أم عمار ظلت على مدار العام الدراسي الماضي تقف إلى جانب ولدها بكل ما يملكه قلبها وعقلها من إصرار، وانطلاقاً من إيمانها العميق بتحقيق ولدها عمار بكري أحمد النوش، سوداني الجنسية من مدرسة الوحيدة للتعليم الثانوي في دبي، ما كان يصبو إليه بينما كان صغيراً، آثرت ألا تريح جسدها مقابل أن تساعد ولدها في تحقيق حلم الالتحاق بقائمة الأوائل العشرة.
أما عمار فأصر على مكافأة والدته قبل نفسه والتألق في مرتبة الأول مكرر في الفرع العلمي على مستوى الدولة. هذا الطالب سر كثيراً دون أن تبكيه كلمات البشارة الأولى على عكس والدته التي أصرت إلا أن يكون البكاء الشديد في ذلك الموقف العلامة الأبرز على فرحة انتصار ولدها في الثانوية العامة وتحقيق مرتبة الأول على مستوى الدولة، وهو الخبر الذي لم تتوقعه تلك العائلة.
لاسيما وأن التفوق لا يلازم جميع أبنائها. ويقول إنه وعلى الرغم من انتظار الأسرة منذ يوم أمس لنتائج الثانوية العامة، و التي لاحت بوادرها منذ أن بدأت الصحف بالحديث عن انتهاء الوزارة من تصليح كافة الأوراق الامتحانية، إلا أن أحداً لم يسبق هاتف «البيان»، في نقل الخبر الأول عن النتيجة غير المتوقعة، وبينما كانت العائلة تجلس كعادتها في فترة الظهيرة، حتى رن هاتف البيت وردت عليه الأم لتتلقى خبر التألق بالمرتبة الأولى في الثانوية العامة.
عندها وكما يقول عمار المتفوق أخذت الأم تبكي بكاءً شديداً، وما كان منها إلا أن أقبلت مسرعة تجاه ولدها لتحتضنه في موقف يدعو إلى البكاء، لكن ذلك لم يغر ولدها الذي يتصف بالرزانة والتحمل وهدوء الأعصاب، وراح يبادل والدته الباكية بالضحك المعبر عن لذة الانتصار والتفوق في موسم حصاد الثانوية العامة الذي استمر لاثني عشر عاماً.
في هذه الظروف راحت الأم تخبر زوجها الذي يسير في عمله كمهندس في الهيئة الاتحادية للكهرباء، والذي ينتظر بشدة خبراً يريحه ويذهب عنه ألم التوقعات، وبالفعل يأتي هذا الخبر ممزوجاً بدموع الأم التي آثرت أن تنقل فرحتها عبر الأثير إلى زوجها المنتظر.
وما أن تم ذلك حتى اجتمع حوله زملاؤه في العمل وراحوا يباركون له نتيجة ولده المشرفة، حينها لملم المهندس بكري النوش خيوط فرحته وعاد مسرعاً إلى البيت ليجد ولده منتظراً إياه وفي عينيه نظرات ثقة واطمئنان.
وكما أجمع الوالد والوالدة فإن أكثر ما يميز عمار في حياته اليومية هدوءه وتحمله للصعاب والمقدرة العالية على التغلب على كل ما يعترض طريقه، وبالفعل، كان له ذلك حينما طوى اثني عشر عاماً من مشواره مع الدراسة ليخرج في النهاية منتصراً على الكتاب والكراسة ومحققاً أرفع المناصب في قاموس التفوق.
عمار المتفوق لا ينتمي إلى أسرة متفوقة في مختلف أركانها، وعلى الرغم من أن شقيقته عهد نالت درجة مرتفعة في الثانوية العامة وحصلت على معدل 97 في المئة وراحت تدرس الصيدلة في منحة بجامعة الشارقة، إلا أن الابن الأكبر أحمد والذي يدرس حالياً إدارة الأعمال بكلية الإمارات في دبي، ولكنه كان طالباً عادياً ولم يكن في ملامحه التفوق.
والدة عمار أكدت ثانية صدق توقعات العائلة بتفوق ولدها، ولكنها لم تكن تحلم بحصوله على المرتبة الأولى على مستوى الدولة، فهي تقول ان مشوار ولدها مع امتحانات الثانوية العامة كان مليئاً بالثقة وبعيداً عن التردد أو القلق، ففي كل يوم ينتهي فيه من امتحان كانت كلماته فقط «الحمد لله» وفي النهاية أكد بثقة كبيرة أنه سيحقق طموح وأحلام والديه وإخوانه بقائمة العشرة الأوائل، وبالفعل صدق المثل «لكل مجتهد نصيب».
تقول والدته ان عمار دخل المدرسة بينما كان عمره خمسة سنوات، وظل في الفترة الابتدائية بمدرسة الراشد الصالح، لينتقل بعدها في الفترة الإعدادية إلى مدرسة طارق بن زياد، ثم يتوج مشواره مع التألق في مدرسة الوحيدة، والتي على أبوابها بصم بالعشرة أنه الأول على قائمة الأوائل العشرة.
