يؤكد الدكتور مصطفى عمارة أستاذ الحديث بكلية أصول الدين جامعة الأزهر ـ أن التشكيك في السنة النبوية يرجع إلى عجز أعداء الإسلام عن التشكيك في القرآن، بالإضافة إلى أن القائمين على حراسة السنة قلة قليلة في العالم الإسلامي مقارنة بالقرآن، مشيرا إلى أن بعض المسلمين ساروا في فلك المستشرقين وزعموا أن السنة تشتمل على أحاديث لا تتفق مع العقل أو الواقع المعاصر.

ووصف الذين يطالبون بإخضاع السنة النبوية لحكم العقل بأنهم «جهلة» لأنه لو كان العقل مقياسا لكل شيء لأصبح الدين من وضع البشر، موضحا أن العقل لا يستطيع أن يدرك أو يفهم كل شيء بالإضافة إلى تفاوت عقول البشر في فهم الشيء الواحد.

وأضاف أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أشياء وأشار إلى الحكمة منها حتى يبين للناس أن أحكام الشرع لا تخلو من حكمة أو علة، في حين لم يبين الحكمة من أشياء أخرى حتى يعلمنا التسليم بما جاء من الله والتفكير واستخدام العقل للتوصل إلى هذه الحكمة.

وأشار د.عمارة إلى أن التسليم بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عنصر مهم في التشريع، محذرا من أن يكون الفكر اليهودي أو الإسرائيليات «الشماعة» التي نعلق عليها ما عجزنا عن فهمه، وأكد أن الجماعات التي تزعم أن القرآن فيه الكفاية تفهم بعض آيات القرآن بطريقة خاطئة وتخرج على إجماع ومواضع اتفاق علماء المسلمين.

ـ ما أسباب الحملات التي تستهدف التشكيك في السنة النبوية؟.. ولماذا يشكك بعض المسلمين في السنة بعد أن كان ذلك يقتصر على المستشرقين والغربيين؟

ـ السنة النبوية هى أصل من أصول الإسلام واتفق جميع العلماء منذ عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أن السنة هي الركن الثاني من أركان الإسلام ولذلك يقولون «الأصلان» أي الكتاب والسنة، والقرآن الكريم لا يمكن ان يحارب ولا يمكن أن يحرف لأن القرآن أخذ من العناية الكثير وكتاب الله موجود في كل مكان والمسلمون إن لم يكونوا يحفظونه، فهم يقرأونه، وحلقات القرآن موجودة في كل مكان..

وقد تأسست جماعات أطلقت على نفسها «أهل القرآن»، وهؤلاء يقرأونه ويحفظونه يدرسونه ويفقهونه ولذلك عجز أعداء الإسلام عن ان يتكلموا عن القرآن من قريب أو بعيد ووجهوا سهامهم تجاه السنة النبوية باعتبار أن «السُنة» ميدانها رحب فسيح وكتبها كثيرة متنوعة ورجالها قلة، فالقائمون على «حراسة» السنة قلة قليلة في العالم الإسلامي مقارنة بأهل القرآن.

ونحن نحذر من أعدائنا الذين هم على غير دين الإسلام لكن حذرنا يجب أن يكون اشد ممن سار في ركابهم وتثقف بثقافتهم، وإذا كان أعداء الإسلام يدعون أن السُنة تنطوي على أشياء تطالب المسلمين بمحاربتهم ورفع لواء الجهاد في سبيل الله فإن الذين ينتمون إلى الإسلام ساروا في نفس الفلك وزعموا أن هناك أحاديث في السنة النبوية لا تتفق مع العقل أو لا تتفق مع واقعنا المعاصر.

وفي سياق هذه العوامل بدأ التشكيك في أصح الكتب ـ بعد كتاب الله سبحانه وتعالى ـ وهو «صحيح الإمام البخاري»، فهناك من يدعى أن «صحيح البخاري» دخلته الإسرائيليات.

. وهؤلاء حينما يتكلمون عن صحيح البخاري إنما يتكلمون عن كتاب نال من الاحترام والتقدير عند علماء المسلمين ما لم ينله كتاب آخر بعد كتاب الله عز وجل، فإذا نجحوا في إسقاط «صحيح البخاري» فسوف تسقط جميع الكتب التي هي مثله أو دونه في الصحة.

ـ كيف نتعامل مع هذه الإدعاءات؟

ـ لا يمكن أن نصدق هذه الإدعاءات ممن ينتمون أو لا ينتمون إلى الإسلام فنحن نعلم أن الأمة الإسلامية أجمعت على تلقي كتاب «صحيح البخاري» بالقبول وأن كل ما يشتمل عليه محكوم بصحته وليس هناك فترة زمنية تخللت قراءة الكتاب وتدريسه والفقه فيه وقراءته على الآخرين حتى يزعم أعداء السنة أن الإسرائيليات تدخلت في هذا الكتاب.

ـ هناك من يطالب بإخضاع السنة النبوية للمنطق والعقل ويزعمون أن هناك أحاديث تخالف العقل.. فما ردكم على ذلك؟

ـ من الذي قال إن عقل الإنسان ينال ويفهم كل شيء؟!..، فلابد أن يكون في دين الله ـ سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية ـ ما يسمو فوق عقل الإنسان، فهناك أشياء في مستوى عقل الإنسان في القرآن والسنة..

وأخرى تفوق مستوى عقل الإنسان ولو أننا جعلنا العقل مقياسا لكل شيء لأصبح الدين من وضع البشر، فما دام كل شيء يناله العقل ويستطيع الوصول إليه لكان الدين بمشتملاته كلها من وضع البشر وهذا أمر لا يقول به إنسان مسلم على وجه الأرض ويجب أن يدرك من يقول بحب الاحتكام إلى العقل في الحكم على الحديث فهذا الحكم العقلاني سوف يتفاوت من طائفة إلى أخرى.

ومن شخص إلى آخر، ولا شك أن عقل الطبيب يختلف عن عقل المهندس وعقل المهندس يختلف عن عقل عالم الحديث وهكذا يصبح التفاوت في الحكم على الحديث تباينا من طائفة إلى طائفة ومن إنسان إلى آخر.

وقد كان العلماء على حق حينما وضعوا قواعد يحتكم إليها الجميع فإن وجدت تلك القواعد كان الحديث صحيحا وإن لم يستطع العقل أن يعرف الحكمة منها، وهناك أشياء يعطينا الرسول صلى الله عليه وسلم الحكمة من ورائها وأحيانا لا تذكر الحكمة في الحديث فمثلا حينما يقول رسول الله:«إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه».

وأيضا يقول: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده»، هذا تعليل وهذه حكمة فعندما يسأل سائل: لماذا اغسل يدي؟

أقول له من الممكن أن تعبث يداك في أي مكان من بدنك وأنت نائم، هنا الرسول ذكر الحكمة أو العلة، فهناك أمور يشير إليها الرسول ويذكر علتها لكي يبين لنا أن أحكام الشرع لا تخلو من علة ولا من حكمة إطلاقا.

وهناك أشياء ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين حكمتها أو علتها وذلك حتى يعلمنا الانقياد والتسليم لما جاء عن الله ـ عز وجل ـ ولكي يدعونا إلى التفكير وإلى استخدام العقل حتى نبحث عن الحكمة والعلة فيما ورد عنه صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فإنه لا يمكن أبدا أن نخضع كل الأحاديث لمقياس العقل.

ولا ينبغي أن يكون الفكر اليهودي أو الإسرائيليات هى «الشماعة» التي نعلق عليها ما عجزنا عن فهمه، لأن هناك عنصرا مهما في التشريع وهو عنصر «التسليم» لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

القرآنيون

ـ هناك جماعات تطلق على نفسها «القرآنيون» ويقولون: نحن نكتفي بالقرآن ولسنا في حاجة إلى السنة النبوية (!).. كيف تنظرون إلى هؤلاء؟ وما حكم الإسلام فيهم؟

ـ الادعاء بأن القرآن وحده فيه الكفاية «سخافة» لا يقول بها إنسان عاقل لأن القرآن نفسه يحتاج إلى بيان وحينما يقول سبحانه وتعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس» فالقرآن يحتاج إلى بيان وهذا البيان إنما يكون ممن نزل عليه القرآن وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، فعلى سبيل المثال عدد الصلوات (خمس في اليوم والليلة) لا نجد لها ذكرا في القرآن.

أيضا صفة الصلاة لا نجد لها ذكرا في القرآن، أيضا لو شك إنسان في الصلاة.. وهل صلى ثلاثا أو أربعائ، أو هل انتقض وضوءه أو لم ينتقض.. فأين الجواب؟

أيضا إنسان يقول: دخلت في الصلاة وشككت بخروج بول أو ريح فما حكم الصلاة؟. هل نجد هذا في القرآن؟ لا نجده.. وإنما نجده في السنة النبوية.

وكما ذكرت، القرآن يحتاج إلى بيان، أما بالنسبة للآية التي تمسك بها هؤلاء الذين يقولون نكتفي بالقرآن وهى قوله تعالي «ما فرطنا في الكتاب من شيء»، فالمراد بالكتاب هنا ليس القرآن وإنما «اللوح المحفوظ» يعني مقادير العباد والحيوانات كلها التي سبقت في الآية نفسها «ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم»، فالمماثلة بين الناس وبين الحيوانات هنا في الرزق والإحياء والإماتة فعلى سبيل المثال عالم النمل حينما تعجز نملة عن حمل شيء تذهب إلى جماعة من النمل تستعين بهم على حمله، وهذا التعاون موجود عند الإنسان أيضا..

النمل يزرع وينظف مثل الإنسان، و«المثلية» هنا إما أن يكون المراد بقوله «الكتاب» اللوح المحفوظ وإن ما يجرى على الإنسان يجرى على الدواب والطير.

وإما المماثلة هنا إنه يأتي بأفعال مثل فعلنا نحن وإن كنا لا نعقلها والآية التي تمسك بها هؤلاء «ما فرطنا في الكتاب من شيء» ينبغي أن يدركوا أن الكتاب هنا يشير إلى «اللوح المحفوظ» وليس القرآن الكريم.

؟ هل الجماعات القرآنية جديدة على الساحة الإسلامية أم لها جذور وأصول قديمة؟.

ـ هؤلاء يرجعون في الأصل إلى فرقة نشأت في الهند وأطلقت على نفسها «أهل القرآن» وادعت أن القرآن وحده هو الحل وفيه الكفاية ثم بعد ذلك بدأت تنشئ جمعيات هنا وهناك تزعم أنها تهتم بالقرآن..ونقول ان القرآن فيه كل شيء ولا حاجة إلى السنة ولا حاجة إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

ـ ما حكم منكر السنة.. وهل يجوز تكفيره؟

ـ إن أنكر إنسان السنة ينبغي أن يستتاب ولا يصلى إلى الكفر، لأن السُنة عندنا متواترة وآحاد ونحن نفرق بين من ينكر القرآن ـ وهذا كافر ـ وبين من ينكر السنة، لأن إنكار السنة فيه كلام للعلماء وتتراوح آراؤهم في منكر السنة بين القول بفسقه وبين القول بكفره، ونحن لا نميل إلى الكفر.. ولكن نميل إلى «التفسيق» لأن منكر السنة ينطق الشهادتين.

ـ لكننا نعرف جيدا هدف الجماعات المعاصرة التي تشكك في السنة النبوية وتنكرها فهى تريد التشكيك في القرآن نفسه فلماذا نتعامل معها بتلك الليونة؟

ـ هم لا يريدون فقط التشكيك في القرآن وإنما يريدون سحب الإسلام نفسه من الساحة فمنهم من يقول: اذكروا لي حديثا يقول إن عدد الصلوات في اليوم والليلة خمس صلوات وأن عدد ركعات الظهر أربعا والعصر اربعا.. وهكذا.

ويزعمون أن المسلمين متخلفون لأنهم يضيعون أوقاتهم في المساجد ولأنهم يضيعون أكثر من مليار ساعة يوميا في أداء الصلوات ونقول لهؤلاء إن السنة هى التي تحفظ هذا كله وتذكره وتشرحه وتفصله.

وأمثال هؤلاء ينبغي أن يقال لهم، إذا تشككتم في شيء فإن لعلم السنة رجالا اذهبوا إليهم وناقشوهم، فأما أن ينشروا شكوكهم على الناس ـ عامتهم وخاصتهم ـ فهذا أمر لا يرضاه الشرع والله سبحانه وتعالي يقول «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»،والحياة قائمة على التخصص..

فكل فن له رجاله ويرجع إلى أهل كل فن،وأنا قد أعلم مثلا عن الطب الكليات لكنني لا أعلم الجزئيات.. وهكذا في كل علم وبالتالي على هؤلاء الذين يشككون الناس ـ إن كانوا صادقين ـ أن يراجعوا المتخصصين ويسألونهم فيما يشكل عليهم أمره.

ضوابط دقيقة

ـ هل من الممكن أن تخضع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لضوابط جديدة غير تلك التي اعتمد عليها المحدثون القدامى؟

ـ هناك قاعدة معروفة تقول «آفة الخبر راويه» فإذا كان الراوي صادقا كان خبره صادقا.

وعلماء الحديث قديما وضعوا ضوابط دقيقة جدا لا تتوافق في أي علم إسلامي إلا علم «الحديث» فقد اختاروا رواة الحديث على الوجه الذي يجب أن يكون واشترطوا فيهم شرطين الأول الالتزام الخلقي الديني ويسمى «العدالة» أي أن قائل الخبر لا يكذب لأنه يدرك أن الكذب جريمة ولا يمكن أن يباح الكذب في أي حال من الأحوال، أما الأمر الثاني فيتعلق بالناحية العلمية.

. فلابد أن يكون راوي الحديث متمكنا من الناحية العلمية فالعدالة والضبط أمران لابد أن يتوافرا في راوي الحديث، والمعلومة التي ينقلها إلى هذا الإنسان ينبغي أن أفهمها.. وإن لم أفهمها فعلي أن اسأل المتخصصين عنها.

ـ ما تقييمكم لموسوعات السنة التي تظهر من آن لآخر، وما دورها في خدمة السنة؟

ـ نحن نعد موسوعة تسمى «الموسوعة المختصرة في السنة النبوية» تحت رعاية المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وخرج منها حتى الآن 14 جزءا وهى تضم أكبر قدر ممكن من الأحاديث وفيها تعليقات مفيدة تنفع الداعية كما تنفع المثقف والعامي والمتخصص.

وهي موسوعة يتوافر على جمعها وكتابتها ومراجعتها وتدقيقها عدد من المتخصصين في هذا المجال، وعندما تنتهي هذه الموسوعة سوف توضع على موقع المجلس على شبكة الإنترنت.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: