أكد باحثون وقانونيون وجود زيادة ملحوظة في حالات هروب العمال من كفلائهم مبينين أن عدم تطبيق العقوبات الواردة في القوانين يشكل عاملاً مهما في انتشار هذه الظاهرة ومشجعاً لآخرين لتشغيل عمال هاربين.

ومنوهين بأن اتخاذ بعض الإجراءات يشكل عاملاً حاسما للقضاء عليها كاستصدار قوانين توظيف جديدة والحد من نسبة العمالة الوافدة ووضع رقابة مشددة على مكاتب توريد العمالة وتوسيع عمل لجنة حل المنازعات العمالية وإضافة أخصائيين اجتماعيين إليها لتكون قراراتها متناسبة مع الأحداث التي يشهدها سوق العمل حالياً.

وفي الوقت الذي يطالب فيه أصحاب الشركات وزارة العمل ممثلة بمكاتبها الموزعة في الإمارات المختلفة بتشديد رقابتها على العمالة الهاربة والتغيير في بعض إجراءاتها التي تسهم في هذا الإجراء كالرسوم المرتفعة لاستقدام العمالة من الخارج ما يراه البعض سبباً لتشغيل هؤلاء العمال الذين يتقاضون أجوراً منخفضة، اعتبر باحثو وزارة العمل أن السبب في زيادة حالات الهروب يعود إلى عدم تطبيق العقوبات الرادعة بحق العامل الذي يهرب والجهة التي تشغله.

بالإضافة إلى انتشار تجار التأشيرات الذين يأخذون أموالاً كبيرة من العمال قبل استقدامهم للعمل الأمر الذي يضرهم إلى تغيير عملهم والبحث عن عمل آخر حتى يتمكنوا من تعويض المبالغ التي دفعوها.

وأشاروا إلى أن هناك بلاغات هروب كثيرة ترد إلى مكاتب العمل وعند كشف عمالة هاربة في محل ما فإنه يتم إحضار الجهة التي تشغله وفي حال امتنع عن الحضور يتم توقيف كرت المنشأة الذي لا يؤثر عليه بشكل كبير ولكن تشديد العقوبة في هذا المجال هو العامل الذي يقضي على هذه الظاهرة ويؤدي إلى تخفيف الضغط على الموظفين العاملين في هذا المجال.

وقد أجرت وزارة العمل دراسة حول هذه الظاهرة حاولت من خلالها تحديد العوامل والأسباب التي تؤدي وتساعد على هروب العمال للوقوف على حقيقة الدوافع وراء تزايد عمليات الهروب المتكررة للعمال .

حيث تبين لها أن سعي العمال للحصول على اجر أعلى وزيادة دخلهم وجهلهم بالقانون وخاصة العمال حديثي العهد بالعمل في الدولة تأتي في مقدمة أسباب الهروب وعدم التزام أصحاب العمل بشروط العمل المحددة من قبلهم في عروض الاستخدام التي تقدم للعمال قبل استقدامهم للدولة وعدم سدادهم الأجور في مواعيدها.

وأشارت الدراسة كذلك إلى عدم التزام أصحاب العمل بشروط العمل المحددة من قبلهم في عروض الاستخدام التي تقدم للعمال قبل استقدامهم للدولة وعدم سدادهم الأجور في مواعيدها وقيام بعض المنشآت بتحميل العمال تكاليف الاستخدام مثل الضمان المصرفي ورسوم تراخيص العمل والكشف الطبي وفرض رسوم من قبل الجهات التي تستقدمهم للعمل في الدولة قبل شركات ومكاتب التوظيف.

ويقول يوسف جعفر ان أسباب ظاهرة هروب العمال من كفلائهم عديدة ويرجع بعضها إلى عدم التزام أصحاب العمل بالعروض التي يقدمونها للعمال مما يشجعهم على الهروب كما ان هناك بعض العمال يجهلون قانون العمل وآخرين عليهم التزامات تدفعهم للهروب من كفلائهم.

كما ان هناك بعض الوكالات التي تقوم باستغلال العمال وتكبلهم بالديون الأمر الذي يدفعهم للبحث عن فرص عمل أخرى لزيادة أجورهم وتحسين أوضاعهم المالية.

ويوضح أن الوزارة تتلقى عدداً كبيراً من البلاغات عن هروب العمال من كفلائهم بشكل مستمر وعلى مدار العام وهذا دليل على وجود تسيب في قطاع العمل في الدولة الأمر الذي يؤدي إلى حدوث انعكاسات كثيرة وخطيرة على المجتمع.

ويشير إلى ان هروب العامل من كفيله يضر به ويفقده حقه في نهاية الخدمة ويمنعه من العمل في الدولة لمدة عام . وأوضح ان أصحاب الشركات الذين يقومون بتشغيل عمال ليسوا على كفالتهم يعرضون أنفسهم للعقوبة التي نص عليها قانون العمل حيث يعاقب بالحبس والغرامة كل من يؤوي أو يتستر على مخالف لقانون دخول وإقامة الأجانب.

ويقول ان انتشار العمالة الهامشية في الدولة له انعكاسات وأثار سلبية على المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والصحية حيث يؤثر على مسيرة التنمية بالدولة كما ان وجود هذه الفئة يسبب انعكاسات دولية على الإمارات.

ويؤكد أن الوزارة وبالتعاون مع وزارة الداخلية بذلت جهودا كبيرة لتفعيل دور كافة مؤسسات المجتمع للقضاء على هذه الظاهرة من خلال وضع الأنظمة والبرامج وإصدار القوانين التي تساعد في القضاء على ظاهرة هروب العمال من كفلائهم داعيا إلى ضرورة تكاتف وتضافر جهود كافة المؤسسات والأجهزة ذات العلاقة لخلق وعي لدى أفراد المجتمع لمواجهة هذه الظاهرة.

ويقول قاسم محمد جميل رئيس قسم تفتيش العمل في وزارة العمل بأبوظبي ان أسباب هروب العمال مختلفة وترجع إلى العديد من العوامل وأحيانا يكون السبب وراء حدوثها الشركات نفسها وفي بعض الأحيان يقوم العمال أنفسهم بالهروب .

مشير إلى أن الشركات في بعض الأحيان لا تلتزم بسداد رواتب وأجور العمال في مواعيدها فضلا عن عدم توفيرها السكن الملائم والتعسف في تعاملها معه بشكل سيء الأمر الذي يضطر العمال إلى الهروب.

ويوضح أن هناك العديد من الأسباب وراء ظاهرة هروب العمال منها السعى للبقاء لفترات أطول والعمل لدى جهات أخرى بحثا عن راتب أعلى ووظيفة أفضل أو سوء معاملة أصحاب العمل للعمال وغيرها من الأسباب التي تؤدي إلى تفاقم ظاهرة الهروب .

ويشير إلى ان العامل الهارب يعتبر مخالف للقانون ولعقد العمل الذي يربطه مع كفيله وبالتالي فان من يقوم بتشغيله واستخدامه لديه يعتبر كذلك مخالفاً ويتعرض للمساءلة لأنه قام بذلك بدون موافقة السلطات الحكومية المختصة.

كما ان كفيله الأصلي يعتبر مخالفاً لقانون العمل والإجراءات المعمول بها لأنه لم يقم بإبلاغ الجهات المختصة بهروب العامل بموجب تعميم وبالتالي لا يمكن للحكومة والجهات المعنية مكافأة المخالفين للقانون بالتهرب من مسؤولياتهم التعاقدية سواء كانوا عمالاً أو أصحاب منشآت.

ويقول محمد علي غلوم رئيس قسم المنازعات في أبوظبي ان العامل الهارب يبقى مخالفا لقانون العمل وكذلك قانون دخول وإقامة الأجانب وبالتالي فان الوزارة تقوم في حال معرفة عنوانه من قبل الكفيل بإبلاغ الشرطة للقبض عليه ومن ثم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده ومن ثم الإلغاء له وتسفيره خارج الدولة مع عدم حصوله على اية مستحقات مالية نظرا لأنه لا يحق له المطالبة بها للتعميم عليه.

ويرى ان تزايد إعداد العمال الهاربين من كفلائهم يشكل ظاهرة في سوق العمل في الدولة ويؤكد ذلك هروب أكثر من 40 ألف عامل من كفلائهم العام الماضي ويزداد هذا العدد باستمرار.

ويضيف ان الوزارة تبين لها من خلال إجراءات التحقيق في بلاغات الهروب التي تقدم لها ان هناك بعض أصحاب الأعمال يساعدون العمال على الهروب بتشغيلهم دون الأخذ في الاعتبار الأنظمة المرعية التي تنظم عمليات التوظيف في القطاع الخاص والأخطر من ذلك ان العمال أصبحت لديهم خبرة بطرق الهروب والاختباء والعمل لفترات طويلة دون ان يكتشف احدهم.

تشديد الرقابة على جلب العمال

من جهته .. رأى الدكتور جعفر آل طوق الخبير القانوني إن ظاهرة هروب العمال تعود إلى نسبة العمالة الأجنبية المرتفعة جداً في الإمارات وبقية دول مجلس التعاون والي تتراوح نسبتها حسب التقديرات والإحصائيات من 70% إلى 80% من عدد السكان .

وأكد على ضرورة الحد من هذه الظاهرة مشيرا إلى أهمية أن تكون هناك سياسات وقوانين محددة على هذا الصعيد واستراتيجية للتوظيف والعمالة في الدولة. ويقتضي هذا حسبما يشير وضع سياسة جديدة وقوانين مدروسة بحيث تخفف من حجم العمالة الفائضة والتي يمكن الاستغناء عن أكثرها .

ولاسيما أن أكثرهم عمال عاديون يمكن تعويض الخدمات التي يقومون بها بالإضافة إلى تشديد المراقبة على منح الموافقة لجلب عمال للشركات والمؤسسات والأفراد بحيث تكون متطابقة مع القانون ووفقاً للاحتياجات اللازمة.

وفي الوقت نفسه توجيه أرباب العمل ليتعاملوا مع العمال بشكل لا يحرمهم من حقوقهم المتفق عليها قدر الإمكان لاحتواء الخلاف إذا كان قائماً بينهم بحيث لا يتطور ويؤدي إلى تذمر العامل وهروبه.

كما أشار إلى ضرورة تشديد العقوبة واتخاذ إجراءات صارمة ضد الشركات التي لا تتقيد بالقوانين بحيث تحرم هذه الشركات من تمكينها من الحصول على عمال آخرين كما لابد من تشديد المراقبة على مكاتب توريد العمالة بحيث تكون أنشطة هذه المكاتب منسجمة مع القوانين وتعليمات وزارة العمل مع تشديد العقوبة واتخاذ الإجراءات ضدهم إذا ما خالفوا ذلك.

وأشار إلى أن نسبة عالية من هؤلاء العمال ليس لديهم أعمال وهم على كفالة شركات تتركهم يمارسون العمل لدى الغير خلافاً للقانون وهنا لابد لوزارة العمل من المراقبة واتخاذ الإجراءات اللازمة لقمع مثل هذه الممارسات.

مخالفة القوانين .

وقال المحامي سالم ساحوه أنه رغم وجود قوانين كثيرة تحد من هذه الظاهرة إلا أن هناك عددا كبيراً من المخالفين للقوانين في هذا المجال سواء من العمال وأصحاب الشركات.

وأوضح أن القانون نص على أنه في حال فسخ العقد من جهة العامل لغير الأسباب المنصوص عليها كان العامل ملتزماً بتعويض صاحب العمل عما يكون قد لحق به من خسارة نتيجة فسخ العقد على أن لا يتجاوز مبلغ التعويض أجر نصف شهر عن مدة ثلاثة أشهر أو المدة المتبقية من العقد أيهما أقصر ما لم يوجد نص في العقد يقضي بغير ذلك.

كما أنه في حال أغفل صاحب العمل أو العامل إنذار الطرف الآخر بإنهاء العقد أو إذا أنقص مهلة الإنذار فإنه يجب أن يؤدي إلى الطرف الآخر تعويضاً يمسى بدل الإنذار ولو لم يترتب على إغفال الإنذار أو إنقاص مدته ضرر للطرف الآخر.

وفي حال انقطع العامل غير المواطن لغير سبب مشروع عن العمل قبل نهاية العقد المحدد المدة فلا يجوز له الالتحاق بعمل آخر ولو بإذن من صاحب العمل طوال سنة من تاريخ الانقطاع عن العمل كما لا يجوز لأي صاحب عمل آخر يعلم بذلك أن يستخدمه أو يبقيه في خدمته خلال تلك المدة .

وفي حال أنذر العامل غير المواطن صاحب العمل برغبته في إنهاء عقد العمل غير المحدد المدة وانقطع عن العمل قبل نهاية مهلة الإنذار المقررة قانوناً فلا يجوز له الالتحاق بعمل آخر ولو بإذن صاحب العمل لمدة سنة من تاريخ انقطاعه عن العمل ولا يجوز لأي صاحب عمل آخر يعلم بذلك أن يستخدمه أو يبقيه في خدمته خلال تلك المدة.

إغلاق المنشأة

وأشار إلى أن القانون ينص على أن يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استخدم أجنبياً على غير كفالته إلا أن هناك الكثير من أصحاب العمل يخالفون تلك النصوص ويقومون باستخدام عمال ليسوا على كفالتهم .

ولابد من تشديد العقوبة على غلق باب المنشأة التي تخالف هذه النصوص ولو لفترة محددة كعقاب رادع لأصحاب العمل الذين يقومون بإغواء بعض العمال للهروب من كفلائهم والعمل لديهم بالمخالفة للقوانين المعمول بها في الدولة.

وأشار إلى أن ضرورة الأخذ في الاعتبار الأسباب التي تؤدي إلى هروب العمال والعمل على تلافيها قدر الإمكان ومنها وجود سوق عمل مفتوح في الدولة وزيادة الطلب على العمالة وخاصة العمالة اليدوية ما يؤدي إلى وجود مغريات مادية قد تساهم في إغواء العمال بترك أعمالهم والهروب من كفلائهم هذا بالإضافة إلى أن صاحب العمل نفسه قد يكون له دور في ذلك وبخاصة عند عدم سداد رواتب العاملين أو التراخي في تسديدها.

زيادة الغرامات المالية

ويقول محمد عيد عزام المحامي والمستشار القانوني ان وراء حالات الهروب والعمل عند الغير أسباباً لابد من تغييرها للحد من الظاهرة ومنها ضعف الراتب الشهري بما لا يتلاءم أو يتناسب مع حاجات العامل الأساسية كالمسكن والمأكل والملبس والمشرب وتكاليف إلحاق أبنائه بالمراحل التعليمية المختلفة بما يجعله يبحث عن عمل آخر.

كما أن سوء معاملة رب العمل للعامل وعدم منحه حقوقه كاملة عن ساعات العمل الإضافية وأيام العطلات والإجازات الرسمية وتعديل وضعه الوظيفي أو المهني بما لا يتناسب مع العمل كل ذلك يؤدي إلى فقدان الثقة والانتماء.

وأشار إلى أن العامل عند شعوره بهذا يلجأ إلى العمل عند الغير وفي هذه الحالة فإن الكفيل يقوم بالإبلاغ عن هروب العامل لدى مكتب العمل والعمال بشأن والإعلان عن ذلك في الصحف تحذيرا من التعامل معه حماية لحقوقه وعدم وقوع أية مسؤولية جنائية أو مدنية عليه.

وقال من أجل لحل هذه المشكلات أجد من الضروري دراسة حالة العامل الاجتماعية والنفسية ومدى أهليته وانتمائه للعمل وارتباطه برب العمل وزيادة الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص والتقيد بقانون العمل وساعات العمل الإضافية وبدل الإجازات الرسمية والإجازة السنوية.

بالإضافة إلى ضرورة إضافة توسيع أعمال دائرة حل المنازعات وإلحاق أخصائي اجتماعي بها وممثلاً عن العمال بجهة العمل الملتحق بها العامل ويكون رئيساً لها أحد السادة القضاة وتكون أحكامها وقراراتها نافذة مما يوفر عبء إجراءات التقاضي على العامل ورب العمل.

كما لابد من تشديد العقوبة على صاحب العمل والمخالف والذي يقوم بتشغيل عمال على غير كفالته إذ أن الاكتفاء بتغريمه عشرة آلاف درهم لا تكفي للردع وإلزامه بدفع كافة ما تكبده رب العمل الآخر من مصاريف ونفقات وأتعاب محاماة وتأشيرة بغرض العمل وإقامة وكشف طبي.

أبوظبي- ممدوح عبد الحميد:

الشارقة - عمر بدران: