شعر صالح بأنه يقضي في الدنيا ساعاته الأخيرة، بعد الحادث الأليم الذي ألم به، لم يكن يفكر في الأيام القليلة التي قضاها بالمستشفى، إلا بأبنائه السبعة الذين بلغ أكبرهم سناً 13 عاماً، فهاجس ضياعهم كان يؤرقه، ولا يمنحه لحظة راحة واحدة، بل إنها أنسته آلامه، فكيف يتركهم صغاراً؟ ومن سيتولى أمرهم بعد أن يغيب عن حياتهم؟

استدعى أخاه الذي كان لا يتجاوز الثلاثين من عمره، ليوصيه خيراً بأبنائه،. فليس لهم بعد الله إلا هو، ليقوم بتربيتهم ويحسن إليهم، ولا يحرمهم من شيء أبداً، وقام بعمل وكالة عامة عن كافة أملاكه التي تضم مزرعة وبعضاً من المحلات التجارية، إضافة إلى راتب تقاعدي يصل إلى 10 آلاف درهم باسم أخيه، ليتولى مسؤولية تدبير حياة أبنائه اليومية من أموال وأملاك.

طمأنه أخوه الذي أصبح يضع أحلاماً مختلفة عن آمال صالح، ووعده بأنه سيحفظ مال أبناء أخيه ولن يتخلى عنهم أبداً، سمع صالح كلمات أخيه، التي كان ينتظرها بفارغ الصبر، ووضع رأسه الذي كان مثقلاً بالهموم، والقلق، براحة على الوسادة ليغادر الدنيا إلى دار الآخرة مفارقاً أبناءه وأهله.

لم يمر يوم أصعب على الأبناء من ذلك اليوم على الإطلاق، فبكاؤهم كاد يقطع أنفاسهم حزناً على أبيهم، الذي كان لهم نعم الأب الحنون والعطوف، أصبحت أمام أمهم مسؤولية كبيرة فهي التي ستتولى تربيتهم وتعليمهم وحدها دون معاون، بينما يتولى عمهم مسؤولية أبناء أخيه المالية بموجب الوكالة العامة التي أعطيت له.

مرت أيام على وفاة صالح ولا يزال الحزن يخيم على بيته، كان يتردد العم على أبناء أخيه باستمرار للسؤال عنهم والاطمئنان عليهم، وشراء حاجياتهم، لكن بعد بضعة أشهر أصبحت زياراته نادرة قد لا تتجاوز مرة واحدة في الشهر، ليعطيهم نصف راتب أبيهم التقاعدي، ويتركهم في حيرة من أمرهم وتساؤلات عديدة تدور في عقولهم حول تصرفات عمهم وبعده عنهم، لم يكونوا قادرين على تفسيرها أو إيجاد مبرر لها بحكم صغر سنهم.

بدأ الأبناء يذوقون طعم الحرمان الذي لم يعرفوا له طريقاً أبداً، حيث أصبحت المبالغ الرمزية الضئيلة التي يتقاضونها من عمهم، والتي لا تقدر بشيء مقارنة بالثروة الكبيرة التي تركها لهم أبوهم، ولا تكفي لسد حاجاتهم من مأكل وملبس ومشرب وغيرها من الضرورات الأساسية، بينما كانوا يرون عمهم الموظف البسيط يركب أفخر السيارات، ويصرف ببذخ على بيته وأبنائه، ويغادر في رحلات سياحية تستمر لأسابيع تجول خلالها في معظم أنحاء العالم.

تفكير الأبناء لم يكن يذهب بعيداً في تصرفات عمهم ولو لحظة واحدة، فقد كانوا صغاراً لا يستطيعون تفسير وتأويل ما يشاهدونه أمامهم، وكان عمهم كلما جاء ليعطيهم نصف الراتب التقاعدي يؤكد لهم بأنه قام بفتح حساب لهم في أحد البنوك ليضع به النصف الآخر من الراتب، حتى يجدوا ما يحتاجون إليه عندما يكبروا، وتصبح مصاريفهم واحتياجاتهم أكبر.

كما أنه كان دائم الشكوى من عائد المحلات التجارية والمزارع. ويقول إنها بالكاد تغطي مصاريفها، بل إنها أحياناً تخسر من رأس المال فيعوض الخسارة والمصاريف من جيبه الخاص.

ظل سنوات والأطفال المساكين يعانون الحرمان، لكنهم كانوا عند حسن ظن أبيهم الذي رباهم وأحسن تربيتهم، فقد كانوا من المتفوقين والمتميزين في مدارسهم، ومن أفضل الشباب في أخلاقهم وسلوكهم، أما عمهم فقد كان يسير وراء سراب، يلهث وراء المتعة في أي مكان بأموال أبناء أخيه التي وضعت أمانة في عنقه، لا يتوانى عن صرف أموالهم على السهرات، والعلاقات غير الشرعية هنا وهناك.

مضت عشر سنوات على وفاة صالح وتجاوز الكبير من أبنائه 23 عاماً،حيث أصبح قادراً على أن يضع تفسيراً لما يرتكب بحقه وحق إخوانه من ظلم، من أقرب الناس إليهم، من عمهم الذي استؤمن على أموالهم، فقام بتبذيرها من دون وجه حق في ملذات محرمة، في الوقت الذي واجهوا فيها أياماً من الحرمان.

بينما كانت تتدفق أموالهم بين يدي عمهم هنا وهناك، لكنه مع ذلك جاء إلى عمه بلطف وهدوء ليطلب منه بعضاً من الأموال التي يقول إنه يدخرها له ولإخوانه حتى يكبروا طالباً منه أن يرتاح من ثقل الأمانة وأن يحملها هو بعد أن أصبح قادراً على ذلك.

لم يكن يعلم بأن فصول الغدر والخيانة التي مارسها عمهم طوال تلك السنين لم تنته بعد، فبمجرد أن طلب من عمه جزءاً من ثروتهم التي ظن أنها تدخر له ولإخوانه منذ 10 سنوات حتى سمع منه 4 كلمات تمنى لو أنه مات قبل أن يسمعها، فقد أصابته كالرصاص، كادت أن تدمي قلبه، بقوله: ليس لكم شيئ عندي.

ظل ساعات لا يستطيع أن يسمع غير هذه الكلمات، فقد وقعت عليه كالصاعقة، فهو يعلم أن له ولإخوانه الكثير من الأموال التي كانت تحت تصرف عمهم، وأن إنكار عمهم لها لا يعني إلا أنه استولى عليها بغير وجه حق، ظل أياماً يفكر في الخطوة المقبلة التي يستعيد بها حقوقه وحقوق إخوانه، التي أنكرها عمهم، ولم يجد سبيلاً إلا اللجوء للقضاء ليسترجع بعضاً من حقوقه.

لم تستغرق مداولات المحكمة طويلاً لتصدر حكما، فقد كانت الحقيقة التي تتعلق بحقوق الأبناء واضحة أمامها، وصدر الحكم على عمهم بإلزامه برد مليون و200 ألف درهم لأبناء أخيه.

أما عمهم الذي ضيّع الأمانة ولم يحفظ وصية أخيه، فقد حاصرته الهموم والمصائب، فقد خطف الموت أحد أبنائه في حادث سير، وأصيبت زوجته بمرض السرطان، أما هو فلم يبق بنك إلا واقترض منه لعلاج زوجته وتدبير المأكل والمشرب لأبنائه، ليعلم أن الله سبحانه وتعالى مدبّر الكون، لا يترك مضيع الأمانة وآكل مال اليتامى دون عقاب، فسبحانه يمهل ولا يهمل.

خيانة الأمانة

يقول علي هارون الشريف من لجنة الإصلاح الأسري بالفجيرة إن خيانة الأمانة تعد من الكبائر، ومن الأمور التي توصل إلى جهنم، وقد حذّر الله سبحانه وتعالى منها في مواضيع عدة في القرآن الكريم، كذلك أكل مال اليتامى، شديد عند الله س

إعداد: فراس العويس