هبت رياح انفراج قوية على المشهد الفلسطيني الداخلي إثر إقرار الفصائل وثيقة الأسرى التي ظلت لفترة طويلة محل جدل واختلاف باستثناء حركة الجهاد الإسلامي، لكن هذا الانفراج الداخلي يتعرض لتهديد من جانب إسرائيل التي أكملت استعداداتها لشن هجوم واسع على قطاع غزة، خاصة بعد أنباء عن اختطاف ثان لمستوطن قرب نابلس، مع تلويح اسرائيلي باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل وخطف نصف وزراء الحكومة الفلسطينية، ردا علي اختطاف الجندي الإسرائيلي، لكن واشنطن سارعت إلى الدعوة لضبط النفس، وسط مطالبة من الاتحاد الأوروبي بحل سياسي.

وتم الاتفاق بين القوى الفلسطينية، باستثناء الجهاد الاسلامي، على جميع بنود «وثيقة الأسرى» التي تعترف ضمنا بوجود إسرائيل.

وقال رئيس كتلة فتح البرلمانية عزام الأحمد إن «الاتفاق سيعلن بعد عرضه على رئيس السلطة محمود عباس (أبومازن) ورئيس الوزراء إسماعيل هنية» موضحا أن «الحوار انتهى باتفاق على الوثيقة مع إدخال تعديلات بسيطة عليها». وأضاف الأحمد أن «حركة الجهاد لم توافق على الوثيقة الأصلية منذ البداية وسجلت تحفظا على بعض النقاط».

في هذه الأثناء اعترف جيش الاحتلال ومجلس المستوطنات فى إسرائيل باختطاف مستوطن قرب نابلس، ونقلت صحيفة «يدعوت احرنوت» على موقعها الإلكتروني أمس «نبأ تأكيد إسرائيلي رسمي لاختطاف المستوطن الياهو آشري (18 سنة ونصف) من مستوطنة ايتمار الإسرائيلية منذ صباح الاثنين من كليته العسكرية بمستوطنة نفي تسوف».

وأكدت المصادر الإسرائيلية على «أن الخاطفين نقلوا اشري إلى رام الله»، مشيرة إلى ان الجهات الأمنية لا تزال بصدد البحث عن المستوطن المختطف، وأفادت «ان المعلومات الأولية تؤكد على مقتله وذلك بحسب ما أفادت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية.

وقال أقارب المستوطن الذين قدموا البلاغ للشرطة إنه «كان يفترض أن يصل لبيته مساء أمس الاثنين لكنه لم يحضر إلى البيت».

وكان قد أعلن الليلة قبل الماضية الناطق باسم «ألوية الناصر صلاح الدين» التابعة للجان المقاومة الشعبية «ابو عبير» عن «ان المستوطن آشري في حوزتهم بعد ان نجحت مجموعة من الألوية من اختطافه». وأوضح «لدينا كافة المعلومات والوثائق وسوف نعلن عن تفاصيل أخرى في وقت لاحق»، وأضاف «ان عملية الاختطاف تمت في منطقة نابلس».

في السياق نفسه أنهت إسرائيل خلال الساعات الماضية استعداداتها العسكرية فحشدت آلاف الجنود والآليات على حدود غزة انتظارا لصدور قرار بشن عدوان كبير ردا على خطف احد جنودها الأحد الماضي في عملية «الوهم المتبدد» الفدائية الفلسطينية.

وفيما امتدت التعزيزات العسكرية، من مشاة وآليات، على مسافة بضع مئات الأمتار من حدود القطاع.. ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن «التعزيزات العسكرية تتضمن نحو خمسة آلاف عنصر من كتيبتي مشاة وفوجي مدرعات، مشيرة إلى انه لم يتم إصدار أوامر باقتحام قطاع غزة حتى الآن خشية على حياة الجندي المخطوف».

وأمس، تفقد وزير الدفاع الإسرائيلي عامير بيريتس القوات العسكرية، وأعلن للصحافيين انه «يجب ان يفهم الإرهابيون أن عملهم لن يبقى بدون عقاب». لكنه أضاف أن «غضب الإسرائيليين يجب ألا يملي القرارات العسكرية التي ينبغي اتخاذها بتمعن».

من جهته قال مسؤول كبير في وزارة الدفاع هو جنرال الاحتياط عاموس جلعاد إن إسرائيل قررت «ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية في آن من اجل التوصل إلى إطلاق سراح الجندي».

وقال وزير البنى التحتية بنيامين بن اليعازر أن إسرائيل قادرة على خطف «نصف أعضاء الحكومة الفلسطينية». ووجه تهديدات إلى خالد مشعل بقوله إن «جميع المتورطين وبخاصة مشعل لا يمكن أن يفلتوا من العقاب»، كما هدد النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز مشعل قائلا: «سنعالج أمره بصورة شخصية».

وكانت صحيفة هآرتس نقلت عن وسطاء يعملون في غزة على إطلاق سراح الجندي قولهم إن «مشعل هو الذي أمر بتنفيذ الهجوم وهو الذي يعرقل الإفراج». أما السفير الأميركي لدى تل أبيب ريتشارد جونز فقال إن «الحل لقضية الجندي في دمشق» في إشارة إلى مشعل.

في هذه الأثناء، ألغت الحكومة الفلسطينية أمس اجتماعها الأسبوعي خشية تعرضها لقصف إسرائيلي. وقالت مصادر في حماس لـ «البيان» ان الحكومة لن تعود للاجتماع مجددا في ظل الأجواء الأمنية الراهنة وأنها بدأت جديا دراسة خيار الاستقالة لصعوبة عقد اجتماعاتها واستهداف أعضائها. ولم تستبعد هذه المصادر أن يقدم رئيس الحكومة إسماعيل هنية «استقالته للرئيس محمود عباس في حال استمرار التدهور الأمني».

وقالت المصادر إن «الحركة تجري دراسة معمقة لكل الأوضاع المستجدة، وليس مستبعدا أن تهجر الحكم وتعود إلى العمل تحت الأرض لكنها ستظل تتواجد في المجلس التشريعي وتلعب الدور الأول والأساس في منح الثقة لأي حكومة مقبلة»، مرجحة أن يتم اختيار حكومة تكنوقراط في حال استقالة الحكومة الحالية.

وتحسبا للهجوم الإسرائيلي الوشيك على قطاع غزة، قررت الحكومة الفلسطينية اعتماد خطة طوارئ تضمن استمرار الخدمات الأساسية للفلسطينيين بقطاع غزة في ظل التهديدات الإسرائيلية باجتياحه واغتيال وزراء فلسطينيين.

وأكدت الحكومة في بيان عقب اجتماع لها في غزة ورام الله عبر نظام الفيديو كونفرنس «أهمية قيام الوزارات الفلسطينية بواجباتها في جميع الأحوال والظروف المحيطة» مشددة على «أهمية التعاون الايجابي بين المؤسسات الوطنية والأجهزة الشرطية والمؤسسات الأهلية..في مواجهة التصعيد العسكري»، وأضاف «أن الحكومة تنظر بخطورة للتهديدات الاسرائيلية والتي من شأنها التسبب في وقوع خسائر كبيرة تتحمل إسرائيل المسؤولية كاملة عن نتائجها».

وميدانياً وقع انفجار كبير في مدينة غزة مساء أمس، أسفر عن استشهاد مقاوم فلسطيني من كتائب «القسام» التابعة لحركة «حماس» وإصابة خمسة مواطنين من المارة، في حين نفت اسرائيل أي علاقة لها بالحادث.

وذكر مصدر أمني فلسطيني أن «انفجارا وقع في سيارة مدنية شمال غزة قرب منزل الرئيس أبومازن نتيجة غارة إسرائيلية على سيارة»، وأضاف ان الانفجار«أدى الى إصابة عدد من المارة واشتعال النار في السيارة».

من جهتها، أعلنت مصادر طبية في مستشفى «الشفاء» بغزة عن «استشهاد حمزة محارب من كتائب (القسام)، التابعة لحركة (حماس)، فيما أصيب خمسة مواطنين بجراح مختلفة، جراء قيام طائرات الاحتلال بإطلاق صاروخين على الأقل باتجاه سيارة مدنية جنوب مدينة غزة».

وحسب شهود «فإن طائرات الاحتلال أطلقت صاروخين على الأقل باتجاه سيارة مدنية من طراز (دايوو) بيضاء اللون أثناء مرورها قرب منزل الرئيس (أبو مازن) فى منطقة تل الهوى»، وأضافوا أن «السيارة كان يستقلها شخص واحد فقط وأن الإصابات الأخرى كانت من المارة».

وعلم ان الشهيد محارب من سكان خانيونس، وقالت مصادر طبية إن «طواقم الإسعاف هرعت إلي مكان الانفجار بالإضافة إلي سيارات الدفاع المدني حيث تقوم الطواقم الطبية بانتشال الجرحى والمصابين».

من جهة آخري، نفى الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أن «يكون لمروحيات الاحتلال أو الجيش أي ضلع في هذه العملية»، مؤكدا ان «هذا الانفجار هو نتيجة مسألة فلسطينية داخلية».

إلى ذلك دعت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الإسرائيليين والفلسطينيين إلى الهدوء لتسهيل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي. وقالت، وهي في طريقها إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إن «هناك جهودا دولية تجري لضمان إطلاق سراحه»، وأضافت أن «حماس تثبت بذلك أنها لا تتلقى الرسالة التي نتوقعها من مجموعة تتسلم الحكومة»، وتابعت «هذا تصرف لا يمكن التساهل معه في النظام الدولي».

من ناحيته، دعا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا الحكومة الإسرائيلية إلى إيجاد حل سياسي عوضا عن اللجوء إلى الحل العسكري لتسوية قضية الجندي. وقال سولانا في منطقة لوسبي جنوب شرق النرويج «لا نريد تصعيدا ونود منح المخرج السياسي فرصة».

القدس، غزة ـ «البيان» والوكالات: