قال الشيخ: في مجلسنا السابق كنت قد بدأت الحديث عن والدي رحمه الله كرجل من آخر طبقات الرجال الذين وهبوا حياتهم وأموالهم وطاقاتهم لبلادهم وأبنائهم وفي سبيل الله.

وكنت قد قلت أنني لا أسوق الحديث عن والدي لأفتخر به فالنسب لا يغني عند الله شيئاً، ولكنني رأيت ان الحديث عنه وعن كثير من رجال جيله قد يقوم عقول الشباب اليوم، الغارقين في أوحال الاستهلاك والتخريب والتبديد من الإمكانات المادية إلى الأخلاق والقيم.

لقد عاش والدي رحمه الله مع عظيم مسؤولياته سكناً ومودة ورحمة مع والدتي قل ان يوجد مثيل لها في أزواج يومنا هذا، فأنا مهما حاولت أن أعود في الذاكرة باحثاً فيها لا أذكر يوماً غلب الفتور والجفاء على ما بينهما، حتى أني أفترض لو ان شيئاً من هذا كان يحدث فقد كانا قادرين على إخفائه عنا، وما كنا نراه ونلمسه في حياتهما كله محبة وإخلاص وتفان في إسعاد كل منهما الآخر وفي إسعادنا.

وقد كان كل منهما حجاباً وستراً للآخر، فلم نسمع نحن أبناؤهما يوماً انتقاداً من أحدهما للآخر، وقد كان هذا كفيلاً بإشاعة جو من الأمن والأمان والسكينة في البيت وهو مما أنعم الله به علينا، وهو خير نعمة ينعم بها الله على الأطفال والمراهقين والشباب مما يكون سبباً في نشأة سوية وفي اقتداء واحتذاء بهذا النموذج السعيد الآمن في بيوت الأبناء بعد ان يصبحوا كباراً.

قال الشيخ: وإنني إذ أذكر هذا تتبادر في ذهني نسب الخلافات الزوجية العالية في زماننا هذا والتي يصل قسم مرعب منها إلى الطلاق، فكل ذي إطلاع يعلم اليوم اننا في أسوأ الأزمنة فيما يخص استقرار العلاقات الزوجية واستمرارها، وقد لا يكون المجال مناسباً لذكر الأسباب والمسببات،.

ولكن يكفي ان نقول انه فيما سبقنا من أجيال كان الرجل أقرب الى ان يكون رجلاً بما تعنيه الكلمة، فقد كان الرجل قواماً على خدمة زوجته وأولاده يتحمل مسؤوليتهم وقسطاً كبيراً من أذاهم بسعة صدر وصبر ونبل نادر، وكان أهل البيت من زوجة وأولاد يقدرون عطاء الرجل ويحترمونه ويعودون إليه في صغير مسائلهم وكبيرها.

ثم جاء من يعلم هذه الأجيال ان المحبة ضعف، وأن الطاعة استكانة، وأن القوامة استعباد، وأن من حق الجميع أن تعلوا أصواتهم وأن يتنابزوا بالألقاب، ما دام هم كل واحد أن يكون له نصيب أكبر وحصة أكثر.

ثم وسوست شياطين الإنس والجن في أذن المرأة قائلة لها إنك لا يمكن أن تستهلكي حياتك في حضانة وتربية الأولاد والسهر على أخلاقهم وفي رعاية الزوج ومده بما يلزم من دعم ومساعدة، وأن من حقك أن تمزقي ثيابك وتخرجي عن حجابك وتخرجي من البيت منافسة ومدافعة للرجال حتى إذا تساويت مع الرجل صارعته في كلمته ورأيه وأمره في البيت.

واحتفظت بما تأتين به من مال لأغراض الملابس والزينة والمتعة والجلوس في المقاهي وتدخين الشيشة وطالبت زوجك بشراسة غريبة بحق في النفقة كأحسن ما تكون النفقة.

كان الأب أباً والأم أماً، وزماننا هذا يريد خلط الأدوار بطريقة عجيبة غريبة، حتى أن مجرد الحديث عن الركون إلى رأي الوالد أو الزوج ـ مع العلم بأنه وحده يحمل مسؤولية بيته حاضراً ومستقبلاً ـ أصبح يرد عليه بنزاقة وعجرفة: هل تريدون منا أن نرجع إلى عصر «سي السيد».

وهكذا بدل أن يكون في البيت صاحب صوت متزن وملتزم وملزم علت الأصوات كلها من زوج وزوجة وأولاد، وصار لكل منهم رأيه الذي يستحق أن يحترم مهما كان غرائبياً وعجائبياً وانتحارياً، وهذه الفوضى والمعمعة كلها تحدث باسم الديمقراطية وحرية الرأي والمسؤولية الشخصية.

في عهد والدي رحمه الله لم تكن موضة حوار الطرشان هذه قد بدأت، وكنا نرى في والدنا رحمه الله مصدر سلطة وهيبة ملزمة للجميع، وعندما كبرنا فهمنا غيرة والدنا علينا وذوده عنا المخاطر، وكنا نرى في والدتنا أطال الله في عمرها مصدر حب وحنان ورعاية وربما وساطة مع الأب كانت تجعل وقع أوامر الأب ونواهيه على نفوسنا أرق وأكثر لطفاً. كان الأب أباً بكل ما تعنيه الكلمة من رجولة وسلطة وحماية ورعاية وتربية وتوجيه، مما يذكر بقول لفريدريك نوفاليس «ليس هناك مكان ينام فيه الطفل بأمان مثل غرفة أبيه».

وكانت الأم أماً بكل ما تعنيه الكلمة من حب ورعاية وحنان وسهر على راحة وصحة أولادها، ترضى أن تسلم مقود السفينة للأب الذي تثق بحكمته وجهاده واجتهاده على أن يقدم لها الأب كل رعاية وكل اهتمام. أما اليوم وقد علت الأصوات وتشابكت الأيدي وصار كل طرف لا يرى إلا نفسه فقد ضاع الأولاد في زحمة المولد ـ كما يسميه الأخوة المصريون.

ماهر سقا أميني