمه الله حول قبر يوسف العظمة ونقرأ له الفاتحة ثم نخرج فنشرب من عين ماء قريبة، ثم نلعب بين أشجار السرو، ثم نعود إلى البيت مبكرين فنحلم بيوسف العظمة وما أظهره من بطولة وتضحية.

ماهر سقا أميني