يروي ابن إسحاق: «كانت خديجة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله عز وجل بها من كرامته.. فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها به عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت إليه فقالت: يا بن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك مني وشرفك في قومك ووسطك فيهم وأمانتك عندهم وحسن خلقك وصدق حديثك» ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً كل قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر على ذلك.
وهي خديجة بنت خويلد خير نساء العالمين وهي من اللاتي كملن من النساء وقد بشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقها: إني رزقت حبها.
قال الإمام السهيلي: «إن الذي أنكح خديجة هو عمها عمرو بن أسد من أبي طالب وأن أبا طالب هو الذي نهض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي خطب خطبة النكاح وكان مما قاله في تلك الخطبة.
أما بعد: «فإن محمداً لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وعارية مسترجعة وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك فقال عمرو: «هو الفحل لا يقدح أنفه فأنكحها» وهذا كناية عن مكانته صلى الله عليه وسلم فيهم.
فمن القيم الإيجابية التي يشاد بها ويستأنس بذكرها ما كان يتمثله أهل الجاهلية وأقره الإسلام فيما بعد خطبة النكاح التي قالها عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب حيث اشتملت على الأساس الذي يقوم عليه الزواج والذي دعا إليه الإسلام من هذه الأسس: رضا الطرفين «وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيها مثل ذلك».
أن يكون ذا خلق (أي كل من الزوجين) «إن محمداً لا يوازن به فتى من قريش. إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً. كما كانت السيدة خديجة «حازمة شريفة لبيبة». والزواج: هو طريق إلى تكاثر النسل الإنساني وعامل أساسي في استمراره وبقائه.
وبالزواج الذي شرعه الله سبحانه وتعالى يفتخر الأبناء بانتسابهم إلى آبائهم لأن في النسب اعتبارهم الذاتي وكرامتهم الإنسانية.
وبالزواج: يسلم المجتمع من الانحلال الخلقي ويأمن من الأفراد من الفساد الاجتماعي.
ينجو المجتمع من الأمراض السارية وينعم البيت بنعمة المودة والرحمة تحت ظلال الحقوق التي وضعها الإسلام.
فثمرة الزواج «الإعفاف» وتحمل أخلاق الغير.
وإذا أراد الشاب المسلم والفتاة المسلمة أن يحققا الغاية المرجوة من الزواج فإن هناك ضوابط وضعها الإسلام وحث عليها وعندما نستعرض سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقف على توجيهاته من خلال سنته فإننا سنجد الطريق الأمثل للزواج الناجح السعيد.
روى ابن إسحاق: كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب إذن بناته لزواجهن كما كان يوصيهن بأزواجهن. وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة عثمان: أي بنية إنها لامرأة لرجل لم تأت ما يهوى ودمه في وجهه وإن أمرها أن تنقل من جبل أسود إلى جبل أحمر ومن جبل أحمر إلى جبل أسود فاستصلحي زوجك».
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب إليه بعض بناته أتى الخدر فقال: إن فلاناً يخطب فلانة فإن طعنت في الخدر لم يزوجها وإن لم تطعن في الخدر زوجها».
وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يزوج شيئاً من بناته جلس إلى خدرها فقال: إن فلاناً يذكر فلانة يسميها ويسمى الرجل الذي يذكرها فإن هي سكتت زوجها وإن هي كرهت نقرت الستر فإذا نقرته لم يزوجها».
في هذه النصوص نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم يركز على أخذ رأى الفتاة وخاصة في الزواج لأنه أمر يهمها لذا دعا إلى مشورتها حيث كان يشاور بناته ويأخذ إذنهن في الزواج وبهذا يقرر النبي في أن يكون الزواج قائماً على الاختيار دون جبر ولا إكراه.
كما كان يزرع في نفوس بناته حق أزواجهن باعتبارها ستكون في ظله لتتهيأ إلى حياة جديدة وقد استعدت لها تجنباً من حصول النفور وحسماً للمشكلات التي ربما تنشأ من جهل المرأة بحق زوجها.
وبالإضافة إلى أنه صلى الله عليه وسلم باعتباره أباً فهو يؤدي ما عليه من إرشاد وتعليم ليتنبه الأب إلى أهمية توجيه البنت وتربيتها. وقد أكد صلى الله عليه وسلم من خلال حديثه مع بناته حقوق الزوج العظيمة حيث نبهها إلى أن نقل الجبل يجب أن يكون سهلاً لطالما أنه أمر زوج.
وعندما يخاطب عليه الصلاة والسلام بناته ليعرض عليهن الزواج ممن يخطبهن يذكر الخاطب وينظر إلى ابنته ليرى ردها ومدى تقبلها وعلى ضوء ما يلاحظ على البنت يقرر وهذا من عظيم حكمته وكمال أسلوبه صلى الله عليه وسلم.
وجهة نظر الإسلام في اختيار الزوجين مبنية على نظرته العامة لمقاصد الزواج ففي الإسلام لا تقتصر ثمرته على إشباع الغريزة فإن فيه «إعفاف النفس والغير» والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها وتهذيب الأخلاق توسعة الباطن «بتحمل معارضة الغير» وغير ذلك مما هو عبادة يثاب المرء على فعلها».
وإذا كان الهدف الأسمى من الزواج تحقق الإعفاف للنفس وصيانتها فإن العفة لا تقتصر على أمور جسدية إنما تتعداها فتشمل عفة القلب والنفس والجسد وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الزواج قائماً على أساس صحيح وفق ما رسمه النبي صلى الله عليه وسلم. من خطوات يجب اتخاذها من البداية وحتى يصبح للزوج عائلة يتحمل مسؤوليتها ويعمل على أداء واجبه تجاهها.
أما الخطوات التي يراد مراعاتها ليتحقق الزواج الناجح فهي تشمل ما يلي:
حسن الاختيار.
أدب التعرف.
الرضا والكفاءة.
حسن المعاشرة بأن يؤدي كل من (الزوج والزوجة ) حق الآخر.
حسن الاختيار
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك».
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:
«ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن قسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
وعن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع والجار الصالح، والمركب الهنيء وأربع من الشقاء: الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء، والمسكن الضيق».
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة خرقاء - مثقوبة الأذن - سوداء ذات دين أفضل».
هذه نصوص من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو من يريد الزواج إلى اختيار المرأة الصالحة والرجل الصالح فحسن الاختيار من أولى الدعائم التي ترتكز عليها الحياة البيتية وهو الأساس لبناء أسرة مؤمنة تخاف الله رب العالمين كما أنه عماد لإيجاد جيل مسلم محصن بقلعة من قلاع العقيدة ولابد أن تكون قلعته متماسكة من داخلها حصينة في ذاتها كل فرد منها يقف على ثغرة لا ينفذ إليها وإلا تكن كذلك سهل اقتحام العسكر من داخل قلاعه فلا يصعب على طارق .
ولا يستعصي على مهاجم وواجب المؤمن أن يؤمن هذه القلعة من داخلها واجبه أن يسد الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيداً ولابد من الأم المسلمة فالأب المسلم وحده لا يكفي لتأمين القلعة لابد من أب وأم ليقوما كذلك على الأبناء فهي الحارسة على النشء وهو بذور المستقبل وثماره».
وقد جعل الإسلام الخطبة وسيلة للتعرف على الصفات الحسية التي تهم الرجل للاطمئنان عليها حتى يقدم على الزواج وهو مرتاح إلى سمات زوجته الحسية والمعنوية ويكون كل منهما على بينة من أمر صاحبه وليعلم الخاطب حال من يريد الارتباط بها لتكون قرينة له طول حياته وهذا أدعى إلى الوفاق وأقرب إلى الوئام.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل».
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئاً» قال: قد نظرت إليها..». وفي رواية: قال: أنظرت إليها؟ قال: لا قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً».
هذا هو أدب الإسلام في طريقة التعرف على الزوجة المرتقبة فهو ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فالوجه يدل على الجمال، واليدان تدلان على نعومة بدنها.
الرضا: هو تعبير عن خلق الإرادة في كليهما فلا إكراه لأحد على زواج من لا يحب وهذا عدل واجب وحق طبيعي لا غرابة فيه وذلك يرسي بناء الأسرة على دعائم وطيدة وأسس راسخة من الحب والرغبة والتفاهم قال تعالى: ( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) [البقرة:232].
والكفاءة: هي أن يساوي الزوج زوجته في أمور مخصوصة بحيث لا تكون الزوجة ولا أولياؤهم عرضة للتعيير بهذه المصاهرة حسب العرف.
أو هي المساواة في أمور اجتماعية تساعد على التقارب والاستقرار بين الزوجين ويعتبر الإخلال بها مفسداً للحياة الزوجية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها».
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «جمع الإسلام بين جعل حق التزوج لولي المرأة وحق المرأة في قبول من ترضاه من الأزواج ورد من لا ترضاه فمنع الأولياء من الاستبداد في تزويج مولياتهم من بنات وأخوات وغيرهن بغير رضاهن .
وكان من ظلم الجاهلية لهن بل لا يزال الوالدان يكرهان بناتهما على الزواج بمن يكرهن من الرجال في جميع الأمم على ما فيه من الشقاء والفساد كذلك منع المرأة من التزوج بغير كفء يرضاه أولياؤها وعصبتها فيكون تزويجها به سبباً لوقوع العداوة والشقاق بينهم وبين عشيرته بالتبع له بدلاً من تجديد مودة وتعاون بمصاهرته وليس للأولياء ولا للوالد أن يمتنع من زواجها بأي كفء ترضاه».
رجاء علي