إعمال العقل وتوظيفه التوظيف الأمثل في مختلف جوانب الحياة ومنها صنوف العلم التكنولوجية والصناعية والفكرية... أمر مطلوب من جميع البشر فالعلم لا يختص بفئة معينة أو جنس أو لون محدد فهو متاح للجميع فبدونه تفقد البشرية حيويتها سواء أكانت هذه الحيوية معنوية أو مادية.
فالعلم يعتبر وقود الحياة وشعلتها المضيئة لمواكبة متطلبات العصر تلك المتطلبات قد تمثلت في الماضي من خلال الاستفادة العظمى من علم وتجارب الآخرين وكما هو الحال في العصر الراهن ولا ريب أن الإنسان يقوم بالاستعداد الأمثل للمستقبل من خلال وضع الاستراتيجية المنظمة وهذا الاستعداد لا يكون أيضا الا بعمل الخطط والدراسات المهمة التي من شأنها أن تسعد المجتمع بتوفير احتياجاته الخاصة والعامة ولا يتم ذلك ولا يتحقق مراده وطموحه إلا بالتخطيط السليم من قبل المخلصين والتنفيذ الأمين من قبل الأفراد الأمناء.
ومن المعلوم حتما أن الله سبحانه وتعالى قد أرشد الناس إلى التفكر والتعقل في جوانب الحياة المختلفة وأمرهم بالنظر في هذا الكون الفسيح وما فيه من بحار وأنهار وجبال وأرض وسماء... بأن يسعوا جادين إلى استخراج خزائنه الوفيرة المهيأة للبشر فالقرآن الكريم مشحون بكثير من الآيات التي تحث أولي العقول على التدبر والتفكر كقوله تعالى «قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ» (يونس/101)
فهذه الآية الكريمة تدعو الناس أجمعين وتحثهم على إعمال العقل بالتفكير المستمر والجاد في الكون والأرض لأن كل الاختراعات والمبتكرات العلمية تستخرج منهما ولا يحصل أي إبداع كان ولا اختراع بمحص الصدفة لأنه لابد لكل موجود من موجد فقد كان المخاطبون بهذا القرآن أول مرة ابان نزوله، لم يكن لديهم من المعرفة العلمية الشاملة بما في السماوات والأرض إلا القليل ولكن الحقيقة... هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية!
وإن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون ـ حين تنفتح وتستيقظ ـ وتسمع منه الكثير! والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي في الإدراك البشري يتكيء على ما في السماوات والأرض ويستلهم هذا الكون، ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل وذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق والتوازن فيه... والنظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات، وزاد من الاستجابات والتأثرات، وزاد الشعور بالموجود،
وزاد من التعاطف مع هذا الوجود... وذلك كله في الطريق إلى امتلاك الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية بوجود الله، وبجلال الله، وبسلطان الله، وبحكمة الله، وعلم الله... ويمضي الزمن، وتنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون، فان كان الإنسان مهتديا بنور الله إلى جوار هذه المعارف العلمية زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية من التأمل في هذا الكون، والأنس به، والتعرف عليه، والتجاوب معه والاشتراك معه.
وهذا ما كان المسلمون عليه في عهدهم الزاهر بالمنجزات العلمية والفكرية فقد كان حظ الحضارة الإسلامية من العلم المعنوي والمادي وفيراً وغزيراً باهوا به الحضارات الأخرى عبر العصور الماضية فكانوا أعزاء وأحرارا وقد احتل العلم المادي مكاناً شاسعا فخدم البشرية إبان ازدهار الحضارة الإسلامية فبرع بعض العلماء في تخصصات شتى منها الطب والفيزياء والميكانيكا وعلوم البحار.
بقلم: إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي